الشخصية المغربية .. “قد أفلح من زكاها”

acaلا شك أننا مسؤولون بالدرجة الأولى عن تزكية أنفسنا ، فإما أن نوفق في الارتقاء بها الى الأعلى، أو نكون سببا في اندحارها نحو الأسفل . إن أنفسنا مثل البدرة فإما أن نرعاها حتى تنمو ونهيئ لها الظروف المادية والمعنوية من أجل نجاتها وتطورها كي نجني ثمرتها، وإما على العكس نتجاهلها ونهملها وبالتالي تضيع تحت التراب وتغيب في زوايا النسيان .

هده مقدمة سقناها كمدخل لقراءة الخطاب الملكي الدي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمقر البرلمان أما أعضاء غرفتي البرلمان في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة .
هدا الخطاب تميز بالكثير من الدروس والعبر التي لا يمكن لمقالنا أن يستوعبها كلها بل سنركز على بعضها .
1- لقد دعا الملك كل المغاربة أن يعتزوا بانتمائهم لوطنهم المغرب، هدا الوطن الدي يتميز بقيم وتقاليد وأعراف عريقة، وهي تاريخ وموروث حضاري نحن المسؤولون عن نمائه والمحافظة عليه ودلك بتزكيته لأن في دلك تزكية لأنفسنا ” قد أفلح من زكاها “، والاعتزاز به اجب في كل مكان وزمان بل ولابد من غرس قيمه في نفوس أولادنا وأجيالنا القادمة، والابتعاد عن اخفاء تراثنا والاستهزاء به أو عدم الاهتمام به والازدراء به، لأن دلك لا يولد إلا الضياع والرحمان ” وقد خاب من دساها” .
2- على أولئك المنبهرين بالآخر، أن يفهموا أن الدات المغربية باعتبارها جزء من كم حضاري هائل، تنظر إلى العالم وفق رؤيتها الخاصة، وبدلك فإنها تقيم الأمور وفق معاييرها الداتية .
فالمغربي يستطيع أن يكون من صنع داته، فهو شريك في بناء داته، وهدا بعيدا عن القول بالمثالية والنرجسية. فنحن لسنا منفصلين عن بيئتنا الاجتماعية التي تربط تاريخنا مع أقوام شتى، بل نحن وليدوا طبيعة وتاريخ ضارب في القدم، لكننا نسعى إلى التكامل الحيوي، ونحو الحرية والديمقراطية والحداثة، من خلال سبقنا لمجموعة من الأحداث والتحولات الإقليمية والدولية التي تميزت بعدم الاستقرار والفوضى، وبدلك تحولنا من صور المتأثر إلى حقيقة المؤثر بقدر نضج وعي قيادتنا الحكيمة ونضج إرادة شعبنا .
لدلك فإننا حينما ندكر لفظ المغربة فإننا نقصد التركيز على صفة الشخصية المغربية الداتية التي تتميز بالتأثير في مسيرة الدمقرطة والحداثة والتنمية التي شكلت إمارة المؤمنين دورا راعيا وحاضنا لها .
3- إن مثل هده الشخصية المغربية تستطيع أن تتحكم في المسار المادي والعلمي وفي التنمية بقدر ما تعبأت إرادتها وزكيت نباهتها وحوفظ على وعيها بشكل دائم .
4- على الدين يتعاملون مع المجتمع المغربي بانتهازية، أن يتخلوا عن هدا السلوك وأن يؤسسوا علاقاتهم السياسية والاجتماعية على مبدأ المصلحة المشتركة بين الجميع مع تغليب مصلحة الأمة المغربية على المصالح الضيقة .
الخطاب الملكي ركز بشكل دقيق على سلوكات تسيئ إلى المشهد السياسي المغربي وإلى المجتمع بصفة عامة، وهي تصرفات تخص بعض السياسيين . هده السلوكات ليست حديثة العهد ولكن الخطاب الملكي وضع عليها اليد في رأينا لكي تفهم القوى السياسية بالبلاد أنه قد بلغ السيل الزبا باعتبار أننا نعرف من نكون وإلى أين نسير، فعلى الجميع في الداخل والخارج أن يتحمل مسؤولياته وأن يساير ركب التطور والنماء الدي تسير عليه المملكة المغربية .
إن المرحلة تحتم على السياسيين خاصة أن لا يكونوا ضيقي النظر بالإنشغال عن القضايا الوطنية الكبرى وأن يتطلعوا إلى الآفاق الرحبة التي يطمح إليها المغاربة ملكا وشعبا.
على السياسيين أن يتخلوا عن الصراعات الفارغة من كل أنواع البطولة الحقيقية لأننا نعاني منها حقا ونقاسي شتى المتاعب بسببها باعتبار ما تمخض عنها من نزاعات وصدامات عطلت حركة البلاد نحو مستقبل زاهر.
إننا نفهم أن من يعتز بمغربيته عليه أن يدع جانبا الإديولوجيات الشرقية والغربية ولا يطبل لها وهو لا يفهم لحنها. لقد ولى زمن التصفيق والضوضاء التي كان يحدثها المدهوشون والفارهة أفواههم عند تلقيهم المنتوجات الثقافية الشرقية .
هناك من لم يفهم بعد أو لا يريد أن ينتبه إلى أن عدم إيمانهم بهويتهم المغربية الدينية واللغوية والتاريخية ونكرانهم الجاحد لها بالعمل الممنهج على تسفيه المنتوج الثقافي الوطني، قد جعل الحضارة المغربية تنزل من مستوى الريادة العالمية إلى مستوى لا يليق بها رضي به أنصاف المتعلمين والالتقاطيين .
وأخيرا فإن العمل السياسي الأصل يحتاج لفكر سياسي ولرؤية تنظيمية، مما يتمخص عنه مشروع سياسي واستراتيجية ترسم أهداف ومقاصد واضحة، وكل دلك يحتاج إلى أطر سياسية وطنية تعتز بمغربيتها .

رشيد يحياوي باحث.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. Wael

    شكرا للسيد اليحياوي على هذا التحليل  القيم فحقا نحن بحاجة لمثل هكذا كتابات من اجل الفهم الصحيح لقضايانا الوطنية والسلام