afn1وضعت جنوب إفريقيا، إبان سنة 2012، استراتيجية تتوخى تحقيق نمو سنوي بنسبة 5 في المائة  إلى غاية سنة 2030 بهدف تقليص مستويات البطالة، والفوارق الاجتماعية والفقر، والعجز الكبير الذي ورثته منذ عهد الفصل العنصري.

إلا أنه بعد ست سنوات على اعتماد هذه الاستراتيجية، التي تعرف باسم المخطط الوطني للتنمية، لا تزال البلاد تعاني من نفس العجز وسط أزمة يبدو أنها تجعل أهداف خارطة الطريق هذه غير قابلة للتحقيق.

ويرى المراقبون أنه منذ إطلاقه، واجه المخطط عدة عراقيل وخاصة ذات الطابع الإداري والسياسي.

وعرف تفعيل هذا المخطط تباطؤا جراء سلسلة غير محدودة من الانقسامات السياسية داخل المؤتمر الوطني الأفريقي، الحزب الذي يحكم البلاد منذ انتهاء الأبارتايد في جنوب افريقيا سنة 1994.

كما أدت فضائح الفساد التي تصاعدت في عهد الرئيس السابق جاكوب زوما، والتي اضطرته إلى الاستقالة في فبراير الماضي، والتباطؤ الاقتصادي إلى تقويض تنفيذ خارطة الطريق، والتي تطمح على الخصوص إلى تقليص البطالة إلى 6 في المائة فقط في صفوف السكان الناشطين بالبلاد.

وتعاني جنوب إفريقيا، التي تعتبر من أكثر الدول الصناعية في القارة الإفريقية، في الظرف الراهن، من أعلى معدلات البطالة في إفريقيا.

وحسب أرقام رسمية، فإن ما لا يقل عن 27,7 في المائة من الساكنة النشيطة بالبلاد هم عاطلون. غير أن مصادر مستقلة تشير  إلى أن هذا المعدل يرتفع إلى أزيد من 60 في المائة بين الشباب في المناطق المهمشة حيث تعيش أغلبية السكان السود.

من جهته، يستمر معدل الفقر في التفاقم بالبلاد، حيث تظهر أرقام صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء أن 55 في المائة من سكان البلاد يعيشون تحت عتبة الفقر والتي تقدر ب 50 دولارا في الشهر. ويعتبر المواطنون السود الأكثر تضررا بكثير، حيث يعيش 47 في المائة منهم في الفقر.

وفي ظل مناخ البطالة والفقر هذا، تجد الفوارق الموروثة عن الحقبة العنصرية أرضية خصبة لتتفاقم. فبعد حوالي 24 عاما من انبثاق عهد الحرية بوعوده بتحقيق غد أفضل، لا تزال البلاد تعاني من أحد أعلى مستويات التفاوتات في العالم.

وفي هذا المناخ، بدأ المحللون الجنوب إفريقيون يفقدون الأمل في أن يؤدي المخطط الوطني للتنمية إلى تغيير إيجابي.

وكتبت صحيفة “بيزنس داي”، المتخصصة في مجال الأعمال في جنوب إفريقيا، أن “هناك اعتقادا متزايدا بأن المخطط سيصبح في طي النسيان، شأنه شأن استراتيجيات تنموية أخرى أعدت منذ 1994”.

وجعل الرئيس سيريل رامافوزا، الذي تسلم السلطة في البلاد بعد استقالة زوما، من تفعيل المخطط الوطني للتنمية إحدى أولوياته بهدف إنهاء التدهور الاقتصادي للبلاد.

ومع ذلك، فإن البنك الدولي، الذي يراقب الوضع في البلاد عن كثب، يعتقد أن جنوب إفريقيا بحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة.

وبدون هذه الإصلاحات، فإن أهداف المخطط الوطني للتنمية، لا سيما تلك المتعلقة بمحاربة البطالة والفقر وعدم المساواة، ستكون غير قابلة للتحقق.

وبالنسبة إلى مارك هانوش، خبير البنك الدولي، يتوجب على جنوب إفريقيا أن تحقق نموا سنويا يقدر بـ8 في المائة على المدى القصير، لتحقيق التوازن وإحياء الأمل في تحقيق الأهداف المسطرة لسنة 2030.

ويضيف الخبير أن ” تحليل إمكانات النمو الاقتصادي يظهر أن الاقتصاد لن يكون قادرا على النمو بسرعة”، مشيرا إلى أنه منذ سنة 1994 كان النمو الاقتصادي “دوريا” في جنوب إفريقيا.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة بريتون وودز، أن هدف تحقيق نمو اقتصادي يقدر ب5 في المائة سنويا سيظل “غير واقعي” في غياب تعزيز كبير للاستثمارات الخاصة.

ويبدو أن حكومة رامافوزا أدركت هذا الواقع. حيث أعلن الرئيس الجديد للبلاد، ليلة الاثنين بمقر الحكومة في بريتوريا، تعيين خمسة مبعوثين اقتصاديين، الذين سيجوبون أنحاء آسيا والشرق الأوسط وأوروبا والأمريكتين لإقناع المستثمرين المحتملين للقدوم إلى جنوب أفريقيا.

كما كشف عن خطة لتحفيز الاستثمار من خلال تنظيم مؤتمر كبير ، في غشت أو شتنبر المقبلين، والذي قال إنه سيكون فرصة لخلق استثمارات لا تقل عن 100 مليار دولار، على شكل مشاريع جديدة سيتم إنجازها في البلاد على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وقال رامافوزا إن “المؤتمر الذي سيكون مفتوحا أمام المستثمرين المحليين والأجانب، لن يكون مجرد منتدى لمناقشة مناخ الاستثمار”.

وتشير الصعوبات التي تواجهها جنوب إفريقيا إلى أن هذا المؤتمر يبقى هدفا طموحا، على الرغم من أن رامافوزا يعتقد أنه لا يزال من الممكن تحقيقه.

وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل مقلق في جنوب إفريقيا في السنوات الأخيرة، نتيجة الشك السياسي في البلاد، والذي تضاعف في عهد زوما.

وأظهر تقرير حديث نشرته الصحافة المحلية أن جنوب إفريقيا فقدت استثمارات أجنبية تقدر بـ 3.2 مليار دولار خلال سنة 2017، بزيادة قدرها 43 في المئة مقارنة بسنة 2016.

واحتلت جنوب إفريقيا المرتبة السادسة في مؤشر الاستثمار بأفريقيا سنة 2018، الذي يصنف الدول الأفريقية من خلال جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية في سنة 2017، بحسب شركة (كوانتوم غلوبال ريسيرش لاب).

التعليقات مغلقة.