سفيان الحتاش يكتب.. في فلسفة اليوم الدولي للجار

تفاعلا مع المقترح الذي توصل به السيد أنطونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة من السيد عبد الحق هقة حول إعتماد تاريخ 10 يوليوز من كل سنة كيوم دولي للجار، يسلط الدكتور سفيان الحتاش في هذا المقال الضوء على اهمية الإحتفال باليوم الدولي للجار في بناء علاقات بين المجتمعات و الدول قوامها حسن الجوار و التضامن والتسامح . وفي مايلي نص مقال الدكتور سفيان الحتاش (باحث في الشأن الثقافي والسياسي ):

يفرض مفهوم الجار والجيرة باعتباره من القيم والمفاهيم الإنسانية المتمثلة في طبيعة رؤية الإنسان، والمجتمعات، والثقافات، والهويّات الخاصة إلى ذاتها وإلى الآخر خاصة بعد صدمة ججائحة كرونا التي فرضت على البشرية إعادة النظر في كثير من العلاقات الإنسانية والاجتماعية في الدائرة المحلية والدولية بحيث أخرجت هذه الجائحة البشرية من حالة الأنانية والقيم الفردية المصلحية و الغرق في الذات، والانكفاء عليها، إلى حالة الاحساس بالمصير المشترك. أن الجائحة أعطت درساً في شمولها، وإصابتها للجميع من دون استثناء أو تمييز ديني أو قومي أو عرقي على المصير المشترك للإنسان الكوني، وليس إنسان العولمة الذي كان متهماً بحالة الانصهار أكثر من الشعور بالذاتية، والمغايرة، مع تقدير هذا التنوع البشري الذي بدا مذهلاً عبر الشرفات حول العالم، وكل ثقافة تحاول منح نفسها العزاء على طريقتها الخاصة، وبلغتها التي تعبرّ عنها.

على مستوى الثقافة العربية والإسلامية، كان وما زال الدين علامة متجذرة في صناعة الخطاب الجمعي العام والوعي للمجتمعات والذي يعتبر الجار والجيرة أحد مرتكزاته ، وهو عدا استثناءات متطرفة، تعامل بمسؤولية في الاستجابة لسلطة الفيروس أو سلطة الدولة، حسب جغرافيا البلدان، وعلاقتها بثنائية الاستقرار والانهيار لمفهوم السلطة والدولة، هذه الاستجابة للخطاب الديني أثناء الجائحة، بغض النظر عن التفسيرات، أو المعالجة لطريقة الاستجابة، لأنها جزء من طبيعة آليات التلقي لأي نظام ثقافي أو فكري، تقودنا إلى آمال عريضة في مرحلة ما بعد الجائحة في إنتاج قيم إنسانية كونية مبنية على ركيزة التسامح والمصير المشترك كهدف أساسي مع الجار السياسي والاجتماعي والإنساني والاقتصادي، وإن اختلفت التعبيرات عنه، سواء كانت دينية أو ثقافية أو فكرية، فالتواضع أمام المصير المشترك الذي تسبب فيه الوباء ساهم في تقليص حالة التقديس المزيف والخطابات الشمولية والنزعات اليقينية التي لا تؤمن بالجار والجيرة بما هو آخر إلى أضيق حدودها، بعد أن كانت تنطلق في طريقة تناولها لمثل هذه المعضلات من زاوية تفردها، ونرجسيتها، كان الجميع يبحث عن النجاة في الوباء بدون ادعاء «الفرقة الناجية»، وكل تلك القراءات والتأويلات التي عكست ذلك الجدل بمنطقه المعرفي المحض حالة من الذاتية المفرطة في مقابل مفهوم الآخر والمشترك الإنساني.

بالطبع يمكن البناء على مستوى الخطاب الديني المؤسسي ما بعد الجائحة على تأسيس قيمة التسامح مع، بمنطق المشترك الإنساني، عبر استحضار العديد من ما يمكن وصفه بـ«قواعد الاستيعاب» في الإسلام، التي جاءت بتعبيرات كثيرة في النصوص المؤسسة، بشكل واضح وصريح، يهدم كل صروح النرجسية الفكرية، التي تعد من أعظم الأدواء التي أصابت الخطاب الإسلامي، بشكل عام، بترهل وضمور شديدين: «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها»، ولذا فنحن بحاجة إلى دراسات تأصيلية جادة تستلهم روح «الاستيعاب» في الإسلام لمفهوم الجار، من خلال قراءة نصوصه والممارسة العملية لذلك الاستيعاب عبر تاريخه الطويل.

وبالمناسبة هناك لدينا في الثقافة الاسلامية مصطلح حديث اسمه “التضامن الاجتماعي”، التضامن الاجتماعي في الإسلام، كيف يكون؟ يكون بطريقتين، بطريقة النسب، وبطريقة الجوار، بطريقة النسب أي بصلة الأرحام، وبطريقة الجوار عن حق الجار، فالإنسان له أخ، له ابن عم، له ابن خالة، له قريب، له صهر، هؤلاء أنسابه بكل أنواع النسب، من طرف الأب، أو من طرف الأم، و العلماء عدوا أربعين بيتاً من الجيران، أربعون من الشرق، أربعون من الغرب، أربعون من الشمال، أربعون من الجنوب، أربعون طابقاً لفوق، و أربعون طابقاً لتحت كما في اليابان، فصار عندك يمين، شرق، غرب، شمال، جنوب، أعلى، أسفل، هؤلاء جميعاً جيراننا!!

و بالتالي التضامن بالإسلام تضامن جغرافي عن طريق حق الجار، وتضامن نسبي عن طريق صلة الأرحام، و”قمة الإحسان إلى الجار لا أن تكف كفرد الأذى عنه فقط بل أن تحتمل الأذى منه”، كما يقول بعض حكماء الاسلام.. و بالتالي لو نعود للسيرة النبوية المطهرة، نجد عشرات الأحاديث التي تكشف لنا قيمة الجار كلبنة أساسية في صرح المجتمع الصالح وكذا نبل رسالة الإسلام السلمية للجيران عموما حتى المعادين منهم، والتي تقتضي من مجتمعاتنا ان تعود إليها و تعمل بدستورها المتوازن المتبصر .

ومن الأحاديث النبوية التي يمكن استحضارها في هذا السياق حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم :((خيرُ الأصحابِ عِندَ الله خيرُهُم لصاحِبه، وخيرُ الجيرانِ عِند الله خيرُهُم لجاره))، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قوله: ((ما مِن مسلمٍ يموتُ فيشهَدُ له أربعةُ أهلِ أبياتٍ مِن جيرانه الأدنَينَ أنَّهم لا يعلمونَ إلا خيرًا؛ إلاَّ قالَ الله: “قد قبِلتُ عِلمَكُم فيه، وغَفرتُ له ما لا تعلَمون”))، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن))! قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه!)) وحديث ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه))، و حديث إبن عمر الذي قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة فقال:((لا يُصحبنا اليوم من آذى جاره))، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:((من سعادة المرء المسلم: المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء))، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا:((من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله))، و قوله:((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)). وقوله عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَأَرَادَ بَيْعَهَا فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى جَارِهِ)) وقصة المرأة التي تؤذي جيرانها في حديث أبي هريرة لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم :”إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( لا خير فيها، هي من أهل النار ..)).

هذه الاحاديث العديدة و غيرها كثير من النصوص والحكم التي تدعو لحسن الجوار بين أبناء الحي الواحد والبلد الواحد و الكوكب الواحد، تحتاج منا ليس فقط كأفراد بل كمؤسسات ودول قراءتها و العمل بها ، و كذا للتبصر و التمعن بعين والبكاء بعين على ما عليه حال أمتنا المسلوبة و المنكوبة، والله يقول الحق و هو يهدي السبيل.

منذ عقود، وعالمنا غارق في تحولات متسارعة على المستوى السياسي والاجتماعي، محمولاً على تقدم هائل في وسائل التواصل، وتكنولوجيا الاتصالات، وسيولة متدفقة للمعلومات، ومع ذلك كله؛ فإن من بداهة القول إنه ولج في نفق من العتمة المتمثلة في صعود أعمال العنف، وحوادث الإرهاب، وخطابات الكراهية والتمييز الديني والعرقي، مختبراً أبشع صور المذابح والقتل والأزمات والدمار التي انكفأت فيها كثير من المجتمعات على ذاتها منقسمة إلى جزر من التعصب والانشقاقات بين أبناء المجتمع الواحد والدولة القُطرية التي تعاني من أزمة «المواطنة» على حساب تحديات للأقليات الدينية، والعصبيات القومية والعرقية.

البشرية تعاني اليوم من غياب «التسامح» الذي لا يحضر إلا في البروتوكولات الدبلوماسية، وشعارات الإعلام، والخطب العصماء في المناسبات الوطنية في حين أن نقائضه من التعصب والعنف جعلتنا نشهد قرناً ألقى بظلاله القاتمة مخلفاً حربين عالميتين، وعشرات الحروب بين الدول، وحروباً أهلية، واضطهاداً للأقليات الدينية، أو خوفاً متنامياً في المجتمعات الآمنة من الآخر المختلف بعد موجات النزوح للمهاجرين والناجين من الكوارث والنكبات والباحثين – وهم بالملايين – عن ملاذات آمنة، ولو في أماكن نائية عن بلدانهم الأصلية.

التسامح تلك الفضيلة التي تنشدها المجتمعات الحديثة لم تعد مجرد قيمة إنسانية عليا أو فريضة دينية، وواجباً ملحاً لنداءات الضمير، بل باتت في عالم مضطرب ومعقد ومتشابك، مطلباً ملحاً لاستقرار المجتمعات، وأمن الدول يجب أن يبنى على الاعتراف القانوني والدستوري والأخلاقي والديني بحق الآخر المختلف المتساوي في المواطنة على مستوى الحقوق والواجبات، في ظل التنوع البشري الهائل تحت كنف الدولة الواحدة المتعددة الأعراق والأجناس والمذاهب والأديان والأهواء، لكنهم كذلك لا يمكن أن يعيشوا بكرامة وسلام من دون الوصول إلى صيغة توافقية لتحويل التسامح من خطاب إلى ممارسة عملية وواقع معيش، وليس مجرد تنظير فكري.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة