achaسمير بنحطة

في الطريق إلى المدينة القديمة بوجدة مسالك كثيرة، تفضي جميعا إلى الأسوار الكبيرة في باب سيدي عبد الوهاب. في هذا الفضاء الممتد يلتقي الماضي بالحاضر، دون حاجة إلى تذكرة عبور. ويكفي المرء، إزاء ذلك، أن يرخي العنان لقدميه تسيران به إلى حيث شاءت متعة الاكتشاف أن تقوده.

تطل أنواع الحلوى من خلف الزجاج.. وتتربع الزلابية على واجهة المحلات فينظر إليها الرائحون بعين الاشتهاء. والزلابية – على الطريقة المحلية – ليست شيئا آخر سوى الشباكية أو المخرقة. وهي أكلة كثيرة السعرات الحرارية، كما يقول الأطباء، غير أن عين الصائم تعشق قبل عقله أحيانا.

في أزقة السوق، داخل فضاء سيد

ي عبد الوهاب، حركة دائبة. وسرعان ما تنبعث في المكان حيوية مفاجئة حين تنسحب خيوط الشمس مائلة على الأسوار العالية.. إنها الأجواء الرمضانية، بُعيد العصر، في مدينة الألف سنة. الأقدام تحث الخطا، عبر شوارع باتت أكثر بهاء بفضل عمليات تهيئة متواصلة، والأعين تتطلع إلى المقروط الوجدي، بإحساس السائح الذي يراه للمرة الأولى.

في مد البصر، تنتصب أسواق وجدة الشهيرة. وبلا عناء، يجد الزائر نفسه وسط محلات البيع المنتشرة في أسواق طنجة ومليلية والقدس وفي سوق الفلاح. وغير بعيد، تمتد ساحة باب سيدي عبد الوهاب حيث يتاح للمرء أن يستعيد ذكريات مسرح الحلقة، على الطريقة المغربية.. وتبدو هذه الساحة أشبه بباحة استراحة فنية بعد ساعات طويلة من التسوق!

وتعلو أصوات الباعة تستحث الزائرين على الشراء، فتمتد الأيدي إلى الكعك والكريوش والخبز البلدي، وتراقب الأعين استدارة تلال “سلو” الصغيرة ثم تتجه صوب البغرير، الذي يسمونه خرينكو هنا في مدينة وجدة.

تقول سيدة أربعينية، وهي تحجب ما تبقى من أشعة العصر عن وجه وليدها، إنها تحب ارتياد هذه الأماكن رفقة زوجها، في أماسي وجدة الرمضانية. بينما يؤكد كثيرون أن هذه الفضاءات تكتسي جاذبية خاصة في الشهر الكريم. إن الأمر – على ما يبدو – أعمق من مجرد تسوقٍ لشراء مستلزمات الشهر الفضيل. إنه برأي الوجديين سفر يومي ممتع بطقوس رمضانية خالصة.

من مكان ما، تنطلق أغنية راي قديمة. وفي زقاق آخر، تنبعث أندلسية “يا شمس العشية.. لا تغيبي بالله رفقا”، كأنها موسيقى تصويرية تصاحب حركة البائعين والمرتادين – بعد العصر – داخل الأسوار العتيقة.

ولوجدة ولع ظاهر بموسيقى الآلة. ولذلك تَنعتُ هذه المدينة موسيقاها ب”الطرب”. وهو الطرب الغرناطي على وجه التحديد. وعلى الرغم من انتشار الأغاني الشبابية وسط شرائح واسعة، فإن الكثير من الأسر الوجدية لا تزال وفية لهذا الموروث الموسيقي. وعلى مدى قرون، لا تزال الأذن الوجدية تستسيغ هذه الموسيقى – لا سيما في رمضان – كأنها لم تعزف سوى بالأمس!

ومن اللافت – كما يلاحظ مهتمون – أن فرقا محلية تضم العديد من الأطفال والشباب إلى صفوفها، ما يعني أن زمان الوصل بالطرب الغرناطي لا يزال قائما منذ تغنى فيه الفنانون الأوائل.

وليست مصادفة تاريخية أن تشهد وجدة تأسيس أول جمعية للموسيقى الأندلسية بالمغرب. وهي الجمعية الأندلسية التي أسسها الأستاذ محمد بن إسماعيل في العام 1921 . وكذلك الشأن بالنسبة لكثير من أجناس الفن وصنوف الإبداع، الأصيلة والوافدة، فقد انصهرت في بوتقة المدينة حتى صارت جزء من هويتها وتراثها.

ولهذه المدينة – بفضل زخم التاريخ والثقافة والتراث – إطلالة مشرقة. ولئن كان الألق يخيم على شوارعها في نهارات رمضان ولياليه بنكهة خاصة ومختلفة، فإن الناظر إليها – على مدى العام – يكتشف بالمعايشة مخزونها الجمالي الآسر، في تراثها المادي وغير المادي على السواء.

وهي – بحسب الدارسين والزائرين – توليفة ساحرة جمعت، منذ ألف عام، بين عبق الماضي وجمال الحاضر. وكان عنوانها الأبرز: قيمتا التسامح والتعايش.

أما في وقتنا الحاضر، فحين تسير الأقدام على شارع محمد الخامس – وليكن ذلك في ليلة رمضانية رائقة – فإن الأعين تتطلع في انبهار إلى الكنيسة ينتصب إلى جانبها مسجد.

و.م.ع

التعليقات مغلقة.