المكان الخامس : المنسج كَدٌّ وكسب، ابداع من صوف ونسج علاقات من ” حرير” ايضا

  اعداد محمد اعمر

 سلسلة حديث الأمكنة:                                                                                       

  سلسلة ” حديث الأمكنة ” عبارة عن حلقات مستوحاة من جهة وبشكل مباشر من قصة” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك كنت اتمنى منذ زمن ان اترجم لها في شكل مقال بما توفر لدي من معلومات حولها وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وبما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة خصوصا من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون وطمأنينة.

المكان الخامس : المنسج كَدٌّ وكسب، ابداع من صوف ونسج علاقات من ” حرير” ايضا   

يتكون ” المنسج ” التقليدي بواحة فجيج من قطع واجزاء عبارة عن  ( اعمدة اساسية من خشب ــ اعمدة رقيقة من جريد النخيل ــ قصب ـ قطع صغيرة من حديد ــ حبال…) يركب عموديا بإتقان و تشد اجزاءه بعضها الى بعض بقوة لتعطينا في النهاية ” الة يدوية  ” تسمى منسجا (انظر الصورة) .مهنة نسائية بامتياز ،يخصص له مكان ثابت داخل كل منزل يتم اختياره بكل عناية  مع الاخذ في الاعتبار تقلب احوال الطقس وتعاقب الفصول نظرا لوظيفته الاقتصادية ووضعيته الرمزية و الاعتبارية فان له  مكانة متميزة  تضاهي تلك التي نمنحها عادة للمرافق الحيوية الاخرى كالمطبخ والمرافق الصحية وغرف النوم …الخ.

اتخاذ النسج عند بعض الاسر وسيلة للكسب والمعاش ليس شرطا لوجود “المنسج” داخل المنزل فجميع البيوت تقريبا كانت تتوفر على مكان مماثل لا فرق في ذلك بين منازل  البسطاء  ومنازل ” الباشوات” والاعيان فطبيعة الواحة تأبى الكسل والخمول جعلت من رجالها ونساءها اناس الكد والكسب والانتاج (اليد)  كل في مجاله ادوات النسيج في كل بيت اغلبها  كان يصنع محليا وكانت تعتبر تجارة مربحة بقطاع الحدادة مع فارق بسيط يتمثل في ان ” بناء” المنسج بالنسبة لمن يتخذه حرفة يبقى قائما طيلة فصول السنة ويخضع الجلوس عنده  لقانون العرض والطلب في حين تكتفي الاسر الاخرى فقط بنسج ما يغطي حاجاتها من افرشة او اغطية وما الى ذلك ليتم فيما بعد ” هدمه ” وركن ادواته الى حين .

صور وذكريات لا تزال عالقة بذهني وانا اتابع والدتي وهي تكابد قصد ” اقامة  ” المنسج فطريقة بناءه وتركيبه وشد اجزاءه الى ان يقف مستويا  ليست دائما بالعملية الهينة والبسيطة بل تحتاج الى سعة الصدر والى وقت والى خبرة معينة  و الى دقة تتمثل في بعض العمليات القياسية بل احيانا الى قوة بدنية وبنية جسمانية من نوع خاص بل والى طلب العون والمساعدة وقد توارثت هذه الحرفة جيلا بعد جيل وولوج الفتاة فيما بعد اقسام المدارس ومدرجات المعاهد والجامعات ودهاليز الادارة لم يمنعها من “تَشَرُّب الصَنْعة” ومد يد المساعدة قدر المستطاع اثناء العطل وفي فترات الراحة.

 لم يكن الامر ترفا ولا ملئا لأوقات الفراغ بل جد وحزم ودقة في مواعيد الالتحاق ” بالمصنع ” دون تكاسل او  تباطء وبحسب مع من تم الاتفاق فإما جارة او احدى افراد العائلة حيث تلتحق مباشرة بعد تهيء وجبة فطور الابناء وتسريحهم نحو المدرسة وهي بالمناسبة وجبة متواضعة عبارة عن شاي او قهوة وقطعة كعك او خبز حافي وفي احسن الاحوال مرفق بزيت اما جبنة “البقرة الضاحكة” كانت من مظاهر البذخ .

اوقات اخلاء  المكان او مغادرته مؤقتا كانت للضرورة فقط كالوضوء للصلاة ومرتبطة بعودة الابناء مساءا من المدرسة بل ورجوع قطيع المعز والاغنام من المرعى حيث كانت العناية بعلفهم ومأكلهم ومشربهم لا تختلف في شيء عن العناية بغذاء الاطفال.

عمل دؤوب دون كلل او ملل ،همة ونشاط متعة وعناء فما ان يتم الانتهاء من نسج زربية اولى ولفها بعناية فائقة داخل ايزار وحفظها من الغبار والاوساخ  لوقت الحاجة كحلول ضيف عزيز مثلا حتى يتم الشروع في نسج اخرى هذه المرة من نصيب الجارة حسب الاتفاق فالاستفادة تتم عن طريق التناوب وطلب المساعدة ليس مجانيا دائما . وفي انتظار دفع الجلباب الاول الى محل الخياطة  يتم الشروع في نسج الثاني حسب الحاجة وحسب عدد  الابناء الذكور الكل ينتظر دوره بشغف كبير يتفقد المكان بشكل مستمر وهو يلمس يوما بعد يوما تقدما ملحوظا في الانجاز قسمات الوجوه وحركات تفصح عن علامات فرح وسعادة تغمر الجميع الام ، الاطفال والزوج  في انتظار الفرحة الكبرى يوم ارتداءه والتنعم بدفئه والزهو به امام الاقران والاصحاب بل وفي جو احتفالي وفق عادات معينة. فقط اثناء الاعياد الدينية او حين وفاة قريب او جار او صديق يتم  ” تنكيس ” المنسج وايقاف العمل الى حين .

عمل جماعي مسترسل ،تفاهم تام وتنسيق تلقائي بين اكثر من امرأتان تجلسن جنبا الى جنب تشتغلن على نفس المنسوج وفي نفس الوقت حركات الايادي تنطلق في كل الاتجاهات من الاعلى الى الاسفل ،من اليمين الى اليسار او العكس في تناغم وانسجام تام لا الخيوط تتشابك ولا الايادي ،عمليات شد  او ارخاء متكررة سرعة وتركيز متوازيان تجنبا للخطأ في العد والحساب فكل بمقدار وضع رغم ما يبدو فيه من انسجام لا يخلو من تبادل الملاحظة والنصح  من قبيل ضرورة الزيادة في “الايقاع ” او في الإحكام او العكس… الا انها لا تفسد للتفاهم  قضية صدر رحب ووجه بشوش فلا شيء يعلو على الحرص على احترام معايير جودة  المنتوج. اخريات تلتحقن بالمكان تحملن ” سلة الشغل” من اجل مشط الصوف او من اجل غزله وهي مراحل تسبق عادة عملية النسج، مكان لا مجال فيه” للتراخي ولا للراحة ” تجسيدا للعبارة المتداولة “حديث ومغزل ” او “حديث ومنسج”

 حديث في امور الدنيا وفيما جد في الحياة اليومية السؤال عن اخبار الاهل والاحباب والجيران والصديقات واحيانا التقصي عن الصفات الخُلقية والخَلْقية للفتاة المرشحة مستقبلا كزوجة لاحد الاقارب ابن اواخ  مكان قد يكون سببا في نسج علاقة مصاهرة ،السؤال عن حالة المرضى والدعاء لهم بالشفاء، تذكر الاموات والترحم عليهم وتتبع احوال العلاقات الاسرية والعائلية والاجتماعية واتخاد مواقف بشأنها ومناصرة هذا الطرف او ذاك مع محاولات السعي الى اصلاح ذات البين.

حديث يحمل قيما اخلاقية ويمرر رسائل تربوية يعظم ويرفع من شان العمل ويدعو الى نبذ الخمول والتراخي والكسل والمبالغة في النوم مناسبة لإعداد امهات المستقبل و” تجنيدهن”  لتحمل المسؤولية .حديث يتضمن الدعوة الى علاقات اجتماعية مبنية على ذوق رفيع وجمال يشبه تلك الزرابي في الوانها الزاهية واشكالها البهية علاقات تحتاج الى قلب ابيض سليم مثل بياض الصوف والى حسن القول والمعشر مثل رقة الحرير علاقات تحتاج الى صدق وصبر للحفاظ على استمرارها وليس من الغريب على ثقافتنا الشعبية المحلية ان نجد امثلة باللهجة الامازيغية تنتقد وتشبه بعض العلاقات الهشة والسطحية والشكلية المبنية على المجاملات و على المبالغة او على المصالح والتي قد تدروها الرياح في اية لحظة فتنفصم عراها بزربية او افرشة تمزقت وتلاشت وهي لاتزال في طور الانجاز لم يكتمل  نسجها بعد، امثلة شعبية تطرح في المقابل بدائل وتصورا معينا للكيفية التي من المفروض ان تبنى عليها العلاقات بشكل عام والعهود والمواثيق بشكل خاص شبيهة بمتانة وتماسك وجودة تلك المنسوجات وكأنهن يرددن قوله تعالى:  ” ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا…” سورة النحل الآية 92.

غير غافلات ولا متعلقات بزينة الحياة الدنيا ولا منشغلات بزينة الجلباب او الزربية او السجاد حتى وان  كان من حرير فأمور الدين حاضرة بقوة من خلال ما يحفظن ويرددن من اهازيج وامداح دينية باللهجة العامية او الامازيغية  في ذكر الرحمان وطلب العون والتوفيق والسداد  والصفح والغفران وتنبيه تارك الصلاة فإما توبة او ندم و خسران والدعوة الى الحرص على العبادات وعلى العمل الصالح  والتذكير بهازم اللذات وبسكرات الموت وبأهوال القبر ويوم الحساب وبالمصير فإما سعادة وفوز بالجنة او شقاء وخلود في النار اهازيج  في مدح خير الانام  والصلاة عليه ابتغاء الاجر والثواب يتم ترديدها جماعة بأصوات هادئة شجية متناغمة وبقلوب خاشعة مطمئنة  دون جهر او تخافت  مما يجعل صداها في بعض اوقات السكون يبلغ مسافة معينة تجعل المستمع يقف ليتعقبها بأذنه بل قد يتعرف على مصدرها وما ان كان الامر يتعلق بعزاء او” بصاحبات المنسج ” ومن ساعة الى اخرى حكايات مضحكة واغاني واهازيج  للترويح عن النفس وكسر رتابة الساعات الطويلة والمتتالية من الجد والكد واخرى قد تعكس الحالة النفسية للمرأة تفرغ من خلالها ما بجعبتها من  هم وغم او معاناة وقلق.

موعدنا بفضل الله وقوته مع مكان آخر و حديث آخر

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق