المكان الرابع : فجيج من ” دار العدة ” عبر مدارس الحركة الوطنية نحو تحقيق حلم المستقبل

  اعداد محمد اعمر

  سلسلة حديث الأمكنة:                                                                                       

  سلسلة ” حديث الأمكنة ” عبارة عن حلقات مستوحاة من جهة وبشكل مباشر من قصة                      ” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك كنت اتمنى منذ زمن ان اترجم لها في شكل مقال بما اتيح لي من معلومات بخصوصها  وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وبما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة خصوصا من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون وطمأنينة.

  المكان الرابع : فجيج من  ” دار العدة ” عبر مدارس الحركة الوطنية

نحو تحقيق حلم المستقبل.

العنوان الاصلي لهذه الحلقة من حلقات سلسة حديث الأمكنة ” دار العــدة ” كان مختلفا ومتشائما إلى حد ما دار العدة ” : بين إعداد وولع الأمس واعراض ووجع  الحاضر” إلا إن اللقاء التاريخي المنعقد ببو سكورة بمدينة الدار البيضاء الكبرى يومي 24 و 25 غشت 2019 قصد بلورة تصور تنموي استراتيجي طموح يخص منطقة فكيك في بعدها الجهوي ،الوطني والدولي جعلني اقف لحظة لأتساءل عما ان كانت هناك علاقة ما بين الموضوع والحدث تقتضي هذا التعديل في العنوان وتعديل طفيف مثله في الموضوع بما يتلاءم مع الحدث دون اقحام او تحميل الموضوع ما لا يطيق فوجدت الجواب في أكثر من موضع، وجدته في الجلستين الافتتاحية والاختتاميه للقاء، داخل الورشة الثالثة على الخصوص وما صاحبها من نقاش كما وجدته بين سطور ملخص الورشات الذي تم نشره وتعميمه حيث نجد ان مراكز ومعاهد العلم والبحث حجزت لنفسها مكانا ضمن مقترحات البرنامج التنموي الاستراتيجي الطموح فجاء عنوانا بهذه الصيغة حاملا معه من تلقاء نفسه مسحة استشرافية مستقبلية تفاؤلية.

واذا كانت مدارس الحركة الوطنية ــ النهضة والحسنية ـ  تعتبر عن حق نقطة اشعاع اربعينية القرن العشرين فان الانتقال الى ضفة حلم ثلاثينية او اربعينية القرن الواحد والعشرين يقتضي لزوما ويفرض المرور عبر جسرها وقد نتناولها مستقبلا ضمن حلقة من حلقات حديث الامكنة في قالب ينسجم مع تصورنا للسلسلة.

مقدمة توضيحية كان لابد منها  لنعود بعدها وبفضل الله الى موضوعنا الرئيسي من مواضيع السلسلة ويتعلق الأمر بدار سكنها الأولون مجازا وذلك بدوام وكثرة الإقبال عليها  فكانوا معها في وصل لا يعرف  الى الانقطاع سبيلا  ولكن سكنتهم  فعلا وحقيقة  بان اعمرت  فكرهم وعقولهم وغدت قلوبهم ووجدانهم  وسطرت ملامح مستقبلهم بما احتوت عليه من ذخائر وكنوز وبما انعكس ايجابا على عقيدتهم وعلى سلوكهم وأخلاقهم وهويتهم وعلى نوع علاقاتهم بغيرهم ، وهجرها وأهملها وعبث بها البعض من بعدهم مع استثناء اصحاب الفضل والعمل الصالح ممن ثقلت موازينهم والذين عملوا ليلا و نهارا في السر والعلن للحفاظ على ما تبقى من محتويات هذه الدار والتعريف بها بل وملء رفوفها واغناء محتوياتها بمزيد من التحقيق والتأليف وكأنهم يعتذرون ويكملون مسيرة السلف الصالح .أوليس التشبه بالكرام فلاح؟

توجد هذه الدار بواحة فكيك بأحد قصور العلم والمعرفة ومشاهير الاعلام قديما وحديثا انه ” قصر المعيز” لم يبق من الدار مع الأسف إلا الاسم بعدما ضاعت جل مخطوطاتها وكتبها وتمزقت وتفرقت صفحاتها وعناوينها بين أبناء العشيرة.

يتعلق الامر اذن بدار للكتب وقد استعمل  القدماء مصطلحات أخرى للتعبير عن المكتبة فقالوا: دار الحكمة ،دار العلم ،دار الكتب، خزانة الحكمة، اما كلمة مكتبة فهي كلمة حديثة وتعني المستودع الذي تحفظ فيه الكتب واللفظ الشائع في الاستعمال المغربي حسب كتب التراث هو خزانة الكتب وارتأيت ان اضيف الى المعاني السالف ذكرها للتعبير عن المكتبة معنا اخر راقني  انه “دار السعادة ” اولم يكن لابن قيم الجوزية 691ه 751ه ـ 1292م 1349 مؤلفا بعنوان “مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والارادة “؟

واذا كان لابد لكل دار من  صاحب ومن حامل لمفاتيح أقفالها فمن يكون يا ترى صاحب الدار موضوع مقالنا انه مؤسس الصرح الثقافي بأصقاع فجيج ونهضتها العلمية العلامة الامام سيدي عبد الجبار الذي عاش ما بين 820ه و918 ه تقريبا 1417م1512م ولن اجد من اضافة ولا احسن مما كتبه الاستاذ المتخصص محمد بوزيان بنعلي  للتعريف بهذه الخزانة و بصاحبها وهذه بعض المقتطفات من مقاله حولها :” دار العدة ” ضاهت خزائن الحواضر الكبرى كفاس وتلمسان ومراكش بما احتوت عليه من مؤلفات نفيسة ، وزاويته العلمية التي تخرج منها رعيل من فطناء  الاعلام ، بل جاءها الطلبة من الشمال والجنوب وحتى من مصر. تقول الرواية الشفوية  بخصوص خزانة دار العدة  : انه دشنها بحمولة اربعين بعيرا كتبا ، ثم يأتي احد الرحالة العالم اللغوي ابو العباس الهلالي ليعزز تلك الرواية حين يقول  : ” فقد ذكروا ان عدة ما خلف سيدي عبد الجبار واولاده من الكتب ثلاثة الاف مجلد”(- ص :11-)  اثنى عليها العديد من العلماء والرحالين كالعياشي والهشتوكي وابن ناصر الدرعي ، وابي العباس الهلالي كما تحسر بعضهم على غياب قيمها … وتوجع البعض الاخر على ما اخذ يدب من وهن في جسدها والحقيقة التي لا يرتاب فيها خبير بتاريخ الخزانة انها ساهمت بحظ وافر غزير في خدمة الثقافة العربية داخل فجيج … وخارجها الى مسافات بعيدة “.(انتهى)

جاء في المعاجم العربية شرحا لكلمة “العـدة ” اذ يقال اعد للأمر عدته بمعنى تهيا له واستعد له هي اذن كلمة واحدة ” العـدة “  الا انها في تقديرنا جامعة مانعة تختزل مسيرة الإنسان من المهد إلى اللحد  كلمة تكفي وحدها لاستنتاج ان صاحب ” دارالعــدة ” كان ذو بعد نظر وذو افق واسع لهذه الغاية خصص العلامة المرحوم سيدي عبد الجبار مكانا جهزه بالعدة والزاد بما يشبه الإعداد لرحلة قد تطول اوقد تقصر لها بداية ولابد لها من نهاية ولكن اية رحلة ؟ انها رحلة العمر وجهزه بالعتاد بما يشبه الاعداد لخوض حرب ما الا انها حرب من نوع خاص ومن اجل اهداف خاصة ،حرب من اجل الحياة لا الموت (القتل)  من اجل البناء و الاعمار لا من اجل  الهدم و الدمار من اجل الحق لا الباطل ،من اجل الحقيقة لا الخرافة ،من اجل الحرية والتحرر والنظام لا الفوضى والاستعمار، من اجل الوسطية والاعتدال ومن اجل تحقيق السعادة ” الابدية ”

لا الشقاء. فالمسير نحو دار القرار بما ينسجم مع هويتنا ومع عقيدتنا الاسلامية واجتياز محن دار الاختبار والتعامل مع  منحها يتطلب عدة وعتادا وزادا فالحياة لا تستقر على حال  فهي بين اقبال وادبار وفرح وقرح وضيق ورخاء وعلة وعافية حيث يقتضي إعطاء الأولى بقدر فناءها والاخرة بحسب بقاءها.

انها مجابهة عدو شرس وحرب على مرض عضال فتاك المصاب به حي ميت، مرض يشل الفكر ويعدم الحركة ويعمي البصر والبصيرة ، يصم الاذان ،يعيق الانتاج و التقدم والابداع ،يضل السبيل و يشد صاحبه نحو الوحل متخبطا  في اتون الاحباط والسلبية وحياة الانغلاق والتعصب والخرافة ،حرب سيوفها ورماحها ودروعها وسهامها وخيولها وامصال وجعها ودواء جروحها ما احتوت عليه “دار العدة”  من مصنفات نادرة مشرقية مغربية اندلسية وفي شتى ضروب العلم والمعرفة تميزت بالتنوع والغنى حيث توزعت بين :علوم القران،الحديث والسيرة ، الفقه ، التاريخ وما اليه من تراجم وفهارس وانساب ، الحساب والفلك ،الطب ، المنطق ،علوم اللغة العربية ،الأدب، التصوف والذكر…الخ انها الحرب ضد الجهل في مفهومه الواسع وبجميع معانيه وبشتى انواعه وقد يفعل  بصاحبه فردا كان او جماعة ما لا يفعله به عدوه . اوليس عداوة العاقل اقل ضررا من مودة الجاهل؟؟؟.

وربما لن نجازف ان ادعينا ان صاحب ” دار العدة” كان صاحب مشروع ايضا انه ” بناء الانسان وتكوينه” بناؤه العقلي والفكري الروحي والنفسي والسلوكي والاخلاقي بناء الانسان المؤمن القوي بعقيدته المتزن وجدانيا الانسان العاقل الواعي الحصيف النبيه المنشغل بحمل قضايا بلاده وامته.

واذا كان لابد لكل بناء من ركائز يكون لزاما تقويتها وتمتينها كلما علا البناء “لينطح” السحاب فان ركائز واسس بناء الانسان القويم هو العلم النافع به يسمو ويعلو شانه فتشرئب عنقه في تواضع وانكسار نحو عنان السماء ونحو خالقه  فبالعلم نعبد الله ونزداد تدبرا وتفكرا وتعقلا ويقينا ورقيا وتقوى وايمانا الم يقل عزمن قائل في كتابه الحكيم (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) بالعلم والمعرفة نحيى الحياة الطيبة وبالعلم والايمان نرسم طريقنا نحو جنة الخلد وفي هذا المعنى قال الامام الشافعي ايضا : ” من تعلم القرآن عظمت قيمته ، ومن تكلم في الفقه نما قدره ، ومن كتب في الحديث قويت حجته ، ومن نظر في اللغة رق طبعه ، ومن نظر في الحساب جزل رأيه ، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه

انها دار العلم ،دار الحكمة، دار السعادة دار من لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة دار من خلالها ادركنا جزءا من مكمن الخلل والتخلف وسر تطور الحضارات ورقي الامم وتقدمها انه سحر المعرفة والعلم والابداع.

ان جيل القرن الخامس عشر الميلادي الذي استطاع احداث ” دار العـــدة ” الى ان ذاع صيتها وبلغ إشعاعها العلمي والثقافي الافاق وجيل الحركة الوطنية الذي ادرك اهمية العلم فجعل من اولوياته تنوير العقول وتشييد المدارس ومن شعاره التربية والتعليم للمرأة وللرجل على السواء يجعلنا نؤمن بما لا يدع مجالا للشك ان جيل القرن الواحد والعشرين بحلمه المشروع والطموح  لن تعدمه الارادة للنهوض ثانية بمنطقة فكيك وانتشالها من وضع الهشاشة والنكوص لتنفض عنها الغبار وتكسر الاغلال وتمزق ما نسجته العناكب حولها من خيوط لتنهض من جديد وليعاد اليها بريقها ودورها التاريخي واشعاعها الثقافي و العلمي. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .

 

موعدنا بحول الله وقوته مع مكان آخر و حديث آخر

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة