PHOTO AMAR MED 2 001

ذ. محمد عمراوي

فترة الانتخابات ما هي إلا أياما معدودة ثم تنتهي وتنسى  بل ما هي في الحقيقة الا لحظات اذا ما قورنت مع

فترة  الانتداب والتي تدوم ست سنوات يتعين على المنتخبين خلالها ممارسة مهامهم وتحمل مسؤولياتهم والعمل

على تنزيل الاختصاصات المخولة لهم و تفعيل النصوص القانونية المرتبطة بها  قصد الاستجابة لمطالب

وحاجيات السكان وتحديد اولوياتهم وتهيء البرامج  وتنفيذها بمعيتهم ولن يتأتى لهم ذلك من طبيعة

الحال دون المزيد من الاطلاع والبحث في اساليب وكيفيات التدبير الجماعي الحديثة والقوانين ذات الصلة لملاحقة تطورات التدبير الترابي المتسارعة مما سيمكنهم من تجنب الكثير من الأخطاء والتعثرات واقتصاد الكثير من الوقت والجهد وبالتالي الرفع من مستوى الأداء وإذا كانت المعرفة القانونية ضرورية في هذا الإطار وذلك ما سنحاول المساهمة به قدر المستطاع في هذه السلسلة من المقالات فإنها مع ذلك تبقى وحدها غير كافية إن لم  يواكبها المزيد من التكوين والتكوين المستمر للمنتخبين.

مدخل تمهيدي:

تعتبر المجالس الجماعية أكثر المؤسسات المنتخبة قربا والتصاقا بهموم ومشاكل وتطلعات و  حاجيات المواطنين اليومية وأكثرها تجسيدا للديمقراطية حيث تسمح للمواطن الواعي بالمساهمة في اتخاذ القرار على الصعيد المحلي فيما يتعلق بتدبير شؤونه من خلال انتخاب  احسن من يمثله  داخل  هذه المجالس عن طريق الاقتراع المباشر ولقد انخرط المغرب مبكرا في تجربة الجماعات المحلية كتجسيد لخيار نظام اللامركزية واعتبره ورشا وطنيا يحظى بالأولوية مما سمح له بمراكمة اكثر من نصف قرن من الممارسة والتجربة عقدت خلالها الكثير من الندوات والمناظرات الوطنية خرجت بالعديد من التوصيات والاقتراحات مواكبةً التحولات والمستجدات وصدرت خلالها العديد من القوانين والتشريعات بغرض تطوير التجربة  نصا وممارسة وارساء قواعد ومبادئ حسن التدبير وضمان نجاعته وشفافيته وسلامته والرقي بهذه المجالس لتلعب  دورها الحقيقي في التنمية.

واذا كانت المنظومة القانونية للامركزية بالمغرب لم تبلغ بعد المستوى المطلوب فقد  شهدت

خلال مسيرتها الطويلة تحولات تدريجية وعميقة، فبعد أربع سنوات فقط من حصول المغرب على استقلاله صدر بتاريخ 23 يونيو 1960  الميثاق الجماعي الأول الذي شكل  النواة الأولى نحو لامركزية إدارية ونص على نوعين من الجماعات ،الجماعات الحضرية والجماعات القروية اسندت لها آنذاك اختصاصات ثانوية اذ انحصر دورها في  المهام الاستشارية وفي التسيير الإداري فقط نظرا لحداثة التجربة مع فرض وصاية صارمة ثلاثية الابعاد بعدية ،موازية وقبلية (1).

ثلاث سنوات بعد ذلك صدر ظهير 12 دجنبر 1963 اٌحدث بمقتضاه مستوى ثان من اللامركزية ويتعلق الأمر بمجالس العمالات والأقاليم ،ثم تلاه ظهير 30 شتنبر 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي والذي مثل الانطلاقة لمساهمة الجماعات  في التنمية المحلية و اعتبر الجماعات الحضرية والقروية وحدات مسؤولة عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية (2)،  كما تم توسيع مجال اختصاصات رؤساء المجالس وتخويلهم الجزء الاكبر من الاختصاصات التي كانت بيد السلطة المحلية (3).

وبعدما تم الارتقاء خلال التعديلات الدستورية لسنتي 1992 و1996 بالجهة الى جماعة ترابية احدث في ابريل 1997 صنف جديد من الجماعات الترابية ويتعلق الأمر بالجهات.

تلاه إصدار قانون 78.00 عام 2002 بمثابة الميثاق الجماعي تم بموجبه توسيع صلاحيات المجالس الجماعية والتخفيف من الوصاية وتخفيض اجال المصادقة (4) ووضع نظام وحدة المدينة (5) كما جاء الميثاق ايضا بمستجدات على مستوى علاقات الشراكة والتعاقد مع الدولة ومؤسساتها ومع القطاع الخاص ومستجدات اخرى تهم قواعد ومبادئ التسيير والتدبير والحكامة عموما (6).

اما القانون رقم 79.00 المنظم للعمالات والأقاليم فقد جاء بدوره بتعديلات مهمة لخدمة الحكامة

المحلية و وتأهيل ووضع الجماعة الوسيطة ومساواتها مع باقي الجماعات الترابية الأخرى،

وجعلها تساير وتيرة التغيرات التي يعرفها المغرب اليوم، من خلال توسيع مجال الاختصاصات وإدخال عدة تغييرات على  مستوى الجهاز التنفيذي وعلى الوصاية وقصد تحسين نظام المنتَخَب وعقلنة تسيير المجلس ، وكذا دعم آليات التعاون والشراكة (7).

وقد شهدت سنة 2009 ادخال تعديلات على الميثاق الجماعي بغية تطوير اساليب التدبير المحلي ومسايرة التحولات التي يشهدها المغرب في شتى المجالات ومن هذه التعديلات  تقنين مجال التفويض لفائدة نواب الرئيس ،السماح بالتفرغ للموظفين الذين انتخبوا رؤساء المجالس، تعزير مركز الكاتب العام للجماعة ،اعتماد مسطرة جديدة في التصويت على الحساب الاداري ،اعتماد منهجية التخطيط التشاركي ،وضع اطار قانوني لإحداث شركات التنمية المحلية وتحديد مسطرة جديدة للمنازعات القضائية …الخ (8) .

بالموازاة مع ما ذُكرتم اصدار العديد من القوانين تتعلق بإصلاحات متتالية للنظام الجبائي والمالي والمحاسباتي الخاص بالجماعات المحلية بداية بظهير 23 مارس 1962 ثم القانون رقم  89ـ30 تلاه القانون رقم 06/47 والذي دخل حيز التنفيذ في مستهل 2008 والقانون رقم 07/39 وصولا الى القانون رقم 08/45 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية الصادر في  18 فبراير 2009 (9) .

ليتم سنة 2011 تتويج هذا المسار بدسترة الجهوية المتقدمة وتخصيص بابا كاملا  للجهات والجماعات الترابية الاخرى وهو الباب التاسع من الدستور وتضمينه 12 فصلا مع الارتكاز على مجموعة  من المبادئ.

على بعد شهور قليلة عن موعد استحقاقات شتنبر 2015 عرف شهر يوليوز من نفس السنة ولأول مرة إصدار العديد من القوانين في شكل قوانين تنظيمية تتعلق  بالجهات وبالعمالات والأقاليم وبالجماعات بعدما  كانت  الجماعات المحلية منظمة بقوانين عادية منذ 1960.

انها بحق ترسانة قانونية مهمة كما تلاحظون تستحق ان يوليها المنتخبون الاهتمام اللازم    و  ان يكونوا  على دراية بمضامينها و على إطلاع على محتوياتها و تحتاج حسب ما  يتبين إلى منتخبين من صنف خاص لديهم حد معين من الكفاءة والقدرة على استيعاب تفاصيلها واجراءاتها ومساطرها الدقيقة والمساهمة في ضمان الفعالية وجودة التدبير الجماعي  والرفع من مستوى الأداء حتى تتمكن هذه المجالس من الاضطلاع باختصاصاتها والدفاع عنها ومن القيام بدورها التنموي على أكمل وجه.

وفي ظل عدم اشتراط المشرع مع الاسف توفر المنتخبين على مستوى تعليمي معين فهل يا ترى تلعب  الأحزاب السياسية الدور الاخلاقي الموكول لها في هذا الاطار ؟وهل تحسن اثناء تزكية المرشحين اختيار من تتوفر فيه المواصفات التي تلائم هذه المهمة النبيلة ؟ حتى  ترقى بذلك الاختيار الى مستوى المجهود التشريعي والتقني واللوجستيكي  الذي تبذله الدولة ويكون في حجم الأموال العمومية الضخمة التي ترصد لتنظيم مثل هذه الاستحقاقات ؟؟.

1) ـ مقتضيات عامة من دستور 2011 حول الجماعات الترابية.

اصبحت تسمى  الجماعات “الترابية” بدل الجماعات “المحلية ” ويتضح ذلك من خلال الفقرة الاولى من الفصل 135 من الدستور التي تنص على ان  ” الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والاقاليم والجماعات ” و بمقتضى الفقرة الرابعة من الفصل الاول من الدستور التي تنص على ان  ” التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة” تم الاعتراف كذلك للجماعات المحلية بالكينونة الترابية   ،وهذا التغيير الذي حصل بنص دستوري ليس مجرد تغيير شكلي او ترف لغوي بل يؤشر في العمق على تغير في مصدر مشروعية الشأن المحلي وعلاقة هذا الاخير بسلطة الدولة (10) .

من جهة اخرى اصبح تدبير شؤون الجماعة يرتكز على العديد من المبادئ الدستورية على راسها مبدأ التدبير الحر ومبدا التضامن والتعاون بين الجماعات وبينها وبين الجماعات الترابية الاخرى بالإضافة الى الديمقراطية التشاركية و الى الحكامة الجيدة واقتران المسؤولية بالمحاسبة وغيرها من المبادئ  ولقد نصت الفقرة الثانية من الفصل 135 من الدستور على ان ” الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية “أما  الفصل 136  فينص على ” يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر وعلى التضامن والتعاون ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة”

وبناءا على  مبدا التدبير الحر تتمتع الجماعات بكامل الصلاحية والحرية في تدبير شؤونها بكل ديموقراطية ـ مع المساءلة ـ  وفي تحديد وبلورة اختياراتها وصياغة برامجها في حدود ما يسمح به القانون ،كما تمتلك الجماعة سلطة اتخاذ القرارات المناسبة المتعلقة بهذه الشؤون وسلطة تنفيذها  مما سيجعلها تتحرر اكثر وبشكل تدريجي من الوصاية بمفهومها الضيق والتقليدي التي كانت في السابق تعطل وتعرقل عمل الهيات المنتخبة المحلية .

ويتضمن التدبير الحر مفاهيم عديدة ينبغي  اخذها بعين الاعتبار كمفهوم الجماعات المبادرة ، ومفهوم التنافسية والتسويق الترابي والتدبير بالأهداف وبلورة الحكامة الجيدة (11).

ومن شان احترام هذا المبدأ  ان يساهم في تعزيز استكمال البناء المؤسساتي للامركزية ويعمل على ترسيخ الديمقراطية المحلية .

بالإضافة الى اعتماد مبدأ التفريع كأساس في إسناد الاختصاصات للجماعات والتي تتوزع بين اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة بينها وبين الدولة وأخرى منقولة إليها من طرف هذه الأخيرة معاعتماد مبدأي التدرج في الزمان، والتمايز في المجال عند ممارسة الاختصاصات المنقولة؛

اما مبدا التعاون والتضامن بين الجماعات فيهدف الى تقوية روح المواطنة وارساء الفعالية والجودة والنجاعة والتناسق والانسجام في الفعل العمومي المحلي (12)

02 ــ مقتضيات عامة من  القانون التنظيمي رقم 14ـ113  المتعلق بالجماعات:

واذا كان انتخاب اعضاء المجالس الجماعية قد ارتبط منذ التجارب الاولى  بنمط الاقتراع العام المباشر فان اختيار الرئيس واجهزة المكتب اصبح ولأول مرة وفق القانون التنظيمي الحالي يتم عن طريق التصويت العلني  حرصا من المشرع على ضمان  الشفافية والمزيد من تخليق الحياة الحزبية والسياسية و ضمان قدر من انسجام الاغلبية داخل المجلس ونظرا للدور المهم  الموكول للرئيس والصلاحيات المخولة له والتي تقتضي تواجده الدائم والمستمر بالقرب من السكان يمنع القانون انتخاب الأعضاء المقيمين خارج الوطن كرؤساء أو نواب للرئيس .

يعترف القانون لهذه الجماعات ايضا بالشخصية المعنوية والاستقلال الاداري والمالي،الا ان مبدا الاستقلالية وان كان يمثل روح اللامركزية في بعده الاداري فان تكريسه في الممارسة العملية يقتضي توفير الموارد المالية والبشرية ( منتخبين ـ موظفين ) والتقنية الضرورية  لحسن سير هذه الجماعات (13).

زيادة على ما سبق تتوفر  الجماعات الترابية  في مجال اختصاصاتها وداخل دائرتها الترابية

على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها وذلك حسب ما ينص عليه الفصل 140 من الدستور  والمادة 95 من القانون التنظيمي للجماعات وذلك بغية السماح لها باتخاذ القرارات والقيام بالإجراءات التي يتطلبها سير المرافق العمومية بكيفية منتظمة وقصد الحفاظ على النظام العام (14)

ومن شان هذه الضمانات الاساسية ان تدفع المجالس المنتخبة عبر اجهزتها الى الانخراط بكل جد وثقة في تنزيل الاختصاصات المخولة لها وبلورة اختياراتها وبرامجها حسب ما تقتضيه متطلبات الساكنة وحسب ما تتوفر عليه من  امكانات (15).

و تتكون أجهزة المجلس حسب المادة 7 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات من مكتب (رئيس ونواب للرئيس ) ومن لجان دائمة ومن كاتب المجلس ونائب له ومن فرق بالنسبة للمجالس الخاضعة لنظام المقاطعات وقد اسند القانون لمختلف هذه الاجهزة مجموعة من الاختصاصات والصلاحيات والمهام ذلك ما سنتناوله انشاء الله بشيء من التفصيل في الاجزاء القادمة من هذه السلسلة .موعدنا اذن مع الجزء الثاني نخصصه للنظام الداخلي للمجلس ــ اللجان ــ الدورات.

المراجع المعتمدة:

+ بالاظافة الى مختلف المواد التي يتظمنها القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات اعتمدنا كذلك :

(1) ـ الفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية دراسة في القرار المحلي ص 31.

2) مجلة مسالك العدد 33/34 ص 124

(3)  مجلة مسالك العدد 33/34 ص 128

(4) ـ الفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية دراسة في القرار المحلي ص 37

(5) ـ مجلة مسالك العدد 29/30 ص80

(6) ـ مجلة مسالك العدد 33/34 ص 128.

(7) ـ موقع الكتروني :المجلة العربية للقانون والعلوم الادارية

(8) ـ الفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية دراسة في القرار المحلي ص 39.

(9) ـ مجلة مسالك العدد 29/30 ص 80 و81

(10) ـ المجلة المغربية للسياسات العمومية ص 92

(11) ـ مجلة مسالك عدد 33/34 ص 143

(12) ـ نفس المرجع العدد  33/34 ص 136

(13) ـ نفس المرجع  العدد 29و30 ص 157

(14) ـ  جريدة المساء العدد 2797 ـ03/04 اكتوبر 2015

( 15) ـ  نفس المرجع  العدد 2797 اكتوبر2015.

 

 

التعليقات مغلقة.