abnد. عبد الإله الربون

تحل علينا ذكرى الحادي عشر من يناير تاريخ التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال، بكل ما تحمله من معاني التحرّر ومقاومة الاحتلال والسيطرة والتحكم فتبتهج لها قلوب المغاربة إلا مناضلي حزب الاستقلال وقياداته بعد الانتكاسة التي عرفها هذا الحزب العريق الذي كانت الحركة الوطنية محرّكه الأول في العمل السياسي. انتكاسة وتقهقر كان السبب فيهما أخطاء ارتكبها أمينه العام السيد حميد شباط بتصريحاته غير المعقولة رغم حسن النية والإحساس المفرط بالوطنية.

حُكم على حزب الاستقلال بالإقصاء لأن أمينه العام ارتكب زلّة لسان، كادت أن تؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين بلدين شقيقين.

ولكن لو أردنا أن نحكم على كل حزب بالإقصاء من التشكيلة الحكومية لأن أمينه العام ارتكب زلّة لسان لما بقي في الساحة السياسية حزب واحد يصلح لتشكيل الحكومة.

إن مسؤولية هذه الأخطاء ترجع بالأساس إلى الاختيارات غير الصائبة لأمناء الأحزاب الذين يجب أن يتوفّر فيهم الصبر والحكمة والتجربة الطويلة في الممارسة السياسية ذلك أن صورة أمين الحزب في وسائل الإعلام وعند الرأي العام تلعب دوراً مهمّا في عكس أفكار وآمال وطموحات الحزب بل أحياناً يكون أمين العام هو الحزب نفسه.

إن ما وقع لحزب الاستقلال يصدق عليه المثل المغربي القائل :” طاحت الصمعة علقو الحجّام”. أخطأ شباط ولكن الذي دفع الثمن هو الحزب رغم أنه تبرأ مما فاه به أمينه العام. إنها القشة التي تعلّق بها السيد بن كيران للتملص من العهد الذي قطعه على نفسه وأعطاه لقيادة الاستقلال، بأن يكون وفيّا لحليفه وأن يصمدا سويّا في وجه التيار الجديد الجارف الذي يدعو إلى منهج جديد في الحكم وتدبير أمور العباد.

لقد استمر مخاض المفاوضات طويلاً لينتهي في آخر الأمر إلى حملٍ كاذب، ومرّة أخرى تعود حليمة إلى عادتها القديمة. لقد ضحى رئيس الحكومة المكلّف بحليف استراتيجي مهم كان بإمكانه أن يعين حزب العدالة والتنمية على تحقيق مشروعه الطموح في تحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ ثوابت الأمة المغربية كما كان بإمكانه أن يواجه التيار الجديد الجارف لما يتوفر عليه حزب الاستقلال من القدرات والكفاءات البشرية لما تراكم لهذا الحزب من تجارب سياسية واجتماعية واقتصادية ومن خبرة حكومية منذ عهد الاستقلال، ولكن فضّل حزب المصباح وأمينه العام كرسي الرئاسة الذي قال عنه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يوما في إحدى حملاته الانتخابية وهو يشير إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه ” يا خاوتي لوكان تشوفو هذا الكرسي اشحال يدوّخ”. رضخ السيد بن كيران لشروط حزب الحمامة ورئيسه النجم الصاعد السيد عبد العزيز أخنوش الذي لا ننكر عليه طموحه الكبير، ولكننا ننكر على السيد بن كيران تفريطه في حليفه وهو الذي طالما شنّف آذاننا بعبارات الوفاء والصمود والتحدي وهنا تطرح قضية المصداقية عند رجل السياسة.

منْ من المغاربة يُصدّق أن بن كيران تخلى عن حزب الاستقلال لأنه يريد تحقيق مصلحة الوطن وهو الذي يعرف أكثر من أي أحد أن الأفكار والمشروع الذي يحمله حزب الاستقلال هو في مصلحة الوطن.

إن حزب الأحرار وعلى رأسه النجم الصاعد السيد عبد العزيز أخنوش لن يرضوا بأقل من زوال بن كيران وحزبه من الحكومة وربما من المشهد السياسي بأكمله لأن ما يمثله بن كيران وحزب العدالة والتنمية هو حجرة عثرة في سبيل تحقيق مشروع المقاولة العملاق الذي تريد تحقيقه طبقة من أرباب الأعمال الكبار.

كل الدلائل والمؤشرات تؤكد هذه الفرضية، ذلك أنه عندما أفرط بن كيران في الثقة في الطرف الآخر المفاوض، وأخرج حزب الاستقلال من حساباته، انفتحت شهية الأحرار أكثر وطالبوا بالمزيد من التنازلات وكانت الزيادة هي اقتراح حزبين آخرين هما حزب الاتحاد الدستوري وحزب الاتحاد الاشتراكي إلى التشكيلة الحكومية المرتقبة فيصبح بذلك حزب العدالة والتنمية أضعف حلقة في الأغلبية الحكومية. لقد وضع أخنوش رئيس الحكومة المكلّف بين خيارين لا ثالث لهما فإما أن يرضخ لشهية الأحرار ويصبح بذلك رئيس حكومة يسود ولا يحكم، وإما أن يرفض الاقتراح الجديد فيكون بذلك هو السبب في نسْف المفاوضات وإيصالها إلى الطريق المسدود فلا يجد أمامه إلا أن يضع المفاتيح . إن ما وقع لابن كيران يذكّرنا بواقعة التحكيم التي جرت بين علي بن أبي طالب رضي الله ومعاوية بن أبي سفيان حين قام أبو موسى الأشعري وعزل عليًّا رضي الله عنه بينما أثبت عمرو بن العاص صاحبه معاوية في الحكم. إن الخاسر الأكبر من كل هذا هو المواطن الذي وضع ثقته وآماله في مستقبل أفضل بين أيدي سياسيين ضاقت آفاقهم وانحصرت في حسابات حزبية لا علاقة له بها. فهل يتدخل صاحب الجلالة مرّة أخرى لإنقاذ الموقف؟.

 

التعليقات مغلقة.