الصحة المغربية في ظل مسلسل ” The good Doctor”

أحمد الجبلي

سوف لا أتحدث عن أي طبيب، بل سأتحدث عن طبيب خاص نموذجي قدمه مسلسل أمريكي تحت عنوان: “The good Doctor”، وهو مسلسل لقي استحسانا كبيرا من طرف النقاد والجمهور على السواء، وذلك لما قدمه من دروس عملية مدهشة في الإنسانية وحب المهنة والتفاني والاتقان والهوس بشفاء المرضى.

تدور أحداث الفيلم، في الأصل، حول شاب توحدي “الدكتور شون مورفي” الذي يلتحق بأحسن مستشفى في أمريكا بمدينة كاليفورنيا، ليعيش تحديات كبيرة على مستوى إبراز قدراته كطبيب جراح كي يحافظ على منصبه ويستمر كطبيب مقيم، وعلى مستوى التواصل مع الناس بما فيهم الأطباء والممرضين والإدارة وبالأخص مع المرضى وأهاليهم.

فالشاب شون مورفي كتوحدي يتميز فضلا عن كونه يمتلك ذكاء مكانيا حادا، وموهبة في قراءة وتشخيص الأمراض، فهو يتميز كذلك بسلوكات توحدية غريبة، إذ يصعب على من يعاشره أن يستمر في عشرته والعيش أو العمل معه، وذلك لأنه سيحتاج إلى صبر وتحمل ومهلة لا بأس بها كي يستوعب الطريقة التي يتصرف بها كتوحدي مثل تلقائيته وعدم تصنعه، وصراحته التي تكون أحيانا جارحة، وجرأته التي تتجاوز كل الحدود، حيث لا يعرف شيئا عما يقال وعما لا يقال أو ما يقدم أو يؤخر، كأنه يفكر بصوت مرتفع ومباشر دون خداع أو نفاق أو قناع. ورغم ذلك فالمسلسل في شكل اطرادي يتابع الكيفية التي يجب أن يُتعامل بها مع التوحديين، كرسالة للمجتمع أو العائلات التي خلق أحد أفرادها توحديا، كما يبرز جميع التحولات التي تطرأ على الطبيب التوحدي شون في سياقات مجتمعية حوارية وأحداث سواء أثناء العمل أو خارجه والتي جعلته يعرف تحولا مهما ساهم في إبراز قدراته التواصلية والمهنية كجراح.

المسلسل مشحون بالأحداث، إذ في كل حلقة يتم تقديم ثلاث أو أربع حالات من المرضى وكل حالة إلا وتمثل موضوعا عريضا يدور حوله نقاش يرتبط بما هو طبي بالدرجة الأولى ولكن يتعداه أحيانا إلى ما هو اجتماعي وثقافي وحتى إلى ما هو سياسي وديني. من ذلك مثلا موضوع ختان البنات، التحول الجنسي، الخيانة الزوجية، التلقيح، التجميل… أهمية الابتسامة في الحياة حيث الذي لا يبتسم يستحق أن تجرى له عملية حتى يجد مكانه بين الناس، وفي موضوع اغتصاب الأطفال يدور نقاش واسع طبي وقانوني واجتماعي بين أن يعمل الأطباء على إخصاء المغتصب حماية للأطفال ونزولا عند رغبة المغتصب لأنه يأتي الفاحشة وهو لها كاره، وبين الجانب القانوني والطبي الذي ينظر للمريض كمريض دون الاهتمام بالسلوك والأخلاق والمسؤوليات الفردية والجماعية وما يترتب عن ذلك من أضرار قد تصيب الناس الأبرياء، لينتصر الجانب القانوني والطبي في الأخير، ولكن رغم ذلك ورغم اجتناب الإخصاء، ينتحر المغتصب وكأنه يرى أن القانون يجب أن يقوم بحماية الأطفال أولا ولا يعبأ بحياة المجرمين أمثاله.

وفي موضوع الإرهاب وعلاقته بالمسلمين يبرئ المسلسل المسلمين من الإرهاب.

إذن في خضم تتبع مسار حياة الدكتور الشاب التوحدي تعرض قضايا وحالات تستدعي حراكا فكريا ممتعا ينتهي غالبا بتغليب الجانب الإنساني ومراعاة الظروف المهنية والمجتمعية الراهنة أو المستقبلية للمريض كما وقع للشابة الهندية التي تم ختانها من طرف جدتها وعمرها عامان.

إن مسلسل “الطبيب الجيد” يكشف أمورا يكاد يكون من المستحيل أن تحدث في دول العالم الثالث المتخلف، فعلى مستوى التجهيزات فلا وجود للأوراق، أي كما يقول اليابانيون “صفر ورق”، فجميع التجهيزات الكترونية متطورة، والمعلومة يتم نقلها في طابليت تبرز التشخيصات تماما كما تم فحصها بالفحص الرنيني أو التصوير الدماغي أو الفحص المغناطيسي. كما أن جل المرضى يمكن أن تجرى لهم العملية الجراحية فور دخولهم المستشفى لأن المرافق في سيارة الإسعاف يقدم تقريرا بمجرد وصوله، وذلك لأن سيارة الإسعاف مجهزة بأحسن التجهيزات يشرف عليها طبيب متخصص في الإسعافات الأولية، وفي حالة عدم استيفاء التقرير لعملية التشخيص الجيد يعرض المريض فورا على الجهاز الأنسب للتشخيص، كما أنه إذا كان في حاجة إلى تحاليل تجرى بسرعة فائقة لأن تمة جناحا خاصا به مختبر يقوم بجميع التحاليل التي يطلبها الأطباء. ولا يطلب من المريض أن يقوم بنفسه بهذه التحاليل في أمكنة أخرى وإلا كان قد مات وانتهى أجله كما يقع عندنا.

أما على مستوى التواصل فالأطباء يناقشون مع المريض كل كبيرة وصغيرة تتعلق بمرضه، ولا يمكن أن يتصرف الأطباء دون إذن منه، وفي جل الحالات يتم استدعاء الأهل من أجل إشراكهم في قرار العملية التي يزمع أن تجرى لابنهم. كما يمكن في حالات استدعاء القاضي أو المسؤول الاجتماعي عندما يتم التعامل مع أطفال قاصرين تختلف رغبتهم مع رغبة دويهم، أو قضايا طبية للقانون فيها رأي ونصيب.

إن المشاهد لهذا المسلسل سيؤلمه بشدة الحالة الصحية للصحة عندنا، أي الصحة عندنا تحتضر، أدخلت الإنعاش ولم تنتعش، فالمريض مسكين قد تجرى له أشياء غريبة دون علمه، هذا في حالة لم تسرق أجزاؤه وتباع في السوق السوداء كما وقع لبعض المغاربة. فكثير من الناس مات آباؤهم ماتت أمهاتهم وهم لحد الآن لا يعلمون سبب موتهم، وأنا وأهلي طرف من هؤلاء، لقد توفيت والدتي بمستشفى السويسي بالرباط وظللت هناك معها لأزيد من شهر ولا أحد كلمني ولا استشارني ولا أخبرني بشيء يخص والدتي، فتوفاها الله تعالى في فاتح مارس 1991 ولحد الآن لم يخبرنا أحد بسبب وفاتها.

فالمستشفى يوظف أمهر الأطباء الجراحين، ورغم ذلك تأتي لجنة طبية دورية تقوم بفحص كل الأعمال التي يقومون بها، يحصون عليهم كل شيء حتى الجرعات التي يناولونها لمرضاهم، وفي حالة وجود أدنى خطأ قد يتعرض الطبيب للطرد، كما قد يتعرض المستشفى كله للإغلاق، دون الأخذ بعين الاعتبار الأموال الطائلة التي تنفق فيه ولا لعدد الموظفين والأسر التي تعمل فيه، وذلك لأن حياة الإنسان هي الأغلى والأولى والقياس.

أنا فقط أتمنى لو يشاهد هذا المسلسل، وإن كنت أعتبره فيلما خياليا مقارنة مع الصحة عندنا وفي دول شبيهة بنا، كل الأطباء المغاربة لعلهم يتعلمون كيف يحترمون الإنسان لأنه إنسان، ولعلهم يتحملون مسؤولياتهم في جعل المريض همهم الأساسي وأن علاجه مهمة مقدسة سيسألون عنها أمام الله قبل أن تكون مجرد مهمة يفرضها قسم أبقراط.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة