أي دور للمجلس الوطني للغات والثقافة في تسويق منتَجاتنا الثقافية؟

   د. بلقاسم الجطاري

  تحدثنا في مقالات سابقة عن المهام المُوكَلة إلى المجلس للوطني للغات والثقافة، وحاولنا إثارة الانتباه إلى المسالك العديدة التي يجب أن تطرقها هذه المؤسسة؛ كي تساعد غيرها من المؤسسات والهيئات ذات الصلة على تدبير الشأن الثقافي تدبيرا عقلانيا ورشيدا يمكّن البلد من معالجة اختلالات التدبير الماضية، ويسمح بوضع مخططات مستقبلية تضمن للمغاربة حاجتهم من الأمن الثقافي.

     سنتطرق، من خلال هذه الورقة، إلى قضية متصلة بالكلام المذكور، تتعلق ببحث سُبل تسويق الثقافة المغربية عبر جهات المملكة، وتمكينها من الدعم المادي والتشريعي والاعتباري الذي سيمكّنها من منافسة ثقافات الشعوب المختلفة، وذلك بما يضْمَن للمغرب والمغاربة عائدات مادية وثقافية وقيمية عديدة يمكن أن تسْهم في تعزيز حركيّة التنمية ببلادنا.

     وعلى هذا الأساس، يتعيّن القول إن تسويق الثقافة المغربية في هذا الاتجاه ينبغي أن يتم من منظور مؤسسي ينطلق من خلفيات علمية وسوسيو ثقافية ملائمة؛ أي يلزم مواءمة القيم والتوجهات مع خصوصيات جهات المملكة، مع ما يعنيه ذلك من حرص على تكييف المنتَج الثقافي الجهوي (بمضامينه وحوامله) مع طبيعة الحياة الثقافية الخاصة بهذه الجهات.

    وينبغي التذكير، أيضا، بالصلة البينية القوية القائمة بين مختلِف أشكال التعبير الثقافي؛ إذ تسهل ملاحظة التعالق بين الواردات الاقتصادية الجهوية ولواحقها من أشكال التعبير الثقافي (لغة، لباس، نُظم عيش، أذواق فنية…)، وهو تعالق يجعل كل واحدة منهما (واردات اقتصادية، لواحق ثقافية) في خدمة الأخرى. ولهذا السبب، تحديداً، لا تتورع الجهات المغربية في تخصيص ميزانيات لتشييد المراكز الثقافية، والتشجيع على استهلاك منتَجاتها الثقافية؛ ومن ثم، الدفع باقتصاداتها المحلية إلى الأمام؛ من خلال اقتحام أسواق جديدة…

   نقصد من هذا الكلام أن العناية بالمنتَج الثقافي الوطني، والعمل على تسويقه داخل البلد، عمليتان موضوعتان دائما في سياق مخططات ذات آفاق اقتصادية وقيمية. لذلك، فإن العائدات التي يمكن أن يجنيها المغرب من تسويق منتجه الثقافي الوطني عديدة، ستعود بالفضل – دون شك – على كل المشتغلين بحقول الإنتاج الثقافي المغربي (الصناعة التقليدية بفروعها المتعددة: لباس، أكسسوارات، حلي، الأطعمة ومستلحقاتها، الموسيقى والفنون التقليدية…)، كما سترفع من جاذبية البلد السياحية، ستمكّنه، أيضاً، من ممارسة أشكال المثاقفة على قاعدة ثقافة الابتكار والنِّدِّية.

     غير أن الحديث عن هذه المكاسب المتوقَّعة لا يعني أن تحقيقها وقْفٌ على صيرورة الزمن وموازين القُوى السياسية فقط، بل يعني أن بلوغ الأهداف المرسومة يحتاج إلى تخطيط إستراتيجي يجعل المجلس الوطني للغات والثقافة يشتغل على نحْوٍ عقلاني مكثف؛ بحيث يتم وضع المخططات على شكل رزمامة مترابطة، تتكامل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية… إلخ.

      إنّ ما تتيحه الثقافة، في هذا المجال، ليس فائضاً عن الحاجات الأساسية الفاعلة في شأن العلاقات المجتمعية، بل هي جزء لا يتجزأ من هذه الحاجات؛ نعني هنا أن الرهان على الثقافة، لتجويد العلاقات المجتمعية، رهان معقول تبرره قوة العامل الروحي والنفسي، الذي تنبني على أساسه، ومن خلاله، العديد من التعبيرات الثقافية.

     ختاما، لا بأس من التأكيد على الحاجة المُلِحّة إلى تدبير الثقافة المغربية تدبيرا عقلانيا، تحْكُمه الغايات والمقاصد الاستراتيجية في رحاب المجلس الوطني للغات والثقافة، كمؤسسة قوية ينأى العاملون تحت لوائها عن الخضوع للتجاذبات السياسية ذات الطابع الظرفي والطارئ. ولا بأس من التذكير، أيضاً، بالطابع الاستعجالي لمسألة التسويق التي نثيرها عبر هذا المقال؛ لأن البلد يفقد، مع انصرام الزمن، فُرصا حقيقية لتدارك البَوْن الشاسع الذي تتجاوزنا به الدول الغربية في هذا المضمار، ولأن كل تباطؤ في الأمر سيؤدي بنا إلى مزيد من الخسائر، مادية وقيمية…

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة