باحث بريطاني يكتب.. لا تخدعوا أنفسكم.. «الإسلاموفوبيا» التي صنعناها هي السبب وراء هجومي نيوزيلندا

إيتش ايه هيلر

لا تسمح لأحد بخداعك. إذ لا يمكن إسدال الستار على الهجومين اللذين استهدفا مسلمين في نيوزيلندا، أمس الجمعة 15 مارس، بالزعم بأنَّ المشتبه به في تنفيذ الهجوم هو شخص مضطرب أو حالة فردية. فحسبما رأيت، التهديد الذي يمثله الهجومان أخطر بكثير من ذلك، وتقع على عاتقنا جميعاً مسؤولية مواجهته. إذ إن مشاعر الإسلاموفوبيا التي يبدو أنَها الدافع وراء عمليات القتل اليوم، تتجاوز كثيراً مجرد كونها تنبعث من شخصٍ متشدد؛ فهي سلسلة من الأفكار تنتشر عبر دول الغرب، وعلينا مواجهتها الآن.

سيكون هناك ميلٌ لإلصاق صفة الجنون بالمشتبه به، الذي نشر بثاً حياً لنفسه على موقع فيسبوك وهو يُمطر عشرات المسلمين بالنيران أثناء تجمّعهم لأداء صلاة الجمعة. وسيكون من المريح التفكير في أنه كذلك بالفعل؛ وذلك لأنه سيمكننا حينها التخلي عن أي إقرارٍ بأنَّ خطاب الكراهية الذي تبناه، والذي يتضح من الإعلان الذي نشر رابطه الإلكتروني على حسابه على تويتر المحذوف الآن، لا يقتصر عليه فحسب، بل يتجاوزه بكثير.

لكن هذا سيكون خطأً، فالأفكار الواردة في هذا الإعلان، التي تعتبر المسلمين محتلين يخططون للإقامة محل الغالبية البيضاء في أوروبا والغرب، ترتبط ارتباطاً لا يمكن نسيانه بأشخاصٍ في اليمين المتطرف، مثل أندرس بريفيك، الذي نفذ أيضاً هجوماً جماعياً دموياً عام 2011 في النرويج. لكنَّ هذه الأفكار لها جذور عميقة في المجتمعات الغربية، وليست قاصرة فحسب على التيارات السياسية المتطرفة.

فعقب تفجيرات السابع من يونيو، التي وقعت في لندن عام 2005، عُيِّنتُ نائباً لتنظيم الاجتماعات في فريق عمل معنيّ بالتطرف تابع للحكومة البريطانية؛ وذلك للبحث في أي العوامل تحديداً تقود الأشخاص إلى الانجراف نحو التطرف. درس هذا الفريق دور الأفكار والأيديولوجيات في ذلك، وخَلُّصنا إلى أنَّ لها دوراً بارزاً في دفع الأشخاص نحو التطرف، إلى الحد الذي لا يمكننا معه إغفال أهمية الخطاب والعقيدة المتطرفين. ووجدنا أيضاً أنَّ هناك عوامل أخرى مساهمة، منها: التهميش والمعارضة السياسيين، وغير ذلك، لكن سيكون من الخطأ تقليل مدى قدرة الأفكار على شحن الأشخاص، وتزويدهم بالمنطق لتبرير الأفعال العنيفة.

ومن المنطلق ذاته، سيكون من المشين الفشل في الاعتراف بأنَّ التعصب الأعمى الغاشم المدفوع بالنزعة الأهلانية المُعادية للمسلمين، الذي أصبح منتشراً على نطاقٍ واسع في مجتمعاتنا، له علاقة بالهجوم الذي وقع في نيوزيلندا اليوم. فنيوزيلندا هي جزء من الغرب. ومن وجهة نظر الإعلان الذي نشره المنفذ، من الواضح أن الغرب معرضٌ لغزو المسلمين. ولا تقتصر هذه المشاعر على شخصٍ متشدد من اليمين المتطرف اقتحم مسجداً حاملاً سلاحاً وقتل مصلين مسلمين، بل هي شائعة بين عشرات الأشخاص في تياراتٍ سائدة.

وفي كل مرة يروج شعبوي من اليمين المتطرف فكرة أنَّ المسلمين يشكلون تهديداً على حضارتنا، يشجع هذا على خلق مناخ يُنظَر فيه للأفكار التي يعتنقها الإعلان بأنَّها أقل تطرفاً. وفي كل مرة ننكر فيها التهديد الذي يمثله التعصب الأعمى ضد المسلمين، أو نستهين بمدى تفشي «الإسلاموفوبيا»، بما في ذلك داخل حزبنا المحافظ الحاكم في بريطانيا، نساعد من يسعون لتأجيج خطاب الكراهية ضد المسلمين في مجتمعنا.

الأمس كان يوم الجمعة، حيث يجتمع المسلمون في كل مكانٍ في العالم لأداء صلاة الجمعة. وسينتاب كثيرٌ منهم في الغرب الخوف بعد مشاهدة أخبار اليوم، قلقين من أنَّ يكون هجوم اليوم نذيراً بسلسلةٍ من التهديدات المستمرة لأمنهم. علينا إذاً أن نحرص على أن يعرفوا أنَّهم ليسوا بمفردهم، وأنَّ المجتمع بأكمله سيقف معهم، وأننا لا ننظر إليهم باعتبارهم مجتمعات مسلمة دخيلة على الغرب، بل ينتمون له، وأنهم جزء منا ونحن جزء منهم. لكن إذا فعلنا عكس ذلك، وسمحنا لحادث اليوم بأن يمر مرور الكرام دون اعترافٍ من جانبنا بطبيعة الأفكار المُحرِّكة له، فالأمر لن يعدُ مسألة وقت قبل أن يتكرر الهجوم.

مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة