فن رخيص

نورالدين زاوش  

ليس هناك ما يرفع من شأن أمة ويُعلي من قدْرها مثلما يفعل الفن النبيل، سواء كان صورة جامدة، أو أغنية راقية، أو فيلما سينمائيا متحضرا، فهو ليس فقط أمين على نقل الاعوجاج الذي ينخر أركان المجتمع ويُبدد أوصاله، أو واقف متفرج على ثغراته وواصف لانحرافاته، بل هو أيضا طرف حاسم في صيرورة إصلاحه، ومكون أساسي في سموه وتهذيبه.

 إلا أن الطامة الكبرى و المصيبة العظمى حينما يعود هذا الفن كارثة إضافية لما يقع في المجتمع من كوارث، فيتحول، في لحظة من اللحظات، إلى مِعول هدم بدل أن يكون أداة بناء، ووسيلة تفرقة بدل أن يكون آلية من آليات الوحدة والتفاهم، فيصبحَ بذلك عبئا إضافيا وتكلفة مجانية وجب على المجتمع أن يدفع ثمنها.

إن ما قام به ثلاثة أشخاص من نشر “أغنية” تجردت من كل القيم، وتنصّلت من جميع المبادئ والأعراف، وتخطت جميع مفاهيم حرية التعبير، وأخرجت دور الفن عن سياقه المفروض فيه نشر قيم الحب والتسامح والرحمة والانفتاح لا يمكن أن يمر دونما استنكار وتنديد وتَبَرُّؤ، خصوصا وأن أصحاب هذه “الأغنية” يدّعون بأنهم يتحدثون باسم الشعب، وكأن هذا الشعب أبله لم يجد إلا مخبولين ليفوضهم للحديث باسمه.

من المحال أن يتحدث الشعب بلسان ساقط مليء بالوضاعة والصفاقة والخسة، ومحال أن ينهل من قاموس يطفح بالكراهية ونشر الحقد والفتن، والأكثر من ذلك كله، محال أن يدنو من مقدساته فيمسها بسوء، وهو الذي طالما آمن بها وقاتل من أجلها، ليقينه في أن هذه المقدسات كانت دوما، وما تزال، صمام أمان يجمع المغاربة قاطبة على قلب رجل واحد، حتى لا يكونوا كالذين تنازعوا ففشلوا وذهبت ريحهم.

حيثما ولّيتَ وجهك إلا ووجدتَ البلدان العربية تئن تحت وطأة الفتن، وحيثما نظرتَ إلا ولمحتَ المواجع التي لا تتوقف، والحروب التي لا ترحم، والمآسي التي تُبكي العين وتدمي القلب، ولن يلومنا بعد هذا أحد، إذا كنا قد عقدنا العزم على أن ما ننعم به من أمْن وأمان لن نزهد فيه، وسوف نعض عليه بالنواجذ حتى آخر رمق، ولن ينال من عزمنا أو يكسر شوكتنا أشخاص لا نصيب لهم من العلم والوعي والأخلاق، لجؤوا إلى لغة الشارع من أجل أن يستميلوا من هم على شاكلتهم، إلا أنه من سوء حظهم، فقد لفظهم الشعب مثلما لفظ من كان قبلهم.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة