الجامعة فضاء لتحصين الهوية وتعزيزِ قيمِ المواطنة

بقلم بلقاسم الجطاري 

لا تقاس جودة الأداء الجامعي، حصرا، بجودة العروض التكوينية التي تقدمها المؤسسات الجامعية، ولا يتم اختزال المهام التأهيلية الموكلة لهذه المؤسسات في جملة مخرجات مهارية ومعرفية مرتبطة بحاجيات سوق الشغل. إن هذه الغايات لازمة لكنها غير كافية، فأن تنجح الجامعة في تكوين خريجيها وتمهيرهم بما يتلاءم مع مستلزمات الحياة السوسيومهنية لا يعني أنها نجحت في تحقيق المرامي التي أنشِئَت من أجلها، ولا أنها بلغت غايتها في تمكين طلبتها من الزاد المطلوب لمواجهة مشاق الحياة المختلفة، ولكنه يعني أنها قد توفقت في تزويدهم بكفايات قصوى موصولة إلى مضمار الاندماج في سوق العمل والانخراط في حلبة التنافس المهني.

مقياس جودة الأداء، إذاً، مفتوح على مؤشرات أخرى ذات أهمية، وعلى رأسها نجاعة المؤسسة الجامعية في تمكين خريجيها من الكفايات القيمية والروحية والسوسيوثقافية التي ينبني على أساسها عقد المواطنة وطموح الإسهام الحضاري للأمة. وعلى هذا الأساس لا بد أن تنبري الجامعات إلى إيلاء هذا الجانب كثيرا من الرعاية والاهتمام، طمعا في ملامسة الاحتياجات المركبة للفرد والمجتمع، ووضعها في سكة النهضة الإنسانية الشاملة.

وفي هذا السياق تحديدا، على الجامعة المغربية تنظيم الأسابيع الثقافية، في سياق توسيع قياس الجودة المنشود، وجعل النشاط الطلابي في دائرة المرامي الحضارية والإنسانية الكبرى التي تراهن عليها الدولة المغربية، بوصفها قوة إقليمية صاعدة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

تراهن هذه الأسابيع الثقافية على وضع طلبة المؤسسات الجامعية في قلب عمليات المبادرة والإبداع، وذلك بتمكينهم من فضاء ملائم لاستعراض مواهبهم واحتضان إبداعاتهم المختلفة ووضعهم في محك التباري والتنافس الذي يهدف إلى تكريس قيم التواصل والحوار والإبداعية، وتعزيز سلوكيات المواطنة الإيجابية. تفتح هذه الأسابيع الثقافية أمام طلبة الجامعة المساهمة بكل صيغ الإبداع، ومختلف أشكال الخلق والتعبير والتدبير، شريطة الالتزام بشعار: الجامعة فضاء لتحصين الهوية وتعزيزِ قيمِ المواطنة. وعليه، فإن طلبة الجامعة مدعوون للمشاركة في تنزيل مضمون الشعار المذكور،باستحضار العمق التاريخي للمجتمع المغربي، والكشف عن أمارات الحضور الحضاري للسلف في بناء صرح الحضارة الإنسانية، وتتبع مستويات التحضر وحركية التمدن والتمدين. وبالاشتغال في راهن التنمية بالبلد، سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي أم على المستوى الثقافي، وتسليط الضوء على ما يدين به المغرب الحديث من مكارم حضارية وأفضال إنسانية. وبالمشاركة في اقتراح مخططات النهضة وملاءمتها لحاجيات المستقبل، وذلك على المستويات التعليمية والبحثية المختلفة.

الفضاء مفتوح أمام طلبة المؤسسات الجامعية للمساهمة بمختلف صيغ النشاط الطلابي (ملتقيات إبداعية، ندوات، مسابقات.)، واتخاذ الفنون والأجناس المختلفة مطايا للتعبير والإبداع (مقالة، شعر، قصة، سينما، مسرح، تعبير جسدي، نحت، موسيقى، رسم وتشكيل..)، مع اعتماد الحوامل والأسناد الكلاسيكية والمستجدة (السند الشفوي، الورقي، الإلكتروني، السمعي- البصري..). وتفصيلا فإن الطلبة مدعوون لاستلهام مواضيعهم من المقومات الحضارية والاجتماعية للمجتمع المغربي.

وعلاوة على ما سبق فإن طلبة الجامعة مدعوون، أيضا، للانخراط، بإرادة وحماس، في كل الأنشطة الإشعاعية والتعبيرية التي تحتضنها الجامعات المغربية، والإقبال المكثف على ما سيجري من منتديات وتجمعات فنية وثقافية، والمساهمة في خلق المناخ الطلابي الكفيل بترقية المؤسسة الجامعية.

 أستاذ التعليم العالي / جامعة محمد الأول  وجدة

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق