الأستاذ الجامعي؛ صُورةٌ تـتآكل، وَصَوْتٌ يَسيرُ إلى خُفُوت..

 بلقاسم الجطاري

لن أدلف، تَوّا، إلى الموضوع هذه المرة. بل سأبسط جملة أحداث وأخبار مست منزلة الأستاذ الجامعي المغربي خلال السنتين الأخيرتين، داعيا القارئ إلى تأملها قليلا، عسانا نتقاطع التأويل كلا أو بعضا:

تسريب تسجيل صوتي يتضمن اتهاما لأستاذ جامعي بتلقي رشاوى مقابل تسجيل طلبة في سلك الماستر- نشر خبر التحرش الجنسي بطلبة تتلقى تكوينها بسلك الماستر- تسريب تسجيل صوتي لأستاذ يسب طالبة- نشر نتائج تقرير قضاة جطو حول الفساد بإحدى الجامعات المغربية..

من المؤكد أن أخبارا على هذا النحو لا يمكن إلا أن تسيئ إلى صورة الأساتذة الباحثين، ولا يمكن إلا أن تسحب نقطا معتبرة من رصيد الشرف والتقدير الذي راكمه هؤلاء منذ تأسيس الجامعة المغربية إلى اليوم. غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه، بالمناسبة، هو لماذا اشتدت وتيرة الأخبار المسيئة إلى أساتذة الجامعات، خلال السنتين الأخيرتين؟ ألا يدعو الأمر إلى بعض الارتياب؟ ألا يبدو راجحا سعي جهة ما إلى النيل من المكانة الاعتبارية التي يحظى بها الأستاذ الجامعي؟ أو على الأقل، جهة ما وجدت في موجة الاتهامات هذه مطيةً مثلى لتحقيق غايتها؟ وأعني أساسا غاية تبخيس الأداء التكويني لهذه المؤسسات، في أفق إعادة النظر في “عمومية” الخدمة التكوينية والبحثية التي توفرها؟ وذلك تماما كما جرى ويجري بالمدرسة العمومية.

هذه قراءة واردة بالنظر إلى المناخ الوطني والعالمي العام، والذي توجهه إملاءات المؤسسات المالية الدولية، وهي المؤسسات التي لا تتواني عن تشجيع الدول المستدينة على تقليص نفقاتها العمومية، وخوصصة القطاعات الاجتماعية المختلفة.

ثمة قراءة ثانية لما يجري في رحاب المؤسسة الجامعية، وهي دخول بعض الجهات المسؤولة داخل دواليب القطاع في صراع مواقع ومصالح، قد يكون صراعا مطبوخا على نار حزبية، بدليل تسريب إحدى الوثائق الإدارية ذات الصلة بموضوع السمعة التي نتحدث عنها هنا، ونعني وثيقة إنهاء مهام أحد العمداء بالنيابة، والتي تضمنت كافة المعلومات المهنية الخاصة بالموظف المعني بالأمر، في انتهاك لأبسط قواعد التحفظ والسر المهني.

القراءات الممكنة لما يجري عديدة، بل إن الاحتمالات مفتوحة على وجود فاعلين كثر ومتدخلين من شتى الجهات في موضوع صورة الأستاذ الباحث، وإن كان للحامل التواصلي الجديد، أيضا، دوره وأثره في إذكاء “شهوة” التشهير لدى الجماهير، إذ فتح باب “التغطية الصحفية” أمام أصناف من هواة التصوير والتسجيل والمونتاج وابتداع العناوين المثيرة (والابتزاز أحيانا كثيرة أيضا)، الباحثين عن الرفع من عدد الزيارات للمواقع والصفحات، بهدف جني الأرباح المالية.

لست أسعى هنا إلى تبرئة ذمة أساتذة الجامعات من الاتهامات التي تَطَّرد بخصوص قلة منهم، لكني أعتقد أن مساطر المتابعة معروفة، ولا يحق لأحد أن يمس أعراض المتهمين قبل صدور أحكام القضاء أو قرارات المجالس التأديبية أو تقارير مؤسسات التقييم والتتبع والافتحاص. والذي أدعو إليه، في الأصل، هو عدم التساهل مع كل سلوك مخل بالتشريع الجامعي، وكل أشكال استغلال السلطة الأدبية، وأي محاولة للضرب في مبدإ تكافؤ الفرص، بل وأرى أنه من واجب الهياكل والبنيات الجامعية، والجامعية الموازية (نقابات، جمعيات، تنظيمات..) أن تعمل على تفعيل لجن أخلاقيات تسهر على تنبيه الأساتذة الباحثين وغيرهم، وإقرار عقوبات في حقهم، حال بدرت منهم سلوكات ماسة بالمروءة، وأعني هنا، طبعا، فئة السلوكات الخادشة بصورة الأستاذ، غير تلك التي ترقى إلى مستوى الأخطاء الجسيمة؛ لأن طريقة التصرف إزاء هذه الأخيرة معروفة يحددها القانون والتشريع.

ما أريده هنا، إذا، ليس هو تلميع صورة الأستاذ الباحث، ولا تنزيهه عن الأخطاء والمزالق، ولكني أريد أن أثير مسألة التعامل الإعلامي مع هذه الأخطاء، إذ تستفزني المسارعة إلى إصدار الأحكام، ونشر الصور والوثائق دون أي محاولة للتيقن من صحتها، مثلما يستفزني صمت كثير من المنابر الإعلامية، وإحجامها عن رد الاعتبار لعدد كبير من الأساتذة والمسؤولين الجامعيين، عندما تتم تبرئة ذمم بعضهم من الاتهامات الموجهة إليهم. أليس الأصل في المتابعة الصحفية أن يسعى الصحفي (الفاضح) إلى استكمال مسيرة الملفات والمتابعات إلى حين صدور الأحكام، أم أن أخبار “تبرئات الذمة” تفتقد إلى الإثارة التي يضمنها أخبار التشهير؟

إلى جانب ما سبق ذكره، ثمة أمر يرتبط بموضوع الصورة ويفضي إليها، وهو موضوع خفوت صوت الأستاذ الباحث، وانكفاؤه على نفسه، وعدم خوضه في قضايا القطاع وهموم محيطه الاجتماعي. ليس من السهل الإحاطة بالملابسات المختلفة التي أفرزت الروح الانطوائية الجديدة التي أصبحت غالبة على أساتذة الجامعات، لكن من السهل الوقوف على آثار ذلك على مستوى الصورة موضوع الحديث، ومن السهل، أيضا، تلمس تراجع الدور التثقيفي الذي يفترض أن يلعبه الأستاذ الباحث. وأظن أنه لا حاجة إلى عقد مقارنات مع ما كان جاريا إلى عهد قريب، حيث كان العديد من الأساتذة الباحثين قيادات سياسية ملهمة وأطرا كبرى في التنظير الحزبي، وشخصيات استشارية لدى عدد من مؤسسات تدبير الشأن العام.

واضح أننا نعيش تحولا على مستوى الوظيفة المجتمعية للأستاذ الباحث ومنزلته الاعتبارية، تحول يخرجه بالتدريج من دائرة القيادة والإلهام والتأثير، ويبقيه حبيس دائرة الوظيفة المهنية، بحصر المعنى، مرتهنا لإشراطات العروض التكوينية والبنيات البحثية. لذا يتوقع أن يزداد تآكل صورته ما لم يٌدرك الأستاذُ نفسُهُ، أولا، مصدر الأزمة التي يساق إليها، وما لم يبادر، ثانيا، إلى فهم طبيعة التحولات الاجتماعية الكبرى التي يعرفها المغرب والعالم، عساه يحصن مكتسباته المهنية التي رسم بها صورته الاجتماعية الرفيعة، وعساه يعود إلى أداء وظيفته التعبوية والتثقيفية المطلوبة، لا لأنه المستفيد الأول من ذلك، ولكن لأنه يمثل كتلة معتبرة من جسم النخبة المغربية، ولا أظنني، ختاما، بحاجة إلى بيان استحالة قيام نهضة وطنية في غياب نخبة مثقفة ملهمة.

أستاذ التعليم العالي / جامعة محمد الأول  وجدة 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة