صمدت أزيد من 7 قرون، أسوار مدينة وجدة القديمة تتلاشى بعد شهور من ترميمها

عبدالقادر كتــرة

ليس من الغريب أن ينتاب الزائر لمدينة وجدة وهو يتجول في أرجائها شعور ، مفاده أن ليس هناك ما يمكن مشاهدته بهذه الحاضرة من تراث عمراني يثير بكثرته وتنوعه الانتباه ويستجيب للتساؤلات سوى بعض المعالم القليلة والتي يعود غالبيتها لفترة الحماية .

إنها لا شك إحدى المفارقات التي تميز الذاكرات العمرانية لهذا المجال الجيوـ سياسي من المدن المغربية القديمة، ورغم تاريخه المديد الذي يفوق العشرة قرون وما صاحب ذلك من انعكاسات سلبية عديدة مست استقراره، وتحكمت في اندثار متواصل وحثيث لجزء نجهله من تراثه العمراني، وذلك بسبب وجود المنطقة في ملتقى القوى السياسية المتصارعة خلال بعض الفترات التاريخية .

وفي غفلة من مجلس الجماعة الحضرية لمدينة وجدة الذي تتصارع فرقه الحزبية الثلاث التي أفرزها انتخابات أكتوبر 2015، أسوار مدينة وجدة القديمة الوحيدة  ومآثرها التاريخية تتآكل بناياتها وتتساقط واجهتها وتوشك على الانهيار خاصة تلك المحيطة بباب سيدي عبدالوهاب للمدينة  القديمة، حيث تنتظر فقط زخات مطرية خفيفة للانهيار، في غياب الاهتمام والمراقبة والمتابعة،  رغم خضوعها لبعض الترميمات فيما سبق، وأصبحت تخضع الآن لبعض الترقيعات، في ظل الجهل بأن هذه الموروثات التاريخية والثقافية من المآثر التي لا تعوض.

كان أول من أحاط مدينة وجدة بالأسوار هم الموحدون ثم تم تدمريها في عهد المرينيين بعد صراعهم مع بني عبدالواد ثم أعيد بناء القلعة سنة 1336م  وتم تجديدها في عهد المولي إسماعيل سنة 1679م. ويبلغ علو أسوار القصبة ما بين 6 و7 أمتار وقاعدتها مترا واحدا و30 سنتيمترا وبنيت بالطين المضغوط. وخلال أحداث آخر القرن التاسع عشر من هجومات القبائل المجاورة والتي كانت مدينة وجدة مسرحا لها وبعد تنامي الأحياء خارج الأسوار وحماية لها قرر عامل المولى عبد العزيز على وجدة ادريس بن عيش بناء سور وكان ذلك ما بين أكتوبر 1895 وأبريل 1896 بسواعد سكانها.

وتضم المدينة القديمة، بالإضافة إلى المسجد الأعظم أو ما يطلق عليه الوجديون ب”الجامع الكبير” في عهد أبي يوسف يعقوب المريني سنة 1296/1296 م على مساحة 1300 متر مربع. مساجد أخرى قديمة أهمها “جامع عُقْبة أو العَقَبة” ويقال أنه أول مسجد بالمدينة ثم “جامع حدادة”…بالإضافة إلى كل هذا تضم المدينة القديمة  الواقعة داخل الأسوار أقدم مدرسة بالمغرب وهي مدرسة “سيدي زيان” التي بنيت سنة 1907 والمحكمة الإدارية سابقا ومحكمة قضاء الأسرة التي تعتبر تحفة في المعمار المغربي والتي بنيت بمال المحسنين ومتحف المقاومة، في الوقت الذي فوتت ساحاتها للخواص كمواقف للسيارات والحافلات دون التفكير في أسوء النتائج التي تحدثها أدخنة عوادم السيارات وارتجاجات محركاتها على تلك المآثر…، دون الحديث عن نافورة ساحة بن عمر في قلب مدينة وجدة التي تم تدميرها كلية والعبث ببساطها النباتي وتحولت إلى مطرح للأزبال والأكياس والنفايات، كما تحول محيطها الإسمنتي إلى كراسي بفعل احتلال الباعة للطرقات والملك العمومي ولم يعد للزائر مشاهدتها.

يتم اغتيال أسوار مدينة وجدة بسبب تدخلات أشخاص جشعين، وبغياب مجلس الجماعة الحضرية للمدينة، حيث تتعرض مآثرها الداخلية إلى الإهمال والضياع لا من طرف المسؤولين على الشأن المحلي ولا من طرف المواطنين ب”مساهماتهم” في تلويث المحيط وفوضى الباعة المتجولين والقارين والتجار واحتلال الملك العمومي من أرصفة ومسالك ومداخل  المساجد دون احترام حتى الأماكن المقدسة”، بشهادة أحد الأساتذة الباحثين بجامعة محمد الأول بوجدة.

ويستطرد  أن خير دليل على ما يقوله، ما تتعرض له الأسوار من تدمير ببناء محلات تجارية على جوانبها والواجهة الغربية للمسجد الأعظم أو “الجامع الكبير” كما يحلو للوجديين تسميته والذي بني في عهد أبي يوسف يعقوب المريني سنة 1296/1296 م، حيث ترمى بالأزبال  بالقرب من “سقاقي ثلاثة” وتُكوَّم هناك بأركانه وتفعل بها الحرارة والمياه النتنة ما تفعل حيث تجد  جميع أنواع الحشرات ما تحتاج إليه قبل أن تنضاف إليها مجموعة من القطط والكلاب الضالة.

رصد غلاف مالي لبرنامج إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة بوجدة ناهز 183.7 مليون درهم. واستفادت من المشروع المدينة العتيقة التي تمتد على مساحة 28  هكتارا، حيث وصل عدد البنايات بها إلى 1250 بناية. وتم إنجاز أكثر من 40 في المائة من المشروع همت ترميم شبكات التطهير والطرقات وترصيف الأزقة وبعض الساحات بغلاف مالي بلغ 7 ملايين درهم، وتدعيم البنايات الآيلة للسقوط وترميم دار السعادة وتنقية الخرب (5 ملايين درهم)، وإعادة بناء الأبواب التاريخية وترميم الأسوار (2 مليون درهم) وتهيئة حديقة للامريم (9 ملايين درهم)، وتهيئة ساحة وقيسارية المغرب العربي (5.79 مليون درهم، حيث شملت الأشغال في الساحة ، التي تمتد على مساحة 2500 مترا مربعا، عمليات الترصيف والإنارة والتشجير وبناء رواق الفنون وتجديد واجهات مسجد وقيسارية.

كما تم إنجاز برنامج  التجديد الحضري لساحة باب سيدي عبد الوهاب بغلاف مالي يبلغ 120 مليون درهم،  وبناء سوق جديدة بدل المستودع البلدي القديم، وترميم السور القديم بغلاف مالي إجمالي يبلغ 25 مليون درهم، فيما همّ الشطر الثاني تهيئة ساحة عمومية وفتح طريق جديد بين ساحة المغرب العربي وسوق طنجة، وإعادة تهيئة السوق نفسه بغلاف مالي بلغ 95 مليون درهم.

واجب السلطات المنتخبة والمحلية ومديرية وزارة الثقافة والجمعيات المهتمة بالتراث والمآثر التاريخية أن تنهض لحماية هذا الإرث الذي لا يعوض وتحسيس المواطن بواجب صيانته عبر برامج إذاعية وملصقات وتدخلات مباشرة والطرق المعتمدة في هذا المجال، قبل فوات الأوان، كما يجب فتح تحقيق في طريقة ترميمه وأسباب تساقط واجهته  التي تؤدي إلى أسواق التمور والسمك واللحوم، والتي أصبحت تشكل خطرا على المارة والمرتادين لهذه الأسواق وبعض المواطنين المصطفين المتكئين على السور.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة