المكان الثالث : عمارة المساجد الطينية باعث على التفكر في الكون والتفاعل معه

 اعداد محمد اعمر

سلسلة حديث الأمكنة:                                                                                        

  سلسلة ” حديث الأمكنة ” عبارة عن حلقات مستوحاة من جهة بشكل مباشر من قصة   ” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك كنت اتمنى منذ زمن ان اترجم لها في شكل مقال بما توفر لدي من معلومات حولها وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وبما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة خصوصا من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون وطمأنينة.

 المكان الثالث : عمارة المساجد الطينية باعث على التفكر في الكون والتفاعل معه

يعتبر مسجد اولاد سليمان ومسجد ال سيدي عبد الوافي  جزءا من الحضارة او العمارة الطينية بواحة فكيك وهما من المساجد العتيقة صغيرة الى متوسطة الحجم ،قديمة قدم دخول الاسلام الى المغرب يعود تاريخ انشائها الى قرون خلت غاية في الروعة والجمال  خاصة بعد عمليات الترميم التي حافظت على طابعهما المعماري الطيني الأصيل وكأني بهما يأبيان عولمة الحاضر ويقاومانها وقد سبق لنا أن تحدثنا عنهما بشيء من التفصيل على صفحات جريدة “فكيك صوت الجنوب” عندما كنا بصدد الحديث عن عمليات الترميم التي شهدتها مجموعة من المواقع الأثرية بالواحة وسنكتفي اليوم بتسليط الضوء على جزء مهم من مكونات هذين  المسجدين ويتعلق الأمر بشكل منبرهما ” الطيني” الأصيل الذي يعتليه الإمام أو الفقيه ..

من اجل ذلك سنوظف صورة فوتوغرافية التقطناها من عين المكان  ( انظر الصورة ادناه ) كما سنحاول اعطاء وصف انشائي  لهذا المنبر لعل وعسى نوفق في تقريب الصورة الى اذهان القراء الذين لم يسبق لهم التعرف عليه وذلك من خلال التركيز على شكل المنبر وهندسته.

والى حد كتابة هذه السطور لا نجد حسب علمنا سوى ثلاث مساجد في الواحة لا تزال توظف هذا المنبر منذ تشييدها الى الان وهو ما يميزها عن غيرها وهي : المسجدان موضوع مقالنا  والمسجد العتيق بقصر الوداغير المعروف بصومعته الحجرية الثمانية الشكل الفريدة على الصعيد الوطني حيث كانت تقام به صلاة الجمعة بشكل مؤقت خلال الفترة التي كانت فيها اشغال ترميم المسجد الجامع لاتزال جارية.

هو عبارة عن  منبر غير خشبي ” منبر طيني ان صح التعبير ” بسيط في شكله وفيما تجود به طبيعة الواحة من مكونات ،لا يشبه في شيء المنابر المعتادة المعروفة  بجل مساجد العالم الاسلامي والمزركشة بمختلف النقوش والكتابات يجاور المحراب على عمق داخل الجدار ـ يدخل ضمن هندسة المسجد

وعناصر بناءه ـ وعلى علو مقدر عن الارض ومن مستويين يسمح احدهما للإمام بالقعود هنيهة بين خطبتي الجمعة كما هو معروف اقتداء بسنة رسول الله (ص) ،لا يشغل مساحة كبيرة لا من حيث العرض ولا من حيث الطول  فبالكاد يسع لقامة الامام، لا يتجاوز من حيث عمقه  60 سنتم .لا بد

قصد اعتلائه من الاستعانة  بقطعتين من خشب النخيل منحوتتين ومفصلتين على شكل درجات ــ         (انظر الصورة)  يخرجهما او يستلهما الامام من داخل الجدار وعلى عمق معين ــ مكان خاص شبيه بالقمطرـــ  متخفيتان قد لا تٌفْصِحَان عن وجودهما بيسر، بعد نزول الامام يتم ارجاع  القطعتين الخشبيتين الى مكانهما بدفعهما نحو عمق الجدار لربح حيز مكاني وحتى لا تعيقا حركة المصلين.

انه على العموم طابع العمارة الطينية المتميز بالأصالة والبساطة وبالجاذبية والجمال، أو ليست عمارة من صميم الأرض ؟ اما عمارة المساجد الطينية فتحتاج على الخصوص الى وقفة تأمل يزيدها جاذبية وبهاء وحسنا استحضار بعدها الروحي ،عمارة ذات ” وقع ” على القلوب والنفوس والعقول والمشاعر فهي بما تتيحه من إحساس زائد بالبساطة وبالتواضع وبالمساواة بما تفرضه من خلع رداء الكبر والعجب والغرور حيث الاقدام حافية والجباه ساجدة على ارض تفوح بعبق طيب التراب انها اللحظة الأكثر تذللا وانكسارا وخضوعا لله سبحانه والاكثر قربا منه جل وعلا تُستدعى اثناءها كافة الحواس والجوارح بشكل عجيب مع كل ما في العملية من تعقيد وتركيب وتفاعل بما يزيد من الخشوع وبما ينعكس على النفس في شكل سلام داخلي وشعوربالرضا والطمأنينة انها دافع للتأمل والتفكر والتدبر في هذا الكون وما حوله من مخلوقات ومن بشر وشجر وحجر والتفاعل معه.

عمارة تذكرنا بالأصل وبقصة مراحل خلق الإنسان فيما يشبه البناء قال عز من قائل : (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم: ‏‏20]. وقال ايضا :  (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ‏‏[المؤمنون: 12  يذكرنا ترهل البناء وسقوطه وانهياره او هدمه بمراحل الفناء ، تختزل هذه العمارة ايضا رحلة عبور الإنسان من دار الى دار من دار  الاختبار إلى دار القرار يقول تعالى: ” منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى” طه/55.وما بين البناء والهدم والانهيار وما بين الدارين من مسافة زمنية قد يطول اجلها او يقصر يقطعها المسلم بين مد وجزر بين غفلة وتذكر ،بعد وقرب ، فساد وصلاح تتنازعه مشاعر الفجور والتقوى، والشر والخير، والمحظوظ هومن يدرك قبل نهاية المطاف وفي الوقت المناسب المغزى من حمل رسالة الاستخلاف وعمارة الأرض قال الله عز وجل:{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } هود61. والمغزى الحقيقي من الوجود حيث قال عز من قائل :{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56 حتى لا يفوت على نفسه فرصة تحقيق الغاية الاسمى فيصبح من النادمين من اجل ذلك ألا وهي الفوز بجنة الخلد قال تعالى:{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } المؤمنون 115. وصدق الله العظيم .

 

موعدنا بحول الله وقوته مع مكان آخر و حديث آخر

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة