تشخيص مواطن الخلل التي تعيق الإقلاع الجامعي 2016/2017

ackتعيش الجامعة المغربية على وقع اختلالات كثيرة تشهد عليها العديد من المؤشرات، وتكاد أسطوانة الأزمة تتكرر مع كل دخول جامعي. فهل نجحنا فعلا في تشخيص مواطن الخلل التي تعيق الإقلاع الجامعي المأمول؟

يشيع الاعتقاد لدى الكثير من المتدخلين أن عملية التشخيص يسيرة متاحة بغير جهد، إذ يكفي في تقدير هؤلاء اعتماد نظام الروائز وقراءة الإحصائيات الرسمية والاطلاع على تقارير المؤسسات الدولية المتخصصة في التقييم، للوقوف على مظاهر الخلل التي تعرفها منظومتنا التعليمية على نحو عام. والذي أستطيع قوله في هذا الصدد إن عملية التشخيص عملية محورية على قدر كبير من التعقيد. كما أنها ليست عملية محايدة من وجهة النظر العلمية. إن تشخيص مظاهر الخلل في المنظومة الجامعية ونظيرتها المدرسية ينبغي أن ينطلق من تصور شامل ومتكامل للفرد والمجتمع، للمهام المسنودة للمؤسسات، ومنظومة القيم، وعلاقات السلطة، وقضايا المحيط والبيئة. ومن ثم فإن عملية التشخيص تختلف باختلاف الخلفيات التي تحرك الفاعل السياسي أو المهني، ولا يمكن الخلوص إلى نتائج متقاربة على مستوى التشخيص إلا إذا تقارب تصور الدارس للمشروع المجتمعي الذي ينشده.

أزمة الجامعة المغربيةبين الإقرار بوجودها أو نفيها.

ليس إلى هذه الدرجة بالتأكيد. الكل يتفق على وجود اختلالات كبرى تنخر الجسد الجامعي، كما أن الكل يتفق أيضا على حاجة الجامعة المغربية إلى مشروع إصلاحي كبير. لكن عندما يتعلق الأمر بتفاصيل الاختلالات ومظاهرها، وما يتصل بعملية فرز الأسباب عن النتائج، هنا تحديدا ينكشف الخلاف وتتباين الرؤى والتصورات. دعنا نأخذ مثلا موضوع عطالة الخريجين، ثمة تصورا شائعا لدى فئة من الفاعلين المؤسسيين يحمل مسؤولية ضعف الإدماج إلى غياب الصلة بين المخرجات واحتياجات سوق الشغل. وهذا الكلام يتردد في أوساط مختلفة، وتشيعه المقاولات والوحدات الإنتاجية والشركات على نحو كبير، وذلك، على الأرجح، لكي تنأى بنفسها عن لزوم الإسهام في إيجاد حلول لهذه المعضلة. والحقيقة أن قضية بطالة الخريجين ليست قضية الجامعة وحدها، ولا قضية القطاع الوزاري وحده، بل هي قضية مجتمع. أقصد أنها معضلة مجتمعية تتوزع جذورها بين مؤسسات مختلفة. تأمل معي مثلا هذه المفارقة: إن عددا كبيرا من المقاولات التي لا تكف عن اجترار مبررات انعدام الكفاءة لدى الخريجين، هي نفسها التي لا توفر الأجور والضمانات السيكومهنية لمشغَّليها. وهي المقاولات نفسها التي لا تلتزم ببنود مدونة الشغل.

تقاسممسؤوليةالبطالة بينالمقاولة و الجامعة .

المقاولة ليست المسؤولة وحدها طبعا، ولو شئنا الذهاب مع مسلسل الأسباب إلى حد أبعد لقلنا إن الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام المغربي منذ الاستقلال هي التي تتحمل المسؤولية السياسية، بطبيعة الحال، عن الوضعية التي تحدثت عنها. من خلال صمتها عن خروقات المقاولات وعدم التزامها بقوانين الشغل. لكن لا ينبغي الوقوف هنا، لأن إلقاء اللوم على الحكومة لا يعفينا من السير إلى مصدر العطب. هل بمقدور الحكومة أن تباشر اليوم، عن طريق مؤسسات الرقابة والردع، عمليات افتحاص كبرى للمقاولة المغربية. أعتقد أنها عاجزة عن ذلك، ليس لانعدام الإرادة طبعا، ولكن لأن الإقدام على عملية من هذا القبيل، دون توفير الشروط اللازمة، سيؤثر لا محالة على نمو المقاولة المغربية، وسيفقد البلد درجات على مستوى جاذبية الاستثمار.

مفهوم  الشروط اللازمة  .

لقد قلت سابقا إن موضوع البطالة شائك لا يتصل بسبب معين وحيد. وتوفير الشروط موكول إلى مؤسسات مختلفة ينبغي أن تتكاثف أشغالها وتتبلور مقترحاتها في ظل ورش سوسيوسياسي كبير يتم فيه التنصيص الصريح على المهام والصلاحيات، واختزال المساطر الإدارية والتشريعية. هي، إذا، شروط متصلة بقرار سياسي تخرج به حكومة جريئة.

إذا شئنا التوصيف العفوي للأمور قلنا إن كل مشاكلنا وأعطابنا كلها ذات طابع استعجالي. لكن فيم يفيد الاستعجال؟ وهل نجحنا في تجاوز مشاكلنا عندما سلكنا طريق الاستعجال؟ تأمل معي ما حصل للبرنامج الاستعجالي الذي بوشر منذ سنوات في قطاع التعليم. أنا أناصر التريث في تشخيص الاختلالات، والتمهل في اقتراح الحلول. ينبغي أولا استبعاد قضية التدبير الحكومي لقضية التعليم من كل أشكال التجاذب السياسي وخطاب المزايدات. إذ لا يجوز عقلا تنزيل مشروع حزبي أو حكومي (أغلبي) في قطاع التعليم، علما أن عمر الحكومة لا يتجاوز ست سنوات. وهي مدة لا تكفي لجني ثمار المشروع، ولا لتلمس علاماته. ومن ثم لا يكون متاحا أمام المواطنين والناخبين مكافأة الحكومة أو معاقبتها لحظة الاقتراع. قضية التعليم أكبر من أن تحصر في ظل مشروع حزبي ضيق محكوم بتكتيكات ظرفية، وتوازنات، وترضيات.. أعتقد أن الطريق الأقرب إلى الصواب هو مباشرة مشروع وطني كبير يساهم فيه كل المتدخلين، لكن الكلمة الفصل ينبغي أن تكون في يد متخصصين وأكاديميين.

منجزات الإصلاح الجامعي في شقه البيداغوجي.

أعتقد أن الإصلاح الجامعي الذي بوشر منذ عقد ونيف لم يكن مدفوعا بغايات استراتيجية وطنية مستقلة عن قوى الضغط الدولي، ولا محكوما بمنطق الشراكة على نحو ما تقتضيه الشراكة بمعناها الدقيق. لقد تمت صياغة مشروع إصلاحي في ظل مناخ خاص مطبوع بما ورد في تقارير البنك الدولي الذي تحكمه التوازنات الماكروإقتصادية. لذلك لم يراع الطموح الوطني في خلق جامعة مغربية تجر قاطرة التنمية وفق نموذج يستجيب لحاجاتنا ذات الأولوية، كما لم يراهن على تثوير المخرجات، والانتقال بها من مخرجات معرفية محضة إلى مخرجات مهارية قوامها المبادرة والإبداعية وغرس قيم العمل والمثابرة والسلوك المدني.

المخرجات المرجوة بالإصلاح البيداغوجي.

العلاقة وثيقة جدا، ويكفي أن نتأمل العروض التكوينية التي توفرها الجامعة المغربية، وما يتصل بها من طرائق وعتاد وهندسة بيداغوجية، حتى نأخذ صورة عن واقع التعليم الجامعي، وكذا الصعاب التي تعترض الطالب المغربي في مسيرته الدراسية. إن جامعة تكتفي بالتلقين، وتتعامل بمنطق المقرر والمحتويات الدراسية الجامدة، لا يمكن أن تخلق طالبا مبادرا مبدعا مؤمنا بقدراته واثقا من نفسه. ينبغي للجامعة أن تعطي المثال والقدوة، ولذلك يجب عليها أن تتحول إلى مختبر حقيقي يحتضن تجارب طلابية وأنشطة مهنية. لا بد أن نقطع مع التصور التقليدي الذي يجعل العروض الجامعية أنشطة نظرية مفصولة عن الواقع العملي والمهني. ولا بد من التفكير في طرق إعطاء العروض التكوينية محتويات تجريبية في رحاب الجامعة. ينبغي تحويل الجامعة إلى ورش مفتوح قادر على احتضان المشاريع الطلابية في مختلف تجلياتها. ومثل هذا الأمر يحتاج إلى فرق بحث وطنية تهيئ الأرضية العلمية والتقنية والتشريعية اللازمة.

ماذا عن كليات الآداب، هل تستجيب بدورها لما تحدثنا عنه من محتويات وعروض؟

مبدئيا، الكلام الذي أسوقه مثالا ينسحب على كل المؤسسات الجامعية، بما في ذلك كليات الأداب والعلوم الإنسانية، قد يسير ذهنك إلى مسالك اللغات والآداب والعلوم الإنسانية، فهي الموصومة دائما بالافتقار إلى المحتوى التطبيقي أو المهني. وهذا تصور تقليدي أيضا، بمقدورنا تجاوزه إذا حضرت الرغبة والإرادة، إن المسالك المذكورة تستطيع توفير عروض وفرص تدريب في مجالات عديدة داخل رحاب الجامعة، في مجالات من قبيل: الترجمة والصحافة والسياحة وتدبير التراث المادي واللامادي والسينما وغيرها من الفنون فضلا عن الدعم النفسي والاجتماعي… المسألة باختصار مسألة تصور، والمشكلة لا تكمن في طبيعة المسالك وهويتها الأدبية أو العلمية الإنسانية كما تحاول بعض الأصوات أن تذيعه بين الناس، ولو صح الأمر لما أنفقت دول الشمال المتقدمة ميزانيات ضخمة في بناء كليات الآداب والفنون والعلوم الإنسانية. المشكلة تكمن في غياب تصور حديث لهذه الكليات يستجيب لمستجدات الحياة الاجتماعية والتقنية.

مشروع مهننة العروض التكوينية الجامعية.

صحيح، لقد تم اعتماد إجازات مهنية عديدة بمختلف الكليات المغربية، وصحيح أيضا أن مجملها فشل في توفير المخرجات المطلوبة. فهل هذه علامة على فشل الورش البيداغوجي المهني؟ ولذلك ينبغي استبداله بورش آخر. أعتقد أن الأمر ليس على هذا النحو. وفشل هذه الخيارات المهنية لا يعني فشل خيار المهننة بوصفه محركا جديدا لقطار الجامعة. بل يعني وجود أعطاب أخرى في هذا المحرك، والمطلوب مباشرة مهام البحث عن هذه الأعطاب وإصلاحها بحكمة وروية وليس استبدال المحرك كاملا.

 بعض هذه الأعطاب.

من الصعب الإحاطة بها في هذا الحوار السريع، لكنها مركبة ومتداخلة، يتصل بعضها بتعقيدات المساطر التشريعية وسوء التدبير الإداري، ويتصل البعض الآخر بوجود مقاومات من داخل المؤسسات الجامعية ترفض التجديد والمبادرة، ومثل هذه المقاومات والعقليات منتشرة في جل المؤسسات العمومية، بعضها يركن إلى التقليد وتنفيذ القرارات بغير حماس بسبب انعدام ثقافة التقدير والتحفيز. وبعضها يفعل ذلك خشية فقده لمكتسبات رمزية أو اعتبارية راكمها بفضل الجمود الذي تعرفه الجامعة.

الدخول الجامعي الجديدو اختلالات المواسم المنصرمة.

هي سنة انتخابية، ومن المرجح أن ينتقل تدبير القطاع إلى وزير آخر، لذلك من المؤكد أن يسعى الوزير المستقبلي إلى تنزيل مشروع قطاعي جديد أو بصم التشريع الجامعي ببصمته الخاصة، وهو أمر مطلوب على أية حال. لكن ما أراه مطلوبا أيضا هو أن تتابع طواقم التدبير مشاريع سابقاتها في ظل مخططات استراتيجية. لا أحد لوحده، مهما امتلك من الإرادة والإصرار والصلاحيات، أن ينجح في إصلاح أعطاب منظومتنا التعليمية. والحل هو أن يترفع الجميع عن المزايدات الحزبية، وأن يتم استدعاء أهل الاختصاص لتقييم الاختلالات واقتراح الحلول، لقد علمتني تجربتي المهنية التي تقارب العشرين سنة بهذا القطاع، بين التعليم والتدبير الإداري، أشياء عديدة، سواء في طريق المساطر أم في طريق الموارد البشرية، وغيرهما… وهي أشياء وخبرات تتعزز حينا وتتقوض حينا آخر، وذلك بحسب الملفات والقضايا الجامعية الطارئة، لكن الذي لا أشك فيه بتاتا هو حاجة الإصلاح البيداغوجي الجامعي إلى أهل الاختصاص من الممارسين في المختبرات والمدرجات الجامعية؛ لأن تفاصيل مسطرية وعلائقية وتواصلية وتدبيرية خارج-بيداغوجية إن شئتم، ذات خصوصية مغربية (بفعل مناخنا السياسي الخاص) لا يمكن الوقوف على أثرها في عرقلة المشاريع الإصلاحية إلا بمواجهتها في ظل وضعيات وأحداث وقضايا جامعية ملموسة.

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة