aroimed5“ربيع عربي” يواجه بصيف ساخن ينقلب على حكومات اللحي التي أوصلت إسلاميو بلدان “مصر و تونس و ليبا” إلى قصور الحكم، لنتواجد أمام خريف ينعي كل إسلامي “الثورات العربية”، أوقف كل التكهنات و صار عبئا على شعوب المنطقة التي تلوح بإسقاط نتائج الإنتخابات التي تلت ثورات الفل و الياسمين و معها ثورة الإنتقام بالقتل من القذافية.

وحده المغرب كان “فريدا” فالبرغم من خروج  الآلاف من المغاربة على غرار شوارع تونس و القاهرة و طرابلس و عدن، كان للمغاربة صوت واحد هو إسقاط رموز الفساد من أجل ملكية تحتفظ برمز وحدتها و ضامن إستقرارها المتمثلة في نظام الملكية صاحبة الشرعية و المشروعية، بالرغم من تعالي أصوات نشاز إلا أن الأمر لم يكن سوى عدوة إنتقام رددها رفاق الحريف و مريدي الراحل ياسين، غير أن فشل أطروحتهم قاد المغاربة و معهم شباب حركة 20 فبراير المستقلين إلى رفض الشعارات المبتذلة، بعدما واجه ملك المغرب و تفاعل طوعا برغبة أكيدة و استمرارية بلا قطيعة، في تلبية مطالب الشعب و الشباب بدستور إعتبره المراقبين ثورة حقيقية، سياسية و ثقافية، تلت ثورات  أخرى سابقة عرفها كل من المشهدين الحقوقي و الإجتماعي مند تولي جلالته  زمام الحكم.

هنا الفرق إذن بين مغرب تصالح منذ عشرات السنين و أرسى أسس ممارسة ديمقراطية بالرغم من الشوائب و بين بلدان عربية أخرى صارت مهددة بحروب أهلية و مستقبل غير واضح المعالم.

طبعا المغرب ليس هو مصر أو تونس أو ليبيا أو اليمن أو حتى سوريا التي اختلط فيها الحابل بالنابل.

الجواب واضح، تؤكده الشرعية و المشروعية، و هذا ما تختلف حوله أو تفتقده الأنظمة العربية الأخرى موضوع التشبيه، كيف ذلك ؟.

تلتصق صفة المشروعية بالسلطة التي تتفق تصرفاتها و نشاطاتها مع مقتضيات تحقيق العدالة، و تارة أخرى يقصد بها السلطة التي تستند إلى رضا الشعب، و من ثم يمكن القول أن سلطة الحاكم المطلق أو المستبد غير مشروعة و إن أستندت إلى نص الدستور القائم أي حتى و لو كانت سلطة قانونية، و على العكس تكون سلطة الحكومة الثورية مشروعة و لو قامت على أنقاض حكومة قانونية كانت تستند إلى أحكام الدستور.

و هذا ما تمتاز به الملكية بالمغرب، حيث أنها سلطة شرعية تستند إلى إجماع شعبي و يرضى عنها الشعب طوعا و هذا ما يعبر عنه، بالتشبث بالعرش العلوي كضامن للوحدة و كعربون عن تاريخ و حضارة ضاربة في التاريخ.

و قد كانت لثورة الملك و الشعب ضد الإستعمارين الفرنسي و الإسباني بمثابة، تشكل  حكم ثوري على أنقاض حماية فرنسية و لو كانت تستند إلى حاكم مغربي، إلا أنها أسقطت الحماية المفروضة على حكم ملكي أنذاك لفائدة نظام جديد مستقل ثائر على وضع قائم.

أما امتلاك المشروعية فمفاده الخضوع التام للقانون سواء الفرد أو الجماعة، أي خضوع الجميع للمشروعية التي يضمنها كيان الدولة الشرعي، و هذا ما يفيد أن المغرب ّإعتمد منذ بداياته الأولى بعد الإستعمار إلى جعل المؤسسة الملكية وحدها الضامنة لهذا الخضوع للمشروعية المكتسبة، و الضامن كذلك لسمو القانون بعيدا عن أية مؤسسة أخرى قد تستغل هذه المشروعية لصالحها و ضد المؤسسات الأخرى.
وإذا كانت دراسات تاريخ القانون قد أثبتت أن الأفراد منذ قيام الدولة، و من قديم الزمان يخضعون للقانون على الوضع الغالب، بحكم تبعيتهم لسلطة تملك أمرهم، و توقع عليهم الجزاء عند المخالفة ، غير أن خضوع الهيئة الحاكمة للقانون لم يكن أمرا مسلما به في العصور القديمة، و التي أعفت الدولة نفسها من الخضوع للقانون محاولة فرضه بالنسبة للأفراد.

لكنه مع ظهور قوى حية لم يعد يكفي أن يخضع الأفراد و حدهم للقانون في علاقاتهم الخاصة، بل من الضروري أن تخضع له أيضا الهيئات الحاكمة في الدولة على نحو تكون تصرفات هذه الهيئات و أعمالها و علاقاتها المختلفة متفقة مع أحكام القانون و ضمن إطاره، و لعل الأحكام التي صدرت ضد الراحل الحسن الثاني خير دليل على أن المؤسسة الملكية لم تكن خارج هذه المعادلة “قضية مزرعة عبد العزيز مثلا”.

إذن هذا هو الفرق الحاصل بين المغرب و الدول العربية الأخرى، شرعية تاريخية و مشروعية سياسية، جعلت من المغرب دولة فريدة، أفرزت مجتمعا سياسيا و مدنيا يتصارع حول السلطة لكن في إطار نوع من التوافق و التراضي و هذا هو السؤال الثاني الذي سوف نجيب عنه.

حين فضلت القوى السياسية المغربية سنوات السبعينات خيار الإجماع الوطني حول القضايا الوطنية و الترابية كانت تعي جيدا أن هذا الإجماع مرده ضمان استقرار داخلي و إيمان مشترك بأن الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار، و هذا السلوك كان نابع من كون كل الأطياف السياسية المغربية مؤمنة بأن وحدة الوطن على أساس نظامه السياسي الملكي لا يعفي من تبني صراع سياسي حول طبيعة التدبير و أسسه و قواعده.

و من ثم بات طبيعيا أن تتصارع هذه القوى صراعا سياسيا إحتكم منذ الساعات الأولى إلى صناديق الاقتراع، بالرغم من المحدودية و الاتهامات المتبادلة، بين القوى المتصارعة إلا أنها كانت بداية موفقة، و تجربة كبيرة حصد المغرب من خلالها نتائج مهمة.

هكذا كان منطق التوافق و التراضي بين الفرقاء السياسيين صمام أمان حقيقي، نهج أوصل الجميع إلى باب مفتوح على مصراعي التجديد و التحديث و ضمان وحدة الفرقاء السياسيين الفاعلين و المؤمنين طبعا بالديمقراطية و التداول و التعدد دون أن يمحي أحد الآخر.

هكذا واصل  الملك محمد السادس عشرات القرون من العمل على قواعد الشرعية و المشروعية و بهواجس التراضي و التوافق مع الجميع و دون استثناء، في غياب أي صراع حول السلطة إلا من أقلية معروفة الأولى ذات مرجعية منغلقة   إشتراكية و الثانية ذات قومة دينية على نهج “الخلافة الإسلامية” و هاذان الطرحان يعتبران أصلا ضد الشرعية و المشروعية و خلافا لإجماع مغربي يؤمن بالتوافق و التراضي كخيار سياسي لا مرد عليه.

ليس صدفة أن ينهج ملك المغرب محمد السادس سياسة إجتماعية بديلة علما بأن المغرب بقع بين بلدان تكن كل عداء كبيرا وتعيش مشاكل أمنية وإقتصادية عويصة ،  و ليس صدفة أن يعمل على تقريب وجهة نظر الشباب و الفرقاء السياسيين بإصلاحات سياسة و دستورية عميقة، و ليس صدفة أن يصل الإسلاميون عبر صناديق الإقتراع إلى سدة الحكم.

إنها مسيرة طويلة من العمل و المثابرة و الاجتهاد، مسيرة تعبوية و معارك حقيقية ضد الفقر من جهة و ضد التسلط و الظلم.

هكذا تحولت الإدارة المغربية من إدارة منغلقة إلى فاعل منفتح.

و تحول المجتمع المغربي من متفرج و مدافع إلى مراقب و مهاجم، في هدوء  و أمن و سلام.

إنها فعلا ثورة شعبية سلمية و منظمة قادها ملك المغرب محمد السادس بعبقرية كبيرة  و خلفه جنوده من المغاربة الأوفياء القابضين بنواجذهم على  ملكيتهم و الرافضين لكل دعاة العنف و التطرف والتيئيس والتشويش .

 

 

 

أضف مشاركة