التعليم الجامعي المغربي ما بعد الجائحة: أزمة ذهنيات لا أزمة مشاريع

بلقاسم الجطاري

إن تشخيص آفاق التعليم الجامعي ما بعد الجائحة ينبغي أن ينطلق من تصور شامل ومتكامل للفرد والمجتمع، وللمهام المسنودة إلى المؤسسات، ومنظومة القيم، وعلاقات السلطة، وقضايا المحيط والبيئة. ومن ثم، فإن عملية التشخيص هذه تختلف باختلاف الخلفيات التي تحرك الفاعل السياسي أو المِهْني. ولا يمكن الخلوص إلى نتائج ذات قيمة، على مستوى التشخيص، إلا إذا تقاربَ تصور الدارس مع المشروع المجتمعي المنشود.

غير أن هذا الكلامَ لا يعني أن الفاعل السياسي عندنا يختلف في نظرته إلى آفاق التعليم الجامعي إلى درجة إقرار البعض بالأزمة، ونفيها من قبل آخرين؛ ذلك أن الكل يتفق على وجود اختلالات كبرى تنْخُر الجسد الجامعي، كما أن الكل يتفق على حاجة الجامعة المغربية إلى مشروع إصلاحي كبير. لكن عندما يتعلق الأمر بتفاصيل الاختلالات ومظاهرها، وما يتصل بعملية فرز الأسباب عن النتائج.. هنا تحديداً ينكشف الخلاف، وتتباين الرؤى والتصورات.
إذا شئنا التوصيف العفوي للأمور، قلنا إن مشاكل التعليم الجامعي وأعطابه كلها ذات طابع استعجالي. لكن: هل نجحنا في تجاوز مشاكلنا عندما سلكنا طريق الاستعجال؟ يكفي أن نتأمل ما حصل للبرنامج الاستعجالي (2009-2012م)، الذي بُوشِر، منذ سنواتٍ، في قطاع التعليم، كي نناصر التريث في تشخيص الاختلالات، والتمهل في اقتراح الحلول. ينبغي أولاً استبعاد قضية التدبير الحكومي لقضية التعليم من كل أشكال التجاذب السياسي، وخطاب المزايدات؛ إذ لا يمكن عقلاً تنزيل مشروع حزبي أو حكومي (أغلبي) في قطاع التعليم، علما أن عمر الحكومة لا يتجاوز ست سنوات في أقصى الأحوال، وهي مدة لا تكفي طبعاً لجني ثمار المشروع، ولا لتلمُّس علاماته وقَسَماته؛ ومن ثم، لا يكون متاحا أمام المواطنين والناخبين مكافأة الحكومة أو معاقبتها لحظة الاقتراع. إن قضية التعليم أكبر من أن تُحصر في نطاق مشروع حزبي ضيق، محكوم بتكتيكات ظرفية وتوازنات وتَرْضِيات… ولذلك، نظن أن الطريق الأقرب إلى الصواب هو مباشرة مشروع وطني كبير يُسْهِم فيه كل المتدخلين، على أنْ تظل كلمة الفصل في يد متخصصين وأكاديميين.
وفي سياق تشخيص آفاق التعليم الجامعي دائماً، ينبغي الانطلاقُ من عنصرين مركزيين:

  • سؤال المقتضيات الجامعية (البيداغوجية والبحثية والتدبيرية وغيرها)، التي يضعها بوصفها قاعدة ضرورية لنجاحه، ثم نوعية الشروط والاقتضاءات المجتمعية العامة التي يرى أن توفيرها شرط واجب، أيضا، وأن تغييبها، أو عدم وضعها في حُسبان الفاعل الجامعي والمؤسسي، قد يؤدي إلى فشل المشروع، أو الحد من نتائجه.
  • زاوية الفاعلية التدبيرية، وما يحيط بها من مقتضيات التعبئة المجتمعية؛ وذلك كي يتاح للجميع الإسهامُ في تجويد آليات التنفيذ والأجرأة، واستشعار المهام والمسؤوليات؛ عملا بمقتضى الحاجة إلى الانخراط الجماعي، الذي يغذي الإحساس بالالتزام والمسؤولية لدى كافة الفاعلين والمتدخلين.
    لنلتفت قليلا إلى موضوع آفاق التعليم الجامعي ما بعد الجائحة، الذي سيُباشَر اعتباراً من الموسم الجامعي المقبل (2020/2021)؛ فهو موصول إلى سابق الكلام. إن الملاحظة التي ينبغي الانطلاق منها هي وجوب قيامه على محفزات داخلية محضة، مرتهِناً بغايات استراتيجية وطنية مستقلة عن قُوى الضغط الدولي، ومحكوما بمنطق الشراكة على نحوِ ما تقتضيه الشراكة بمعناها الدقيق، مع مراعاة الطموح الوطني إلى خلق جامعة مغربية، تجر قاطرة التنمية، وَفق نموذج يستجيب لحاجاتنا ذات الأولوية، ويراهن على تثوير المخرجات، والانتقال بها من مُخْرَجات معرفية محضٍ إلى مخرجات مهارية، قوامُها المبادرة والإبداعية، وغرس قيم العمل والمثابرة والسلوك المدني.
    وإذا كان من فائدةٍ تُرْتَجى من تدبر آفاق التعليم الجامعي ما بعد الجائحة، فهي وجوب إشاعة مناخ الثقة بين الأطراف المتدخلة في المجال، وتحفيزها على تقاسم الإحساس بالحاجة إلى تحسين أداء المنظومة الجامعية؛ من خلال تلمس الاختلالات والمشاكل الجوهرية، و تمييزها من نظيرتها العَرَضِية، ثم دفع هذه الأطراف إلى تعبئة الموارد المتاحة، وإعمال حس الالتزام الجماعي، علاوةً على تمكينها من واجهات عمل تمكّنها من قياس الآثار الإيجابية لفعل انخراطها في مشاريع التأهيل والتطوير.
    وينبغي القول إن الاعتبارات المذكورة قد أصبحت اليومَ متوفرة على نحو أكبر مما كانت عليه في الماضي، وإن مؤشرات التعبئة والالتزام قد أضحت أنضجَ وأوْضَح؛ لذا، يمكن القول إن الظرفية قد أمْسَتْ مواتية أكثر لمباشرة مشروع إصلاحي يضخّ دماء جديدة في جسد الجامعة المغربية، ويدفعها إلى تحمُّل مسؤوليتها ومهمتها المجتمعية الكفيلة بجر قطار الإقلاع التنموي. ومما يتعيّن الانتباه إليه الآنَ، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة مواءمة مخرجات جامعاتنا مع محيطها السوسيو اقتصادي، داخليا وخارجيا، ومراجعة التكوينات والعروض التي تقدمها هذه المؤسسات العليا، وخلق دبلومات، في مستويي الماستر والدكتوراه، تواكب المستجدات والمتغيرات، وما فرضته جائحة كورونا من تحديات أمام التعليم الجامعي في البلدان المتخلفة، عموما، غير بعيد عنا جميعا، أمام عجزها عن تقديم أي إسهام فعلي في سياق المجهود الدولي لتطويقها ومكافحتها.
    وسيرا في الطريق نفسِه، يكفي أن نتأمل الغايات والمرامي الكبرى التي يراهن التعليم الجامعي ما بعد الجائحة على بلوغها، وما يتصل بها من طرائق وعتاد وهندسة بيداغوجية. إن جامعة تكتفي بالتلقين، وتتعامل بمنطق المقرر والمحتويات الدراسية الجامدة، لا يمكن أن تخلق طالبا مُبادِرا مبدعا، مؤمنا بقدراته، واثقا من ذاته. بل ينبغي للجامعة أن تعطي المثال والقدوة؛ ولذلك، وَجَبَ عليها أن تتحول إلى مختبر حقيقي يحتضن تجارب طلابية، وأنشطة مهنية ناجعة. ولا مناص من أن نقْطَع مع التصور التقليدي الذي يجعل العروض الجامعية أنشطة نظرية مفصولة عن الواقع العملي والمهني. ولا بد، كذلك، من التفكير في تجديد طرُق تقديم العروض التكوينية والمحتويات التجريبية في رحاب الجامعة. ويلزمُ، في السياق نفسه، تحويل هذه الأخيرة إلى ورش مفتوح، قادر على احتضان المشاريع الطلابية، في مختلف تجلياتها. ومثلُ هذا الأمر يحتاج إلى خبرات وفرق بحث وطنية تهيئ الأرضية العلمية والتقنية والتشريعية اللازمة.
    وبياناً، نقول إن هذا الكلام ينسحب على كل المؤسسات الجامعية، بما في ذلك كليات الآداب والعلوم الإنسانية، التي تُوسَمُ مسالكها وشعبُها بالافتقار إلى المحتوى التطبيقي أو المهني. وهذا تصور/تمثل تقليدي أيضا، بمقدورنا تجاوزه إذا حَضَرت الرغبة والإرادة. إن المسالك المذكورة تستطيع توفير عروض وفرص تدريب في مجالات عديدة داخل رحاب الجامعة، في مجالاتٍ من قبيل: الترجمة والصِّحافة والسياحة وتدبير التراث المادي واللامادي والسينما وغيرها من الفنون، فضلا عن الدعم النفسي والاجتماعي… إنّ المسألة، باختصارٍ، مسألة تصور، والمشكلةُ لا تكمن في طبيعة المسالك، وهُويتها الأدبية أو العلمية الإنسانية؛ كما تحاول بعض الأصوات أن تذيعه بين الناس. ولو صحّ الأمر، مَا أنفقت دول الشمال المتقدم ميزانيات ضخمة في بناء كليات الآداب والفنون والعلوم الإنسانية!.. المشكلة تكمن في غياب تصور حديث لهذه الكليات يستجيب لمستجدات الحياة الاجتماعية والتقنية.
    صحيحٌ أن الجامعة المغربية قد باشرت تجربة المَهْنَنَة (Professionalisation)؛ إذ تم، منذ سنوات، اعتماد إجازات مهنية عديدة في أكثر الكليات المغربية، وصحيح أيضاً أن مجملها فشل في توفير المخرجات المطلوبة! فهل هذه علامة على فشل الورش البيداغوجي المهني؛ ولذلك، ينبغي استبداله بورش آخر؟! الأمور، في تقديرنا، ليست على هذا النحو. وفشل خيارات مهنية معينة لا يعني فشل خيار المهننة ككل، بوصفه محركا جديدا للجامعة، بل يعني ذلك، في الواقع، وجود أعطاب في هذا المحرك، والمطلوب مباشرة البحث عن هذه الأعطاب، وإصلاحها بحِكمة ورَوِيّة، وليس باستبدال المحرك كاملا.
    ختاماً، نحن سنكون أمام سنة جامعية ما بعد الكوفيد 19، والأمر المطلوب هو أن يترفع الجميع عن المزايدات الحزبية، وأن يتم استدعاء أهل الاختصاص لتقييم الاختلالات، واقتراح الحلول. لقد علمتني تجربتي المهنية، التي تقارب العشرين سنة بهذا القطاع، بين التعليم والتدبير الإداري، أشياء عديدة، سواء في طريق المساطر، أو في مجال الموارد البشرية، أو في غيرهما مما له صلة… وهي أشياء وخبرات تتعزز حينا، وتتقوض حينا آخر، وذلك بحسب الملفات والقضايا الجامعية الطارئة ، لكن الذي لا أشك فيه بتاتاً هو حاجة الإصلاح البيداغوجي الجامعي إلى أهل الاختصاص من الممارسين في المختَبَرات والمدرّجات الجامعية؛ لأن تفاصيل مسطرية وعلائقية وتواصلية وتدبيرية خارج-بيداغوجية، إن شئتم، ذات خصوصية مغربية (بفعل مناخنا السياسي الخاص)، لا يمكن الوقوف على أثرها في عرقلة المشاريع الإصلاحية إلا بمواجهتها في ظل وضعيات وأحداث وقضايا جامعية ملموسة.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة