إقليم وجدة-أنجاد بين المواد الكيماوية والبيولوجية : رهانات وتحديات

يعرف إقليم وجدة-أنجاد نشاطا زراعيا متواضعا مقارنة بباقي أقاليم الجهة الشرقية، ينتشر أساسا في سهل أنجاد ومنطقة بوشطاط على امتداد الشريط الحدودي مع الجزائر، بالإضافة الى بعض الضيعات النموذجية التي تنتشر هنا وهناك. وتتنوع المحاصيل بين ما هو بوري كالحبوب والقطاني وما هو مسقي كالخضروات والفواكه، توجه بالأساس للسوق الداخلية وللاستهلاك المحلي. وكغيرها من المنتجات الزراعية في جميع أنحاء العالم، فهي أيضا تخضع للمعالجة الكيماوية، حيث تستعمل الأسمدة لتخصيب التربة والمبيدات الحشرية للقضاء على الحشرات الضارة والأمراض والنباتات الطفيلية.
ان كانت هذه المواد الكيماوية تأتي بنتائج سريعة تساعد المزارع على تلبية الطلب المتزايد على المحصول و الصمود أمام المنافسة الشرسة، فإنها تسبب آثار جانبية خطيرة تحدث أضرار وخيمة للإنسان وبيئته ؛ مما قد يعطل استدامة النشاط الزراعي برمته.
أكد مجموعة من المزارعين الذين تم استجوابهم، في جماعة الدرافيف ضواحي مدينة وجدة، أنه لابد من استعمال الأسمدة والمبيدات للحفاظ على المحصول من الامراض والحشرات والطفيليات ؛ والا فان المجهودات المبذولة قد تذهب سدا بين عشية وضحاها. وكلهم واعون بالخطورة التي تشكلها هذه المواد السامة، ان على صحة المزارع بنفسه أو على البيئة المحيطة به والتي هو في أمس الحاجة اليها لضمان بقائه.
وبالفعل، فان مجموعة من المزارعين لا يراعون شروط السلامة أثناء عملية رش المبيدات، لاسيما ارتداء ملابس خاصة وقناع واقي، مما يعرضهم مباشرة لتسمم قد يودي بحياتهم. كما أن بعض الفلاحين لا يحترمون المدة الزمنية التي يجب أن تراعى بين عمليتي الرش والجني. فيدفعون محاصيلهم للاستهلاك وهي ما زالت تحمل آثار هذه المبيدات، مسببين بذلك تسممات متفاوتة بين المستهلكين. ناهيك عن كون مركبات هذه المواد الكيماوية غير قابلة للتحلل ؛ اذ تتسرب عبر التربة لتستقر في فرشة المياه التي تكون في الغالب موجهة للاستهلاك المنزلي ؛ دون الحديث عن تلك التي تنتقل عبر الهواء و مجاري المياه.
أما على مستوى البيئة، فان هذه المواد الكيماوية تعمل في صمت رهيب على الاخلال بالتوازن الإيكولوجي وتهدد التنوع البيولوجي. حيث أنها تقضي أيضا على الحشرات النافعة، كالنحل الذي يعتمد عليه الفلاح في تلقيح أزهار المحاصيل، ودود الأرض الذي يعمل على تخصيب التربة بشكل طبيعي، عبر نقل المواد العضوية من السطح عمق التربة ومنعها بذلك من التحول الى طين أملس لا يصلح للزراعة. فبخصوص هاتين الحشرتين بالذات، فان الخبراء عبر العالم يدقون ناقوس الخطر بشأنهما لما تتعرضان له من مخاطر قد تؤدي الى انقراضهما. فجميعنا نعلم بالدور الهام الذي تلعبه هاتين الحشرتين ومعهما حشرات نافعة أخرى، وأن اختفائها، على صغر حجمها، يهدد التواجد البشري في حد ذاته.
والوضع في إقليم وجدة-أنجاد لا يختلف عن غيره في باقي المناطق، بل وتزداد حدته إذا علمنا أن طبيعة المناخ بالجهة الشرقية تتسم عموما بالجفاف وعدم انتظام التساقطات في الزمان والمكان. هذا ما يجعل بعض الأراضي الفلاحية عرضة لخطر التصحر ويهدد استقرار الساكنة النشيطة في هذا الميدان.
وأمام هذا الوضع الذي يزداد حدة يوما بعد يوم، أصبح لزاما على كل الفاعلين العودة الى الطبيعة والتصالح معها والبحث عن حلول تخدم الطرفين، دون الاخلال بالتوازن الذي يجمع بينهما، وايجاد بدائل أكثر رفقا بمختلف مكونات المنظومات الايكولوجية. وهذا ما يصب في نفس اتجاه الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، خاصة منها الهدف الثاني عشر، الذي يرمي الى ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة “بتحقيق التدبير البيئي السليم للمواد الكيماوية والنفايات طوال دورتها العمرية والحد من اطلاقها في الهواء والماء والتربة من أجل مكافحة آثارها الضارة على صحة الانسان والبيئة.”
من هنا نسوق مثالا حيا في هذا المجال لإحدى الشركات التي اعتمدت تقنيات التكنلوجيا الحيوية في انتاج أسمدة ومبيدات بيولوجية دون أية أعراض جانبية لا على الانسان ولا على البيئة. وقد استقرت هذه المجموعة الأجنبية بالمغرب منذ 2005. تعمل حاليا بتنسيق مع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات في إطار مخطط المغرب الأخضر، حيث تتكلف بالأراضي التي تعهدت الوزارة بتسليمها للفلاحين الصغار. تعمل هذه الشركة على تهيئة التربة، بعد دراستها وتحديد نوعيتها، باستعمال مجموعة متكاملة من منتوجاتها البيولوجية كالأسمدة والمخصبات الطبيعية. تستغرق هذه العملية سنتين قبل أن تسلمها للفلاحين الصغار وتقوم بتأطيرهم وارشادهم للاستغلال الصحيح والمسؤول لهده الأراضي.
يوجد فرع للمجموعة بالجهة الشرقية منذ 2012 ؛ عملت خلال هذه المدة على تشجيع اقبال الفلاحين على منتجاتها البيولوجية من أسمدة ومبيدات تضمن السلامة للجميع. الا أنه، وحسب أحد تقنيي مبيعاتها، السيد كمال هدي، فان الاقبال على هذه المنتوجات يضل ضعيفا ومحدودا في الجهة الشرقية، خاصة بإقليم وجدة-أنجاد. ويعود ذلك لسببين اثنين، أولهما ضعف النشاط الزراعي بالإقليم والثاني كون هذه المواد الطبيعية تأخذ وقتا أطول من المواد الكيماوية في إعطاء أكلها. “قد يكون ذلك صحيحا، يقول السيد كمال هدي، الا أن النتيجة مضمونة والمحصول أوفر ومستدام لأن هذه المواد تعمل بشكل طبيعي على جميع المستويات ׃
تنشيط عروق النبتة وحمايتها من المؤثرات الخارجية كالبرودة والحرارة الشديدتين ؛
تخصيب التربة بواسطة ما يسمى بالكومبوسط (le compost) وهو سماد يتم الحصول عليه بمزج نفايات حيوانية (الروث) ببقايا الأشجار والنباتات، يتم تخزينه في مكان مغلق لمدة معينة لتسهيل عملية التفاعل والتحلل ؛ مع الحرص الشديد على خلو هذا السماد من حبوب النباتات الطفيلية والمعادن الثقيلة والأمراض؛
القضاء على الحشرات الضارة كالجراد والدبابة البيضاء باستهدافها والقضاء على بيوضها ويرقاتها دون الاضرار بالحشرات النافعة.”
إذا كانت الزراعات البيولوجية في الوقت الحالي حكرا على فئة معينة من المجتمع من باب الحرص الشديد والحفاظ على الصحة، أو فقط من باب التباهي، فانه سيصبح في المستقبل القريب مطلبا أساسيا لكل أفراد المجتمع، خاصة وأن العالم بأكمله يخطو خطوات عملاقة في هذا الاتجاه، باعتباره الحل الوحيد والأوحد للحد من استنزاف التربة والاخلال بالمنظومات الايكولوجية، وقبل هذا وذاك للحفاظ على صحة الانسان. وبإمكان فلاحي إقليم وجدة-أنجاد رفع هذا التحدي بتبني مبادئ الاستغلال والإنتاج المسؤولين عن طريق اعتماد الزراعات والتقنيات البيولوجية وترشيد استعمال المياه الموجهة للسقي، دون اغفال إمكانية استعمال المياه المعالجة التي تنتجها محطة وجدة لمعالجة المياه العادمة.

تقرير النادي الصحفي لثانوية المسيرة الخضراء بوجدة

مراسلة ذ عبد الكريم السباعي

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة