فكيك .. الحلقة الاولى: ساعة ـ الجامع الكبيرـ او” الساعة العمومية ” وسؤال الزمن ؟

   اعداد محمد اعمر

سلسلة  حديث الامكنة:                                                                                           

” فكرة  ” حديث الأمكنة ” مستوحاة من جهة وبشكل مباشر من مقال كنت أتمنى منذ مدة أن اكتبه حول قصة  ” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك بما توفر لدي من معلومات وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة بشكل خاص من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون واطمئنان. ”

 الحلقة الاولى:  ساعة ـ الجامع الكبيرـ او” الساعة العمومية “

وسؤال الزمن ؟

قبل ان يعاد اليها شيء من الاعتبار كانت منزوية في ركن قل ما كان يلتفت اليه، يعلوها الغبار وبعض خيوط العناكب بعدما لم نعد في حاجة إليها وبعدما تنكرنا لجميلها ولخدماتها  في زمن أضحى فيه  الوقت سيفا يقطعنا رغم كل ما هو متاح وميسر من وسائل لا تفارقنا ولا نفارقها بل هي اقرب الينا من حبل الوريد .لقد كان من الممكن ان تصبح أثرا بعد عين وضمن المتلاشيات والمهملات لولا ان نبه احد ” المهتمين ” جازه الله خيرا بعض اعضاء اللجنة الساهرين على عمليات الترميم التي شهدها الجامع الكبير بقصر الوداغير مؤخرا ( 2013/2014)  الى ضرورة المحافظة عليها .

القليل منا من  يعرف حكايتها لهذا سنحاول في هذه الفقرات النبش في ذاكرتها من خلال تحريك عقاربها المعطلة منذ مدة ولكن  في اتجاه معكوس والرجوع قليلا بالزمن الى الوراء.

على الرغم انها ساعة عصرية (انظر الصورة )  مقارنة مع انواع الساعات القديمة التي عرفتها البشرية كالساعة الشمسية او الساعة المائية او حتى الرملية …الخ عمرها الان يزيد عن نصف قرن من الزمن الا ان سرها يكمن في الفكرة في حد ذاتها وفي المكان الذي خصص لها وفي حكايتها  وفي الوظائف التي كانت تؤديها  والدور الذي كانت تلعبه من حيث تقدير قيمة الوقت وتقدير أهميته  حيث تبقى وظيفة الشيء هي جوهره وكنهه.

هي ساعة من الحجم الكبير وليجعلوا منها عن حق ساعة متميزة واستثنائية أي ساعة عمومية تشبه من حيث وظيفتها الساعات المتواجدة اليوم في بعض الساحات العمومية ببعض المدن الكبرى ( الدار البيضاء وجدة …الخ) وكأنها تلعب محليا دور الساعة المعروفة بعاصمة المملكة المتحدة لندن .اهتدى اصحاب الفكرة الى تخصيص مقصورة ـ غرفة جد صغيرة  ـ لهذه الساعة داخل المسجد ووضعها بشكل يجعلها تطل على الخارج ـ الطريق او الزقاق ـ وذلك من خلال كوة أي نافذة زجاجية صغيرة تتيح لطالب  الحاجة الاستفادة من خدماتها بيسر في كل وقت وحين بالليل وبالنهار وحتى خارج مواعيد الصلاة بعد اغلاق ابواب المسجد بل في أوقات جد متأخرة من الليل والناس نيام ،  يؤنس وحشتها داخل تلك ” المقصورة “مصباح كهربائي يتيح عند اشعاله الرؤيا بوضوح ويتم التحكم في  عملية التشغيل  من الخارج بواسطة زرمن الازرار الكهربائية المعروفة لم يتعرض يوما للإتلاف او التخريب  .

وقد كان شبه الزامي على كل من وصل دوره او ” نوبته من ماء السقي ” ـ كلمة متداولة محليا ونظام ري معروف في الواحات ـ وهو متوجه نحو حقله سواء بالليل او عند الفجر او الظهيرة  ان يعرج على  ساعة المسجد هذه قصد التحقق من الوقت وضبطه بحسب ما تشير اليه عقاربها فهي  الفيصل في اختلاف الدقائق بل وحتى الثواني من ساعة يدوية الى اخرى وهي الحكم ايضا في حالة النزاع في زمن  كان لمياه الري قيمة واعتبارا بعدما أصبح اليوم  سائبا  بين السواقي والحفر وربما لهذا الغرض وضعت في الاساس.

واذا ما حصل وان توقف المنبه عن الاشتغال وافراد الاسرة في غفلة عنه وحتى لا تخلف موعدك مع صلاة الفجر او مع المدرسة او مع وقت السفر حيث لن تقبل منك شكاية يسارع احدهم الى الاستنجاد بساعة المسجد والمنبه بيده قصد ضبط الوقت بل كان مجرد المرور بالمحاذات من مكان هذه الساعة يدفع المرء  للقيام بإطلالة خاطفة وسريعة لمعرفة  ما تشير اليه عقاربها ومقارنتها مع ساعته اليدوية ان كان محظوظ وتوفر حينئذ على واحدة.

هي الان واقفة في نفس مكانها في صمت وفي وقار بعدما كتب لها عمر جديد مزهوة بماضيها المجيد لكن في زمن غير زمانها تتوق الى  من قد يمر بالقرب منها و يعرج ليطل اطلالة ولو من باب الفضول او القاء التحية  والاعتراف بالجميل والشكر والامتنان او حتى من باب التحسر والاسى و”الترحم “على الزمن الجميل ” و الحنين اليه وقد تكون في انتظار من قد يوصي بإرجاع عقاربها الى عهودها الاولى حيث ” تكتكاتها” المسترسلة ودقات جرسها المنتظمة على راس كل ساعة تملا الدنيا وتسمع الناس انها شاهدة على تعاقب الليل والنهار وذهاب الايام والشهور وتوالي الحقب والاجيال و على تقلب الدهر وتغير الحال والمال  قال الله عز وجل في كتابه الحكيم : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ) [ ق : 37 ] انها تلخص ما قاله الحسن البصري رحمه الله:  ” يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك”. فلينظر الانسان اذن فيما افناه ؟

نتمنى ان نكون قد وفقنا واوفينها حقها فقد كان من الممكن اغناء الموضوع بمزيد من المعلومات من التفاصيل  الا انه تعذر علينا ذلك بعدما غيب الموت بعض شهود العصر رحمهم الله جميعا اواعجز المرض بعضهم الاخر عن البوح والكلام شافاهم الله وعفاهم .

موعدنا في الحلقة القادمة مع مكان آخر و حديث اخر.

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة