المكان الثاني: الجْمَاعَة “أرائك مريحة من طين وطوب وحجارة ومجالس تنبض بالحياة “

  اعداد محمد اعمر

  سلسلة حديث الأمكنة:                                                                                        

  سلسلة ” حديث الأمكنة ” عبارة عن حلقات مستوحاة من جهة وبشكل مباشر من قصة ” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك كنت اتمنى منذ زمن ان اترجم لها في شكل مقال بما توفر لدي من معلومات حولها وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وبما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة خصوصا من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون وطمأنينة.

المكان الثاني:  الجْمَاعَة “أرائك مريحة من طين وطوب وحجارة

ومجالس تنبض بالحياة “

لاسم ” جْمَاعَة ” بسكون  الجيم وفتح العين دون نطق التاء  بمجتمع الواحات ” فكيك ” أكثر من دلالة تفهم حسب السياق فقد نعني بها أحيانا  تلك ” المؤسسة  التمثيلية العرفية العريقة ” أي ذلك الإطار  الاعتباري  الذي يتكون من جماعة محدودة من الناس  يشكلون ” أعضاء الجماعة ” تسند إليهم اما عن طريق الانتخاب او التعيين مهمة تمثيل السكان و تدبير شؤون القصر و ساكنته وتحديد علاقته بغيره وفق تقاليد وأعراف “ونظم” مضبوطة إلى حد ما.

أما” دار الجماعة ”  وكما يدل عليها منطوقها فهي مقر في ملك الجماعة خاص بعقد الاجتماعات للتداول في شؤون الجماعة كما اشرنا أعلاه يضمن حدا معينا من الحياد ومن حرية التعبير ،يهيأ  أيضا بشكل لائق ليلعب دور دار الضيافة  و لحفظ الأرشيف وما إلى ذلك… و قد نتناول هذا المكان لاحقا بشيء من التفصيل لنخصه بحديث ضمن أحاديث السلسلة.

في حين نقصد ب ” اجْمَاعَ ” موضوع مقالنا  ذلك المكان المخصص لجلوس الذكور دون الاناث الراشدين منهم والشيوخ  وبشكل يومي ومنتظم صيفا و شتاءا و” المملوك على الشياع ” والموجود في جميع القصور دون استثناء  يكون بمحاذاة  المساجد اوفي محيطها  تبنى فيه بالطوب والطين والحجارة مقاعد “عتبات” من كلا الجانبين في وضع يجعلها تقابل بعضها البعض شبيهة ب ” ارائك العصر” إلا انه شتان بين ما في الأخيرة من نعومة ولين ورخاوة وزينة ورفاهية وما في العتبات من صلابة وخشونة وبساطة وزهد .

غالبا ما يلتقون دون سابق ميعاد ينتظرون دخول وقت الصلاة لينتشر بعضهم بعد انقضائها ابتغاء من فضل الله و ليعود بعضهم الآخر إلى الجلوس لاستكمال الحديث ولتجاذب اطرافه حول ما يروج من جديد أخبار الحياة المحلية اليومية حديث قد لا يخلو من افات اللسان ومن جرعات ” غيبة ونميمة وتنابز وهمز ولمز وإقحام الأنوف في الشؤون الخاصة ”  او مناقشة مضامين خطبة الجمعة الاخيرة خاصة تلك التي تحمل نقدا لاذعا لبعض سلوك أو عادات الناس السيئة وما تخلفه من ردود أفعال نتيجة الحساسية المفرطة لمثل هذه المجتمعات المنغلقة اتجاه أي نقد او تغيير فترى كل واحد ينصب نفسه عالما جهبذا يدلي بدلوه ويفتي في راي الخطيب يدحض قوله…

أو قصد تبادل المعلومات حول دقائق المعيش اليومي وفي مقدمته مسالة تصريف مياه السقي ومشاكل احتسابها وتوزيعها أو ما يرتبط بالتقويم الفلاحي وتعاقب الفصول ومنازلها وما يصاحبها من تقاليد  كالسؤال عما تبقى لتوديع ” ليالي “الشتاء القارس وموعد دخول فصل الربيع والإعداد لوجبة           ” الرفيس” الا ان أكثر ما يشق على سكان الواحة حلول أيام القيض حيث يتكرر نفس الكلام عن موعد دخول “العنصرة” أو فترات اشتداد الحر “السمايم” فتراهم مختلفين  بشأنها بين متأفف قنوط ومرحب راض مرتج كما يتكرر السؤال حول ما ان كانت خوابي وقُلات تبريد مياه الشرب متوفرة في السوق بعدما يكون رجل ” الفخار” قد أنهى عملية تجفيفها وما ان كانت “الفلول” الاولى من العقارب قد بدأت بالظهور ومشكل لدغاتها وكيفية الوقاية منها حيث ينصح البعض بتعليق تعويذات الحفظ على الجدار لما تتضمنه من آيات قرآنية مختارة كأية الكرسي او الآية 27 من سورة الطور حيث يقول عز وجل    ” فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم” انها فرصة للفقيه لتزويد دخله السنوي بدريهمات معدودة.

يحظى الحديث عن تابير النخيل داخل هذه المجالس بنصيب أوفر فمستقبل غلة السنة من الثمار بل العلة من مكابدة حياة الواحة مرتبطة بمرحلة تلقيح عروس الواحات وعصب اقتصادها انها ثقافة الواحة وطبيعتها ماء وخضرة وثمار و مُقام حسن  “جنة وسط الصحراء” ومن أحاديث هذه المجالس ايضا مراقبة هلال شهري رمضان والعيد وما ان كنا سنصوم تسعة وعشرين فقط  ام ثلاثين كاملة…

وللأخبار والأحداث الوطنية والدولية نصيب حيث تجدهم يتبادلون شذرات مما قد يصلهم منها و من مصادر محدودة غير  التلفاز من طبيعة الحال الذي لم يعرف البث وبالأبيض والأسود  إلا أواسط السبعينات حيث المذياع او ما يحمله الوافدون على الواحة في العطل والمناسبات الدينية او الاجتماعية والقاطنين خارجها ( المتمدنين ) بما في ذلك بلاد المهجرـ فرنسا ـ حيث بدأت الهجرة اليها في وقت جد مبكر من القرن العشرين انها نافذة  لفك العزلة والانفتاح على الخارج وتجاربه، اما السياسة فحاضرة بقوة في هذه المجالس فمن الصراع العربي الاسرائيلي الى موضوع الديموقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون إلى  أجواء الانتخابات ونتائجها بدول المهجر  بين صعود اليمين وسقوط اليسار وما قد يترتب على ذلك من انعكاس على أوضاع الجالية ومستقبلها بهذه الديار ومن تفاصيل حياة  “النصارى والنصرانيات ” وطبيعة العلاقة بين الجنسين الى الحريات الفردية و مستوى العري والانحلال الى المثلية مرورا بنمط العيش بدول العالم المتقدم وظروف العمل والأجور والسكن والتقاعد ووسائل النقل المتطورة  بل و أوضاع الجالية المسلمة هناك ومشاكل الاندماج والمواطنة والهوية و كيفية ممارسة الشعائر الدينية وتربية الأبناء…

مجالس تنبض بالحياة تجمع طباعا وامزجة ومستويات متفاوتة ومختلفة كلام فيما يفيد تتخلله ساعة بعد ساعة لحظات من الترويح ومن النكت  والمستملحات بما فيها تلك التي قد تخدش الحياء أحيانا وما يصاحبها من قهقهة ولحظات من  المزاح والسخرية التي قد تنقلب بين البعض إلى مشادات كلامية قد تتطور بدورها إلى عراك وخصام وعداوة قد تدوم شهورا.

كانت ” اجْمَاعَ” عند بعض الحرفيين هي المكان المفضل للإنتاج والإبداع ” حديث ومغزل ” وصنع بعض المنتوجات اليدوية المحلية التقليدية التي كان المجتمع الواحي في حاجة إليها آنذاك كما ان ببعض “الجْمَاعَاتْ” دكاكين جد صغيرة لممارسة التجارة وتقريب بعض السلع والخدمات من الساكنة.

كانت تعتبر أيام الصيف مكانا للاستجمام وقضاء العطلة  وملجئا ومدخلا مفضلا للقيلولة يولون إليه هربا لتخطي الاوقات العصيبة  اثناء فترات القيض بما توفره هندسة القصر على العموم لمثل هذا الطقس من سقوف تمنع تسرب الضوء وأشعة الشمس الحارقة الا بمقدار ودروب ودهاليز تضمن بين الفينة والأخرى هبوب تيارات هوائية محملة  بنفحات نسيم عليل ينعش الروح ويحيي النفوس يزيدها لطفا  تطوع البعض في وقت مبكر من الصباح لتنظيف المكان ورشه من بئر المسجد لتهيئ ظروف القيلولة التي تعتبر موروثا ثقافيا اخذته بلدان الشمال عن الجنوب بعدما كانت تعتبرها مؤشرا على الكسل والخمول.

كان على النساء  تعديل ومراجعة اوقات خروجهن من اجل قضاء ماربهن واختيار الانسب حتى لا تتصادف مع الفترات التي تعج فيها ” الجَمَاعَ ” بالهرج والمرج حيث يتعذر على النساء  المرور أحيانا  إلا خلسة وبشق الأنفس وبعد ان يتصببن عرقا من الحياء والخجل يمشين  ملتصقات بجانب الحائط لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن متآزرات بلحاف ابيض محكم الشد من غير عطر ولا طيب ، لحاف به ثقب تطل منه بعين واحدة على العالم الخارجي ترى كل شيء ولا يرى منها شيء لحاف  لا يبدي زينة ولا يكشف فتحة صدر ولا ساقا ولا عنقا بل قد يترددن فيجدن أنفسهن  مضطرات إلى تغيير المسار اوالى الرجوع  من حيث أتين في انتظار إخلاء المكان وانفضاض الجمع انه احد الوجوه السلبية لهذه المجالس حذر منه الشرع ووضع له شروط بل قد يجرح عدالة المرء حسب راي بعض العلماء.

اما الاطفال فلم يكن يسمح لهم الا ناذرا بمخالطة هذا المكان او احتلاله وحجز حيزا به بل كان يعد ذلك من سوء الادب والاخلاق وقلة التربية وان حصل وتجرا احدهم او تجاوز حده فانه ينهر و يطرد منه شر طرد ويؤنب و قد تتم الوشاية به فيعاقب من طرف الاهل بل حتى حقهم المشروع في اللعب ونزقهم وصياحهم وشغبهم يجب ان يكون على مسافة من” الجْمَاعَ “

وعلى افتراض اننا عدنا اليوم الى الجلوس على ” ارائك الجْمَاعَ ” بعدما أصبحت خاوية على عروشها و برفقة هواتفنا الذكية مع استعمالنا الغبي لها وعلى غرار “التئام”  بعضنا  اليوم على موائد الضيوف والولائم والمآدب في الاتراح كما في الأفراح او على طاولات المقاهي والمطاعم لا شك انه سيكون جلوسا لا يشبه الجلوس في شيء فقد كان  الجلوس تجمعا ولمة، انسا والفة واصطحابا، ثقة وامنا ، احتكاكا و تقاربا ،حديثا وإنصاتا ،حركة وسكونا ،هرجا ومرجا، خصاما وتوددا وصلحا ،سكينة وطمأنينة راحة للنفوس قبل راحة الأجساد جلوسا ينبض بالحياة بما يجمعه من متناقضات اما اليوم فقد اضحى جلوسا موحشا جافا صامتا أصما و أبْكَما ” لا طعم فيه ولا رائحة” تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى جلوس اموات غير احياء، جلوس مريب وجلوس شك وغدر وظن  وقلق واضطراب.

موعدنا بحول الله وقوته مع مكان آخر و حديث آخر

 

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق