انفعال فرنسي ورزانة ملكية

ariبدأ الرئيس الفرنسي أول أمس جولة افريقية بدأها من نجيريا قبل ان يحط الرحال بجمهورية إفريقيا الوسطى إحدى المستعمرات الفرنسية السابقة التي تعيش حربا اهلية طاحنة من سنوات. زيارة الرئيس الفرنسي الى نجيريا تأتي بمناسبة الذكرى المأوية لتوحيد نيجريا وكذلك للمشاركة في مؤتمر ما يسمى الأمن والسلام والتنمية في إفريقيا الذي سينعقد على هامش هذه المناسبة .
هذا التحرك الفرنسي وفي هذا الوقت بالذات الذي يشهد توترا في العلاقات المغربية الفرنسية بسبب التصريحات المشينة واللادبلوماسية للسفير الفرنسي بواشنطن في حق المغرب وكذلك استدعاء القضاء الفرنسي لمدير حماية التراب الوطني السيد الحموشي على خلفية قضية التعذيب المزعومة، يمكن قراءته في أبعاد مختلفة وزوايا متعددة ولكنها تتدرج ضمن إطار و عنوان واحد وهو التضايق الفرنسي من الحضور والدور المغربي المتنامي في افريقيا مستثمرا في ذلك جذوره وأواصره التاريخية والحضارية والروحية والدينية مع عدد كبير من البلدان في القارة السمراء وهو الشيء الذي تراه فيه فرنسا تنافسا وتهديدا لمصالحها في القارة.
المقاربة المغربية في انفتاحه على إفريقيا تعمد البعد التشاركي والإنساني مستثمرا ثقله الروحي والديني والرمزي والذي اثبت نجاعته في تثبيت الاستقرار وحل النزاعات في مقابل المقاربة التي تعتمد ولازالت المقاربة العسكرتارية والكلونيالية التي اورثت جرحا استعماريا غائرا في البلدان الإفريقية لازالت تعاني من تبعاته السياسية والاقتصادية والامنية. لهذه الاسباب تحاول فرنسا الضغط على المغرب وابتزازه موظفة في ذلك ملف وحدتنا الترابية من خلال محاباة محور إفريقي بذاته معروف بعدائه للمغرب وتعتبر نجيريا التي يوجد الرئيس الفرنسي في زيارة لها اليوم ضلع أساسي في هذا المحور بالإضافة الى جنوب افريقيا والجزائر.
طبعا، الكل يعلم أن فرنسا قلقة هذه الأيام، ومزاجها اتجاه المغرب متغير، ولذلك، فلا يهمها أن تخطئ الموقف، وتوجه الشكوى المزعومة بتلك الطريقة المهينة لسفير المغرب خارقة كل الأعراف الدبلوماسية، بل لا يهمها أن تنسجم مع قيمها وتقدم على إعفاء سفيرها – في حال ثبوت نسبة العبارات السفيهة في حق المغرب إليه- والتي تعكس درجة القلق الفرنسي من الدبلوماسية المغربية النشطة في إفريقيا.
نتفهم هذا القلق الفرنسي، ونتفهم أيضا أن حجم تطلعات فرنسا في إفريقيا كان كبيرا إلى الدرجة التي لا تتقبل أن يزاحمها أحد في المجال الإفريقي، لكن، فرق كبير بين أن تخطئ دولة حساباتها الإستراتيجية والدبلوماسية، وبين أن تشوه صورتها، وتبدو مثل الدولة المنفعلة التي تخطئ في الحساب وتلوم بل تسب الآخرين عن شطارتهم فيه، ففرنسا كانت تدرك أن للمغرب مصالح في إفريقيا، يزكيها العمق التاريخي والديني الذي لا تمتلك فيه فرنسا سوى الرصيد الاستعماري والهيمنة اللغوية القسرية، بل وتدرك أيضا – كما سمعت ذلك بنص خطاب الملك محمد السادس حفظه الله في مالي غداة تنصيب رئيسها- أن  المغرب يبدل مجهودات كبيرة من أجل السلام بإفريقيا، بل تدرك أن المغرب يمتلك في إفريقيا ثلاث مفاتيح لا تتقاسمها فرنسا كلها، التنمية والأمن، وهما مجالان مشتركان، والدين وثقافة الوسطية ومحاربة الإرهاب المتأسلم وتشجيع الوسطية الإسلامية، وهو مجال المغرب المحفوظ الذي لا يمكن لفرنسا بل ويستحيل ان تنافسه فيه.

سفيان الحتاش- باحث

 

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. صفراوي زكرياء

    تحركات المغرب الأخيرة في مالي والكوتديفوار والتي أزعجت الجزائر وشيئا ما فرنسا هو السبب الرئيسي وراء : أولا خروج تصريح الممثل خافيير بارديم والذي هو موظف من طرف الجزائر للدفاع عن البوليزاريو ، و ثانيا تصرف السلطات القضائية الفرنسية ، تصرف الهدف منه توبيخ المغرب ، إلا أن ردة فعل المغرب من خلالل بلاغ وزارة العدل أربكت فرنسا و أربكت هولاند والذي يعاني من تنازل شعبيته في فرنسا ولا يمكنه المغامرة بإضافة إخفاقات جديدة في سجله تخص العلاقات التاريخية والاقتصادية بين المغرب وفرنسا..