وجدة: إفطار جماعي ل600 يتيم

أحمد الجبلي

تحت شعار “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة” نظمت جمعية عطاء رفقة ثلة من جمعيات المدينة النسخة الثالثة، من الإفطار الجماعي الكبير الخاص ب 600 يتيم، إذ  وقف جنود أقوياء من مختلف الجمعيات الحاضنة للأيتام، سلاحهم الوحيد حب اليتيم وكفالته بطموح تجاوز الحدود..طموح نحو تنزيل ملتقى إيماني رمضاني بنفحات نورانية، مهما كلف الأمر من ثمن، وفي ظل كل المشاق والمسالك الوعرة، وحرارة الشمس الحارقة، برنامج استطاع أن يجمع جمعيات صديقة في بوثقة واحدة نحو التميز والإبداع وإعطاء الصورة المشرفة لما يمكن أن تقدمه الجمعيات عندما تجتمع على قلب رجل واحد لتكون أنموذجا يحتدى به، ومثلا أعلى يقتدى به من طرف كل أطياف المجتمع المدني على امتداد التراب الوطني الشاسع. إنه ثالث ملتقى إيماني رمضاني تقوم الجمعية بتنظيمه في السابع عشرة من رمضان 1440، وكأنها إصابة من زاوية مستحيلة أملتها الرغبة في جمع اليتيم بكافله وفي حضرة أمه وأصدقائه على أرضية برنامج يتنوع بين التنشيط والفكاهة والضحك، والكلمة الطيبة، والعروض المسرحية الهادفة التي تستهدف هذا اليتيم فتعمل على تثقيفه وتكوينه والرفع من منسوب الوعي لديه في مختلف القضايا التي يعاني منها المجتمع والأسرة معا.

ووقع الحدث، الحدث الملتقى، الحدث الإفطار، الذي جمع الجمعيات الصديقة لليتيم حتى تصل الرحم فيما بينها وتتعاون من أجل أفق واعد تكون فيه مصلحة اليتيم هي المناط والهدف، يقول أحد الحاضرين ممن حضروه، ويقول آخر إنه ملتقى إيماني رباني لم يُفرح اليتيم وحده بل أدخل البهجة والسرور في كل من حضره وفي أسر وأبناء هذا الحي حي إيزيريس الذين كان لهم شرف تنظيم الحدث الهام في أرضهم وبملعب من ملاعب القرب التابعة لهم، إفطار جعلني أستيقظ من سبات عميق دام لسنوات يقول آخر، ملتقى عرفني على نفسي من أكون  كمسلم إذ أدركت واجبي تجاه ديني لأن تعظيم شعيرة الصيام بهذا الشكل الجماعي زاده تعظيما في نفسي (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) كما جعلني أغبط كل هؤلاء الذين التفوا حول اليتيم ليشعروه بأن له أسرة وأحبابا وأنه ذو قيمة وشأن مثله مثل باقي أفراد المجتمع، بل حتى الذين لهم آباء لا يحضون، عادة، باحتفاء مثل هذا الاحتفاء الكبير في شهر عظيم. لقدعلمت الآن بأن الخير باق في هذه الأمة وأنه لا ينقطع إلى يوم الدين، وذلك بوجود مثل هاته الجمعيات الفاعلة التي تشتغل بالليل والنهار فقط لتدخل الفرحة في قلب يتيم أو ترسم البسمة على محياه، يقول ثالث ورابع وخامس.

إننا هنا بحي إيزيريس المحاذي لحي السلام حيث مقر جمعية عطاء، إذ تَشَرَّفَ ملعب القرب المقابل لمسجد طيبة باحتضان هذا الإفطار الجماعي، بتنظيم فاق كل التوقعات، وباحتفاء وكرم زائد كما هو معروف عن أعضاء هذه الجمعية، لقد كانت كلمة رئيس الجمعية الأستاذ عبد الغني لوكيلي والأستاذ بوعبد اللاوي في كلمته نيابة عن مكتب الجمعية، وكذا كلمة الأستاذ الإمام الفقيه محمد الرحماني، كلمات مدوية أنارت السبيل حتى يأخذ كل حاضر، ذكرا أو أنثى، مكانه ويعرف موقفه تجاه القضية، القضية التي تحمل عنوانا واحدا لا غير “اليتيم”. حتى ينطلق العمل ويتسع وتنكشف خارطة الطريق حتى يبدو جليا واضحا ينقل كل يتيم في هذه المدينة من مهمش ومقصي إلى معتنى به، فتتحول حياته من الحرمان والفقر والعوز والحاجة، إلى الشعور بالكرامة والمكانة كإنسان له كل مقومات العيش في هذا المجتمع، يتمدرس، يجد الدواء، يجد الغذاء، يجد الغطاء، يجد اللباس، ويجد الشعور بأنه لا يختلف عن أحد، ويحضى بكل الدعم الذي يدفعه إلى تحقيق الذات والرقي في سلم العلم والمعرفة كما يفعل باقي أقرانه في كل الأسر.

وخلاصة القول من قال: إننا كجمعيات لا نستطيع تنظيم ملتقيات مثل تلك التي نراها  وننبهر بها في الإذاعات وعلى الشاشات في كل بقاع العالم؟ فهاهو هذا الإفطار العظيم أنموذجا قد صنع باحترافية عالية بكل ما تحمل الكلمة من معنى؟ من قال: إننا لا نملك أطرا وفعاليات وجنود وطاقات جبارة في مستوى أن يصنعوا الحدث بكل امتياز؟ ومن قال: إننا – حتى بأقل الإمكانيات- يمكن أن نبني من خشاش الأرض وقصب السواقي قصرا مشيدا مهيبا وجميلا؟ فقط عندما يكون تمة إصرار على الفعل وبإرادة لا تقهر، وعزيمة لا تعرف التراخي أو الذبول، وكذلك كان.

لقد كان هذا الإفطار، بحق، يقول الخبير الجمعوي الأستاذ محمد بربوش أفضل ملتقى جمعوي حضرته في حياتي، إفطارا أحدث إنقلابا في مفاهيمي، لقد اشتغلت في العمل الجمعوي لأزيد من خمس عشرة سنة وكنت أظن نفسي أنني كجمعوي مقتدر ولي ما يكفي من المعلومات والخبرة ما يجعلني قادرا على تنظيم هكذا ملتقى باحترافية وتميز، ولكن تبين لي بعد حضور هذا الملتقى الإفطار الرائع أنني كنت أجهل الكثير عن سر العمل المدني خصوصا في شقه الاجتماعي، فأدركت أن ثمة أمورا كثيرة كان حريا بي أن أعرفها منذ زمن، ولكن شاءت الأقدار أن أعرفها هنا في هذا الإفطار، خلال هذه المبادرة والفكرة التي سجل أصحابها سبقا جهويا وإقليميا باحتضانهم لهذا التجمهر الإيماني المتميز، لقد أصبحت بفضل هذا الإفطار على علم كاف بالعديد من المعطيات المتعلقة بالمشاريع الكبرى أو الملتقيات ذات الطابع الجماهيري الغفير سواء تعلق الأمر باليتيم أو الأرملة أو ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث التضامن والتعاون بين مكونات المشهد الجمعوي يلعب دورا حيويا في إنجاح الأعمال مهما كبرت وعظمت، أو تعلق الأمر بالجانب التنظيمي حيث من المستحيل أن تقوم بخدمة أزيد من 600 يتيم فضلا عن الضيوف المرافقة لهم في سرعة وبداهة وحب وترحاب دون أن تفقد توازنك أو أعصابك أو تتعثر وأنت تشق طريقك بين الطاولات المصفوفة المترامية أو أن تصطدم بالأطفال وهم يمرحون هنا وهناك، أو تعلق الأمر بالقدرة والنفس الطويل في التواصل مع العديد من الهيئات والشركات والإدارات والمحسنين حتى يتسنى تحقيق حدث في حجم هذا المؤتمر الرمضاني الرهيب.

فبالقرآن أقلعت سفينة هذا الإفطار، وبالقرآن رست، حيث انتهت أشغال هذا الملتقى، وأسدل الستار على لوحاته المعبرة وكلماته المتميزة ومرحه الممتع بآيات بينات من الذكر الحكيم، فكان خير الختام  ابتهالات للمولى بالدعاء عسى أن يعيد مثل هذا الملتقى في نسخته الرابعة من رمضان المقبل وجميع الحاضرين في صحة وعافية، والجمعيات المساهمة  أكثر تألقا وإبداعا وأقوى إيمانا بالعمل التضامني الجمعوي، واليتامى أكثر رضا وأكثر فرحا وسرورا، وأكثر قبولا، عسى أن يجمع الله الجميع في الفردوس الأعلى كما جمعهم اليوم في هذا الإفطار الرمضاني الكبير.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة