قسم تدبير الموارد البشرية بجماعة وجدة يكرم موظفيه المتقاعدين

أحمد الجبلي

لقد توقف الزمن في الساعة الثانية زوالا حتى يتسنى للقلوب أن تأخذ وقتها الكافي  لتطيل المكوث في حضرة الأصدقاء الذين دقت ساعة تقاعدهم، وبعد لحظات سيغيبون عن العين، وستبقى أمكنتهم فارغة معلنة عن ألم مبحوح وغصة حارقة تكشف عن سر الوجود القائل: “اعمل مع من شئت فإنك مفارقه”.

فما دام الفراق حاصلا، لا محالة، فليكن إذن هذا الغذاء الأخير معلنا عن ميلاد لحظة تاريخية خالدة لا تغيب، وهنيهة تؤرشف لنفسها في عمق الذاكرة حتى تبقى وتستمر متأنقة زاخرة بأحلى ما انطبع في المخيلة من أحداث وأعمال وكلام لا يغيب عن البال.

الكل يريد لهذه اللحظة أن تطول، ولهذه الأجواء أن تستمر، ولهذه الآونة أن تعلن عن بداية جديدة في كنف هؤلاء الرفاق مكتبا قرب مكتب وكرسي بجوار كرسي فيستمر تبادل الحديث إبداعا في إنجاز الواجب، وتأثيثا لأستراتيجيات كفيلة بأن تكون القالب الأمثل الذي يعبر عن هذه الإدارة.

إذن هو حفل، كما تؤشر عليه كل هذه الإبداعات والمقدمات والتهييئات، وإن كان حفلا بطعم الفراق ونكهة الألم والدموع المقموعة. وبما أنه كذلك فليكن طويلا مديدا، وفرصة وجب اقتناصها لسرقة الوقت من أجل صرفه في رحاب الأصدقاء..

إننا في يوم الأربعاء، منتصف شهر يناير لسنة 2020، وفي مكان يرتفع عن الأرض بخمسة طوابق حيث يستقر قسم تدبير الموارد البشرية بكل أجنحته المترامية في مساحة هذه الأرضية، ولقد أبى موظفوه إلا أن يجعلوا من قسمهم مكان تنظيم الحفل بعيدا عن قاعات الحفلات والمحاضرات والندوات لأن للمكان رمزيته ودلالته، حيث يجمع بين تاريخ العطاء الذي رسمه هؤلاء الأشاوس من منصة هذه الإدارة  بأعمالهم الجبارة وبين لحظة التتويج والتكريم لهؤلاء الرجال. إنه تقليد محمود دأب عليه هذا القسم اعترافا منه لأبنائه البررة الذين قدموا الغالي والنفيس خدمة لإخوانهم الموظفين وللمواطنين من أبناء هذا الوطن.

إنها لحظة الوفاء بالعهد، وهو عهد صادق تم  تنزيله مع السابق، والآن هو أوان اللاحق، وفي عمق هذا العهد يتم الآن الاستمتاع بهذا الظرف، والتقدم نحو المنصة من أجل التعبير عن ما اختلج في الأفئدة من لواعج ومشاعر وخواطر بعضها يفطر القلوب، وبعضها يمتع النفس ويسليها لأنه يتضمن لقطات طريفة من الزمن الجميل يوم كان هؤلاء الأبطال شبابا يضخون دماء الحيوية والنشاط في إدارتهم وأقسامهم ومصالحهم.

لقد جحظت الأعين، واشرأبت الأعناق متطلعة للكلمة الافتتاحية التي سيلقيها الأستاذ محمد الرحالي رئيس مصلحة الأطر العليا، فماذا عساه يقول؟ ومن أي بئر سيستقي كلماته في لحظة كهاته؟ وكيف سيجد انسجاما بين فكيه ولسانه حتى تخرج الكلمات سلسة دون لجلجة أو تلعثم؟ ما أصعب الموقف !!

بكل قوة وجلد، انطلق بفصاحة كفصاحة كالمتنبي وبيان كبيان أبي تمام، تخرج الحروف من فيه كأنها اللؤلؤ يعبر بها عن شكره وامتنانه لكل من حضر هذا الحفل على اعتبار أن مجرد الحضور هو قيمة مضافة تسهم في إنجاح هذا التكريم تكريم مجموعة من الموظفين الذين اشتغلوا في هذا القسم لمدة من الزمن على رأسهم الأخ بيطاري فؤاد متصرف من الدرجة الأولى، عبد القادر بوصلعة متصرف ممتاز، والأخ يحياوي الميلود متصرف ممتاز. كما اعتبر بأن  تكريم هؤلاء الأطر والأعمدة الإدارية هو اعتراف بحسن صنيعهم وخدماتهم وتعبير عن التضامن والتآزر فيما بين الموظفين، ولم يفته أن يشير إلى أن استوداع هؤلاء الإخوة سيكون استوداعا من أسلاك الإدارة فحسب ولن يتم استوداعهم بالقلوب  لأنهم باقون كرموز تُستلهم منهم  روح التضحية والمثابرة والتحلي بالأخلاق الحميدة والسجايا الطيبة التي كانوا يتميزون بها.

أما الأستاذ خالد كحلاوي فبدوره كرئيس قسم الموظفين والموارد البشرية قد وجد الطريق سالكا ليعيد شكر كل الذين ساهموا في إنجاح هذا الحفل المتميز معتبرا هذه الإسهامات المختلفة التي أتت من مختلف الأقسام والمصالح دليلا على أن هؤلاء المكرمين كانوا محطة إجماع يحضون بكل الحب والتقدير لما ميزهم من طباع وأخلاق، ولما قدموه من خدمات جليلة لإدارتهم ووطنهم، وهو الشيء الذي جعل الأستاذ كحلاوي يجزم بأن من الصعب أن يتكرر مثل هؤلاء في هذه الإدارة أو غيرها. كما لم يفته بأن يبلغ أمانة الإخبار حيث اتصل به رئيس مجلس الجماعة طالبا إياه أن يبلغ سلامه وتحياته وشكره لكل الإخوة الحاضرين في هذا التكريم بشكل عام، والإخوة المكرمين بشكل خاص على ما قدموه لإدارتهم من أعمال وأسدوه من خدمات.

وفي كلمته اعتبر الأستاذ نور الدين هريشي هذا التكريم  قد استهدف ثلاثة أعمدة أساسية للإدارة بجماعة وجدة، مشيدا بهم وبالأعمال الكبيرة التي قاموا بها رفعة لهذه الإدارة وإسهاما في تقدمها وازدهارها، الأمر الذي جعلهم صفوة حق لكل موظف جماعي أن يعتز ويفتخر بوجود أمثال هؤلاء في إدارته.

أما الأستاذ عبد العزيز برحيلي فقد تحدث كموظف بالقسم وكمسؤول تنظيمي لهذا الحفل، ولذلك جعل حديثه ينصب على مثل هذه التكريمات التي أصبحت سنة دأب عليها القسم كلما أدرك بعض موظفيه سن التقاعد، وقد رجا أن يكون كل تكريم  بداية لمشوار جديد يملأه التزاور والتواصل تماما كما فعل العديد من المتقاعدين السابقين الذين هم حاضرون في هذا الحفل من أمثال السي المختاري والسي الكرفاتي والسي الشارف وغيرهم.

وفي كلمتها عبرت الأستاذة أمينة نائبة رئيس قسم الأطر العليا عن كامل امتنانها وشكرها لكل الزملاء المتقاعدين ذاكرة ومشيدة بخصال وقدرات وعطاء كل واحد منهم على حدة ذاكرة للعديد من الصفات التي جعلتهم قدوة للموظفين.

وفي رد جميل أجمع الإخوة المتقاعدون على كلمة واحدة تلاها الأستاذ الدكتور عبد القادر بوصلعة عبروا فيها عن مدى امتنانهم وشكرهم ليس على هذه المبادرة الحسنة وهذا الحفل التكريمي الرائع الذي من خلاله عبر موظفو قسم الموارد البشرية عن حبهم وعطفهم البالغين فحسب، وإنما كذلك عن كل المدة الزمنية التي قضوها بهذه الإدارة بحلوها ومرها والتي كانت مفعمة بالأخوة والمحبة الصادقة، ومشحونة بمد يد العون في إنجاز المهام والأعمال، ولولا اجتهاد جميع الإخوة لما بلغ أي واحد من هؤلاء المتقاعدين ما بلغ من شأن وعلو كعب.

إنني كضيف في هذا الحفل المتميز، أستطيع أن أقول بأن ما جعله حفلا متفردا و نادرا ما يتكرر مثله هو كونه حفلا استهدف بالتكريم والتقدير والاعتراف أطرا عليا تفردت بكونها قامات عالية وطاقات جبارة نادرا ما يجود الزمان بمثلها، إن الألسن لتخرص حين تشتهي الحديث عن هؤلاء، وإن النهى لتجد نفسها عاجزة إن هي أرادت أن تتحدث عن عطاءات وخدمات هذه الصفوة، وإن علم الرياضيات ليعجز حين يراوده عد وإحصاء مزايا وسجايا وخلال هذه النخبة الإدارية التي بتقاعدها وجب على الإدارة أن تنكس أعلامها، وفي نفس الوقت عليها أن تبذل الغالي والنفيس لتكوين بديل عساه يقدم ولو نزرا قليلا مما قدمه هؤلاء.

إن الحديث عن الدكتور عبد القادر بوصلعة هو حديث عن رجل راكم خبرة أزيد من أربعين سنة كلها عطاء وإبداع وتأسيس وصناعة لأنموذج إداري حق له أن يدرس في المدارس والجامعات، إن الرجل لم يترك ملحقة إدارية ولا مصلحة ولا قسما إلا وله فيه بصمة وأثر، فمن رئاسة قسم الشؤون القانونية، إلى رئاسة قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، إلى رئاسة كتابة بعض المجالس، مرورا برئاسة قسم الممتلكات والمنازعات، فضلا عن كونه أول من سعى إلى تنظيم الشؤون الاجتماعية للموظفين بجماعة وجدة إذ عمل على تأسيس أول جمعية اجتماعية تعنى بشؤون الأعوان والموظفين وهي ودادية الوفاق لموظفي وأعوان جماعة وادي الناشف سيدي معافة، وانتهاء بتكليفه بمهمة المنازعات القانونية في قسم تدبير الموارد البشرية والتي كما يقول الأستاذ محمد الرحالي قد أداها كمهمة على أحسن ما يرام، وهو نفس الأمر الذي ذكره الأستاذ خالد كحلاوي في كلمته إذ أشاد بنجاعته في تعاطيه مع ملف المنازعات إذ عمل على معالجة العديد من المشاكل التي عانى منها قسم الموارد البشرية وذلك بشهادة المحامين والمدير العام للمصالح ورئيس مجلس الجماعة. وكما قال الأستاذ نور الدين لهريشي: “إن الأخ عبد القادر بوصلعة موظف ملتزم في عمله وصادق في سعيه”.

أما الحديث عن الأستاذ الميلود يحياوي فيكفي هذه الجماعة فخرا به أنه قضى أزيد من ست وثلاثين سنة في مناصب التسيير الإداري وتدبير شؤون الموظفين، إذ اعتلى الكتابة العامة للعديد من البلديات سواء تعلق الأمر ببلدية القنيطرة الهرهورة خارج مدينة وجدة، أو تعلق الأمر بكل من بلدية سيدي إدريس، و بلدية سيدي يحيى، كما اشتغل رئيسا لمصلحة التفتيش والمراقبة، وإن ما يميز الرجل هو دقته الإدارية وضبطه لآلياتهاّ، وقد شاع في صفوف الموظفين حنكته في التسيير وخبرته في إدارة الموارد البشرية وحسن سياستها.  

أما عن الحاج فؤاد بيطاري فيبدو أن ما سمعناه من شهادات في حقه من طرف زملائه من موظفي قسم تدبير الموارد البشرية قد جعلنا نبصم على كل كلمة قالها في حقه رئيس قسم تدبير الموارد البشرية الأستاذ خالد كحلاوي، وهو من هو في الإدارة والتسيير، إذ اعتبره أستاذا له تتلمذ على يديه في تلقي آليات الإدارة وحسن تدبير شؤونها، وهو نفس الشيء الذي لا يجانبه ما ذكره عنه كل من الأستاذ محمد الرحالي ونائبته الأستاذة أمينة.

إن كل هذه الهدايا التي تم تقديمها لهؤلاء الأبطال وهذا الغذاء الذي قدم على شرفهم وهذه الحفلة الماتعة بكل ما فيها من جزئيات، كل ذلك إنما هو مجرد التفاتة أخوية رمزية بحكم العشرة الإدارية والعمل جنبا إلى جنب، تدل على الاعتراف بكل ما قدمه هؤلاء لإدارتهم ووطنهم، كما تعبر عن المحبة الصادقة والأخوة المتينة التي جمعتهم على أرضية عمل جاد بناء يروم خدمة هذه الإدارة، وإلا فلا أعتقد أن جزاء، كيفما كان هذا الجزاء، يستطيع أن يكفي ليزن ما يستحقه هؤلاء العمالقة.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة