الفقر وثقافة الإهانة

محمد زغودي

اعتبر التمثل الاجتماعي الفقر آفة اجتماعية تتواجد بشكل عادي في كل مكان وكل زمان وقد فرضت هذه الآفة على الفقير العيش في ظروف جد صعبة بحيث يجد الفقير نفسه مجبرا على حرمان نفسه وكل أفراد عائلته من أبسط شروط العيش الكريم من سكن ، تمدرس، تطبيب، نقل وتغذية في ما يظل الترفيه بالنسبة لغالبية الفقراء من سابع المستحيلات، لذا قيل كاد الفقر أن يكون كفرا .

لكن ورغم كل هذا الحرمان وما ترتب عنه من صعوبات جعلت الفقير يعيش معذبا،  استطاع هذا الأخير أن يتكيف مع الأوضاع المادية المزرية التي يعيشها عن مضض بفضل الوازع الديني الذي جعله يقتنع بأن الفقر قضاء وقدر وبأن بعد العسر يسرا .

هذه القناعة مكنته من الحفاظ على التوازن النفسي ومنحته بصيصا من الأمل وبعض التفاؤل في أن الغد سيكون أفضل قناعة ستتقوى كذلك بفضل القيم الأخلاقية ، وبالفعل سنحت ثقافة التآزر، التضامن والتكافل، البر ، الخير والإحسان، الشفقة والرحمة، الأخوة ، المودة والمحبة من تمتيعه بمناعة ضد جميع أشكال الإنحراف.

لكن ، هذه الروح الإيجابية التي تحلى بها الفقير والتي منحته الصبر والسلوان ومناعة قوية لمقاومة الإنحراف بكل أشكاله تلاشت بشكل لم يعد الفقير يشعر بأي إرتياح .

ويبقى السبب الرئيسي في إنهيار هذا الجدار الواقي تحول التمثل الإجتماعي للفقر من آفة إجتماعية إلى وصمة عار على جبين فقراء تلاحقهم أينما حلوا وارتحلوا ، وبالتالي أصبح الفقير ينعت بأبشع وأشنع الصفات القبيحة لدرجة سار المجتمع ينفر منه يبغضه ويكرهه بل أكثر من كل هذا ، بزوغ الأخلاقيات البورجوازية سنحت بإستغلال الفقير وعبوديته والعمل على إهانته وإذلاله  وإحتقاره علاوة على وصفه بالعبئ الثقيل على المجتمع وتوجيه أصبع الإتهام  إليه كسبب رئيسي ومسؤول أول عن تخلف البلاد .

ولحماية نفسه من ثقافة الإهانة التي شاعت داخل مختلف الأوساط لجأ الفقير إلى عدة سلوكات وقائية وأساليب إحتمائية .

فقراء فضلوا تسليم أمرهم إلى الله وخصصوا معظم أوقاتهم للعبادة بعضهم لدرجة الزهد ، في ما جزت رياح الجريمة بآخرين إلى إستعمال العنف بجميع أنواعه ضد جميع فئات المجتمع وإن إقتضى الأمر الإعتداء على ضحايا وممتلكات الوطن .

فئة أخرى من الفقراء تنازلت عن كرامتها وكبريائها ولم تعد تولي أي إهتمام للقيم لدرجة سمح البعض لنفسه ببيع شرفه بأبخس الأثمان مبررا سلوكه المقرف بمقولة الغاية تبرر الوسيلة، وللإحتماء من تبعات ثقافة الإهانة رمى فقراء أنفسهم في عالم الحمق في ما وضع آخرون قطيعة تامة مع هذا العالم فانتحروا .

ثلة قليلة لجأت إلى الإغتناء بالعلم والثقافة لفرض بقائها داخل المجتمع وتحقيق وجودها دون تعرضها للإهانة والظلم . الخاسر الأكبر هو الوطن لأننا بصدد هدر أثمن وأغلى ثروة وهبها لنا الله ونعني بها العنصر البشري الرافد الأساسي لكل مشروع تنمية .

لذا وجب على المواطنين النافذين والمواطنين العاديين إحترام الفقير وإيلائه كل الإهتمام لتمكينه من ظروف عيش كريمة (تعليم، تكوين، تأهيل، صحة سكن ونقل ) ، هذا التوجه سيرتقي بالمغرب إلى مصاف الدول القوية ، الحداثية والديمقراطية .

 

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق