مدخل إلى الإيكولوجيا الثقافية الحديقة الإيكولوجية بوجدة: الثقافة، السلوك، والمحيط الطبيعي

تأليف: د. جواد رضواني

مراجعة: د. سعيد منتاق

تقديم عام ومحاولة للفهم:

في زمن تغلب فيه الإنسان على الطبيعة من خلال سيطرة مطلقة على جميع مصادر الطاقة وغيرها من الموارد، وجد هذا الإنسان نفسَه في مأزق حضاري لا يحسده عليه كائن آخر سوى فئة، أو أقلية، صغيرة من الناس فهمت اللعبة الحضارية جيدا ووعت، بعمق، أن تحسين مستوى العيش، والتقدم، والرفاه، إلى غيرها من اليوتوبيات (العوالم التائهة وغير ممكنة) التي خاض في سبيلها جنس الهوموسابين (أي الإنسان)، كمخلوق (من بين باقي المخلوقات)، صراعات طويلة، مريرة، وعشوائية، لا يكمن بالدرجة الأولى في تقفي أثر النمو الاقتصادي المبني على الاستهلاك غير المعقلن (غير المشروع كذلك) للموارد بجميع أصنافها،[1] والتنطع الفكري غير الرشيد ثقافيا، وتاريخيا، ولا حتى نظريا (التفكير أحادي الاتجاه الذي يركز على النتيجة الآنية بدل مراعاة وازع الاستدامة)، بل يتجلى في القدرة على القبول بظروف عيش تتميز بالبساطة، والاحترام المتبادل لوسط العيش وكل ما يشمله من كائنات حية ومحيط، والتقدير المعقلن والاستعمال الرشيد للمصادر وموارد العيش الطبيعية، دون السقوط في فخ اللهف الاستهلاكي والتيه الحضاري المفبرك.

لقد اتفق جميع الناس، تاريخيا، بما فيهم البسطاء، والمثقفون، والعلماء، والخبراء، والمتخصصون، بأن خط الحضارة (خط التطور) إنما فيه شيء من الريبة، والشك، والعيب، فيما يخص “دوافعه،” “وسائله،” “سبله،” “غاياته،” “أهدافه،” و “آليات تطبيقه والوصول إليه،” وغالبا ما شككوا في قيمته وقيمة نتائجه. فشكله العام، كخط تطور أساسه “الإبعاد” عن الطبيعة الأولى و “التخلي” عن العديد من العلاقات التي جمعت الإنسان بمحيطه العام، يثير إحساسا غريبا يتميز بالخوف والرغبة في التراجع عنه. لكن “إغراءاته،” “وعوده،” و “عوالمه” الخيالية لم تكف أبدا عن جذب الإنسان نحوها غواية وغرورا. ففي لحظة حسم افتراضية، وجد الكائن المفكر، العاقل للأشياء (كما يجب أن يكون)، نفسه في مفترق طرق لا مناص له منه، حيث كان عليه: إما اختيار الطبيعة، والأصل، والتقدم، والتطور بشكل محكوم بدوافع تأخذ بعين الاعتبار جميع المكونات، بما فيها ماهية الإنسان، طبيعته، نوعه، ودوره ومهمته في هذا الكون بما في ذلك علاقاته بمحيطه وباقي الكائنات الأخرى عامة (النملة كصديق، والجبل كجار، والبحر كرجل، والغابة كبلدة أو كقرية يقيم فيها قوم آخرون)، أو اختيار التخلص من كل ما هو طبيعي، أصيل، وأولي والانطلاق في “مهمة تحولية” تُغير وتُكيف وجوده العام، أي وجوده هو ووجود الوجود حوله، بشكل غير ثابت أو متيقن البتة مع الوعود الحضارية المنشودة حيث يكون فيها هو “سيد الكون” ووجوده كله رفاه، وترف، وانحلال، غايته تحقيق رغبات ونزوات النفس، وسبيله استهلاك كل ما يمكن أن يحقق إرادته وطمعه وجشعه اللا-متناهي دون أدنى نسبة من المراعاة أو الترشيد (أثناء هذه اللحظة بالضبط، تناسى حدوده وحدود ما يحده من وجود). هنا، اتفقت العامة، أو العقل بشكل عام، على أن يسير وراء العالم “الموعود” بدل التشبث بالعالم “الموجود.” وهنا، تماما عند هذا المنعرج، تم التخلي، ويا للأسف، عن الطبيعة الأولى، والبيئة، والمحيط الايكولوجي، وتم اعتبارها مجرد إطار لن يفنى أبدا، مجرد مصدر لمواد خام لا تنضب، مجرد مصدر رزق لا ينتهي، مجرد وسيلة، ومجرد أداة يمكن استغلالها، استعمالها، هدمها، واستنزافها، بشكل “نرجسي” جدا، من أجل تسلق سلم التطور المزعوم وتحقيق الحلم المزيف.

إن هذا الاتفاق والتوافق من أجل إتباع طريق الحضارة، كوعد، قد تم، بناء عليه، إيجاد تفسير مناقض ومخالف لبنية وقواعد المحيط والأشياء التي تؤثثه بشكل عام. هنا تماما، حول الإنسان نفسه من “أحد الكائنات” إلى “كائن مركزي يدور الكون بأجمعه حوله ويخدم مصلحته.” لقد حول نفسه إلى سيد الكون، بينما هو ليس كذلك. وهكذا تم تهميش الطبيعة كمحيط، وباقي الموجودات الحية بجميع أشكالها وأصنافها. فأصبح الفهم “الصحيح،” (الخاطئ أصلا)، السائد ليس هو العيش والتعايش مع باقي الكائنات، بل العيش وحيدا بعيدا عن مخلوقات ذات درجة دنيا في سلم الخليقة وينحصر دورها فقط في إمتاع بني الإنسان وتمتيعهم ككائن دعاه الألماني فريدريك نيتشه، وكان على حق ويقين حينها، بأنه ‘سوبرمان’ زمانه (أي إنسان خارق). هكذا غرب الإنسان نفسَه بنفسِه من خلال السقوط في فخ اختيار لا يعدو أن يكون وهما ووعدا موعودا، وتخلى عن واقعه اليومي، والمعطى، الذي يعيش فيه كحيوان عاقل فقط، لا أكثر، كما أدرك أرسطوطاليس. بشكل آخر، لقد تناسى الإنسان بُعده الحيواني، وغره البعد الفكري والثقافي وقدراته المعرفية المتراكمة، فتخلى، غير متأسف آنذاك، عن طبعه وطبيعته. لكنه، وبعد مرور سنون، انتبه مجددا (الإيكولوجيون: مفكرون وفاعلون)، ومن خلال فئة قليلة ظهرت مؤخرا، إلى أنه قد ألحق الإنسان، بينما كان بصدد بناء برجه الحضاري العاجي الموعود، ضررا عظيما بباقي مكونات بيئته التي هي، في الأصل، البرج العاجي الحقيقي الذي كان عليه أن يفهمه، يبنيه، يحافظ عليه، و “يستديمه” قدر المستطاع. لقد أُخلف الوعد هذا الإنسان العاقل المسكين من طرف المد الحضاري. فبرجه العاجي حيث سيعيش أبدا، ويحقق أعلى درجات المتعة، لم يعد يبدو له، في الأفق، على أنه ممكن التحقق. لقد تراءى له، بعد أن قطع أشواطا طويلة سائرا في درب الحضارة المبنية على معادلة الاستهلاك أكثر من أجل غد أفضل، بأن ذلك العالم غير ممكن، فاكتشف، في لحظة مسير جد بعيدة، أن إكمال الطريق مستحيل، وبأن العودة غير ممكنة، فجلس يفكر. هنا، وعند هذه اللحظة، برزت تلك الفئة الرشيدة التي دعت منذ زمان إلى التريث، وإعمال العقل، والاتفاق بشأن طريق، ومصير، ومستقبل الكائنات الحية، بما فيها الهوموسابين القائد المدمر لذاته وغيره. فنتج عن ذلك ظهور مفاهيم إصلاحية جديدة تحاول أن تَلحق الضرر الذي كان، كما تسعى لتفادي الاصطدام بالضرر القادم. وأولئك هم الإيكولوجيون، الذين نجد من بينهم: “فلاسفة وجود وأخلاق يفكرون،” “متطوعون مدنيون ينشرون الوعي وبالاستفاقة من سبات الهدم يطالبون،” “سياسيون يتدخلون ضمن مساحات طاقتهم ويصلحون،” و “اقتصاديون واعون بالمال والمخططات الخضراء يساهمون.”

دور “الثقافة الايكولوجية” في نشر وعي باللحظة التاريخية وتفسير واقع وآفاق الأزمة

إن نشر الثقافة الايكولوجية، وهي تعني بالدرجة الأولى تحسيس الناس بمخاطر عدم الاهتمام بالمحيط الطبيعي، بإمكانه أن يساهم في التخفيف من آلام “الأرض” التي تعتبر وطنا لنا ولجميع باقي الكائنات الحية. فمنذ قرون خلت، أو بالأحرى آلاف السنين، ونحن كبشر نستغل المحيط، والبحر، واليابس دون هوادة. لقد نصبنا أنفسنا مركزا، وأعطينا أنفسنا قيمة أعلى من أي “كائن” أو “شيء” آخر، واعتمدنا مقاربة الاستغلال إلى أبعد حد دون التفكير ولو للحظة في مصير غيرنا من الكائنات ولو لم يكن ذلك من ناحية علاقة التسخير، بل من ناحية علاقة القضاء عليها ودفعها نحو الانقراض. فالماء، والهواء، والحيوانات، والطيور، والأسماك، والحشرات، والأشجار، والأعشاب، والتربة، والمواد الخامة، ليست أقل منا، نحن بني البشر، قيمة وقدرا، بل هي نفسها كائنات حية لها غاياتها، دوافعها، وأدوارها، وهي فقط مسخرة لنا لا تحت سيطرتنا المطلقة، وبذلك فنحن مدعوون ليس إلى احتقارها والنظر إليها بتعالي على أساس أنها لنا وفي خدمتنا (بالمعنى السلبي) أكثر مما نحن مدعوون للاعتماد عليها في حياتنا بناء على كونها أشياء ومخلوقات “مسخرة” لنا، لنفسها، ولغيرها من باقي الكائنات، وبما أنها ليست “خادمة” ينحصر دورها فينا وفي أغراضنا (الخاطئة في العديد من الأحيان). فالحمار مثلا، أو النملة، أو طائر البوم، لماذا لا ننظر إليهم كأصدقاء مسخرين لخدمة أهداف كونية نبيلة أكثر منها مخلوقات ليست ذات قيمة ونفع، ويبقى قتلها، دعسها، ضربها، القضاء عليها من الكون تماما، أو تسخيرها فوق طاقتها مجرد تخلص من “عدو” أو كائن “غير ذي قيمة.” ولنقس على ذلك ما تعلق بالماء، والهواء، ومصادر الطاقة، والغابات … إلخ. إن “الثقافة-الايكولوجية” لهي فكرة بإمكانها أن تغير نظرتنا للمجال العام المحيط بنا بما احتوى من أشياء، بما فيها نحن ككائنات حية من بين باقي الكائنات فقط، ليس إلا. وعليه، فالثقافة الايكولوجية هي وسيلة توعية تتعلق ب”الحقيقة” التي طالما لم يتقبلها الإنسان موهما نفسه بأنه أفضل من غيره من المخلوقات، وزاعما، بالخطأ طبعا، أن كل الموجودات تخدمه هو.

إن مشكلتنا الرئيسية في يومنا هذا، ومصدر الأزمة الإنسانية المتعلقة بتدمير المحيط الايكولوجي، لا تكمن في عدم القدرة على ترشيد الاستغلال الصحيح للموارد والتعامل المحترم مع باقي الكائنات والأنواع. يكمن الخلل في: الطريقة التي فهم من خلالها أجدادنا المحيط الطبيعي الذي يعيشون وسطه وفيه، والطريقة الدغمائية التي توارثنا بها هذا الفهم المحدود ولم نغيره رغم أننا، في يومنا هذا، وقل منذ بدايات القرن العشرين، أدركنا معنى، وكنه، وغايات، ودلالات المحيط الطبيعي الذي نشكل جزءا منه ونسكن ونحيا ضمنه، فيه، ومن خلاله. إذن، فالمشكل ليس هو أننا ليست لدينا إحصائيات علمية وعملية، أو ليس لدينا مثقفون، أو أننا لا ندرك معاني ودلالات الوجود نظرا لأنه موضوع أبعد من أذهاننا وعقولنا الصغيرة التي لا تقوى على إدراك موضوع إبستيمولوجي وميتافيزيقي أبعد منا. إن مصدر الأزمة هو: “ثقافتنا” غير المكتملة التي نتج عنها، تاريخيا، “فهمنا” لدواتنا و”تعاملنا” مع المحيط. لذا، فإننا، إن كنا فعلا ننوي استصلاح وضعنا الطبيعي، ومنه الفكري والثقافي والديني كذلك، كان علينا، لزاما، أن نستصلح ثقافتنا الأولية كأساس لأي “وعي،” “فهم،” و “عمل” صحيح، قويم، مستقيم، وبإمكانه أن يعيد لنا مجدنا ككائنات عاقلة ضمن باقي المخلوقات، وأن يعيد للمحيط الطبيعي كله، وبما شمل، قيمته، كرامته، وبالتالي دوره المقدس والعظيم الذي هو: “التسخير.” وأما التسخير فيعني هنا وضع (الله) المحيط الطبيعي في خدمة الإنسان من أجل غاية. وهذه الغاية، حسب ما يُستفاد من الكتاب وتفاسيره، ليست هي التسخير ذاته، حسب معانيه ودلالاته السلبية، من أجل منزلة أفضل أو أكبر، بل تسخير إيجابي لذاته ولغيره. والتسخير لذاته، يدل على أن المحيط الطبيعي كله مسخر لغاية ذاتية كمخلوق له دور خاص به (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير). أما التسخير لغيره، فهو كذلك نوعان. فالغير يعني الكائنات الحية من جهة، ومن جهة أخرى يعني الكائنات الحية بما فيها الإنسان ككائن حي هو كذلك، (وسخرنا لكم الشمس والقمر، وسخرنا لكم الليل والنهار، وسخرنا لكم الأنعام).

إن هذا النوع من الإدراك الواعي لمكانة ودور الإنسان في الكون لكفيل بإعادة بناء ثقافة عامة سلمية وسليمة. وهو كذلك كفيل بإعادة بناء ثقافة ايكولوجية تعطي المحيط البيولوجي قيمة من خلال توفير فهم يكرس إعادة تنزيل جميع الكائنات، بما فيها بني البشر، مكانتهم الطبيعية ضمن نظام أكبر وأوسع من النظرة الاحتقارية والضيقة التي أولاها الإنسان لنفسه ولغيره زعما وليس حقيقة. وهذه الثقافة، بدورها، لابد وأن تنبع من فكرة، وهذه الفكرة لابد لها وأن تصدر عن اطلاع وفهم، وهذا الاطلاع والفهم لابد وأن يأتي عن طريق: إما تفكير وتخمين سليم بشكل عام، أو، في حالتنا نحن كمسلمين، من كتاب فيه توجيهات ودعوة للتفكر مليا في المخلوقات والمحيط واستنباط العبر. لكن، الحل، لا يكمن في يومنا هذا، أي خلال هذا الزمن الاجتراري الذي صارت فيه المعرفة مجرد حفظ لآيات، نقل لمعلومات، فهم سطحي لمعاني ودلالات، وقدرة على عرض “الجهل” أكثر منها كفاءة في عرض “معرفة حقة؛” وهذا واقع عام لا مفر منه، في يد “كل” و “جميع” أولئك الذين ظنوا أنهم فهموا، ويفهمون، معنى الطبيعة وحملوا لواء المتحدثين والمجتهدين والذين يفتون فيما تشتكي منه، وما يخصها ويلزمها، وأغلقوا، بذلك، باب ‘المحاولة’ على كل من أراد أن “يجتهد” في التعلم، في التفكير/التفكر، في الاستقصاء، في البحث، وفي التفسير من جديد، ومن منطلقات جديدة أوسع وأشمل مما كان عليه الوضع في السابق، باسم كونهم أدرى ب “شعابها” و “شعاب” ما يمكن أن يتعلق بها من “تفكير” سليم. إن غلق باب التجديد الفكري البناء، والمبني على الحقيقة المطلقة، لكن من خلال مقاربات أفضل، وأجود، وأقنع، لهو الداء الذي يقتل في يومنا هذا العقل، ثم الطبيعة. وعليه، فالدعوة هنا إلى نشر “ثقافة ايكولوجية” سليمة، تعني بالدرجة الأولى البحث عن، وإعادة بناء، “ثقافة عامة” سليمة، لأن هذه من تلك. وبناء عليه، لا يسعنا إلا أن نقول هنا بأنه على “التقليدانيين” الذين لم يتوصلوا أبدا إلى فهم صحيح لمعنى ودلالات الإنسان والطبيعة كاملة، وبقيت مفاهيمهم، دراساتهم، وأبحاثهم ناقصة إلى يومنا هذا، أن ينزاحوا عن الطرق، ويعطوا الفرصة لنوع من الإدراك الذي هو أبعد وأشمل لكي يحاول إصلاح الطريق بما أوتي من وسائل وأدوات ودرجات وعي أرحب وأوسع، ويعيد تركيب خارطة العلاقات والمنازل (من منزلة، أي درجة) الطبيعية عامة، لعلها تكون فرصة لتدارك ما فات من دمار وتجنب ما هو آت، ونراه يلوح في الأفق، من أزمات.

“الحديقة الإيكولوجية” بوجدة: الفكرة، التصور الايكولوجي، والآفاق المستقبلية

منذ سنة 2016 عرفت مدينة وجدة وضع اللبنات الأولى لتأسيس فضاء إيكولوجي عبارة عن حديقة تمتد على مساحة 25 هكتار، وتضم 25 ألف شجرة من مختلف الأنواع، ونباتات وأعشاب وورود من أجناس مختلفة، كما أنها تحتوي على مقصف واسع، ومراحيض، ومكتبة، ومساحات رياضية عامة، ومسبح طبيعي واسع تتجدد مياهه (المعالجة) بشكل تلقائي وتسكنه مجموعة من البط، وأماكن ترفيه أخرى. لكن السؤال يبقى، في إطار رؤية ثقافية ايكولوجية، هو، كيف يمكننا فهم أهداف، دور، وآفاق هذا النموذج الإيكولوجي والتعامل معه؟

إن فكرة إنشاء حديقة ايكولوجية بتلك المواصفات، وفي مدينة وجدة، لتبقى، في حد ذاتها، شجاعة ايكولوجية تعكس وعيا، وفهما، وتقديرا لقيمة الإيكولوجيا والمحيط في حياة الإنسان. ربما توجد حدائق بوجدة (وهي موجودة بالفعل)، وربما توجد غابات (وهي موجودة كذلك)، لكن الحديقة “الايكولوجية” بهذا المعنى، وهذا الاسم، وهذا التصور، والفكرة الشجاعة، فإنه يعني أن ذلك الفضاء أكثر من غابة، أو حديقة، أو مساحة خضراء. لكن، كيف، ولماذا؟

يعود الأمر بكل بساطة إلى كل ما قلناه آنفا، وفي بداية هذا المقال. لقد كانت لدينا وللإنسانية جمعاء حدائق خلابة عبر التاريخ، ولقد ظلت الغابات دائما، سواء منها الاصطناعية كالتي في (معافة بوجدة) أو غيرها، مكانا طبيعيا ينال إعجاب الناس ويستغلونه (لأغراض، في رأيهم، نبيلة)، لكننا، مع ذلك، أحدثنا وتوارثنا ثقافة استغلال (ثبت عبر التاريخ أنها لم تكن نبيلة، نظرا للهدم الذي لحق تلك الفضاءات وغيرها من الهدم العام للمحيط البيئي). فالحدائق الجميلة نفسها، تلك التي أوجدناها بأنفسنا وادعينا أننا نفهمها ونعي دورها وحضورها الواجب في حياتنا، غالبا ما كنا أنانيين وما أوجدناها إلا لكي نمتع أنفسنا بها لفترة، ونتناساها تجف وتذبل لفترات أخرى، ونعود بعدها لنحرقها، نهدم أسوارها، ونشيد مكانها بنايات عالية أو نحولها إلى ساحات إسمنتية، متناسين بذلك كم كنا ندعي تعلقنا بها، ونفسر، بشكل مناقض تماما، كم كنا نحبها، نفهمها، نحترمها، ولن نسمح بإلحاق أي أدى بها.

أما الغابة، من ناحية أخرى، وكمثال، فهي بالنسبة لنا “مهد الطبيعة” الخلاب الذي يضم أجمل ما في الطبيعة من مناظر وحياة. لكننا، للأسف طبعا، لم نكتف بأخذ الرحال إليها أيام الآحاد وفي العطل لكي نستجم ونركض ونستريح من حياة وتعب الحضارة بين يديها، لكننا، بشكل فضيع جدا، اعتبرناها دائما مصدرا للخشب لا ينتهي، وأنواع من العشب لا تموت، ومياه جارية لا تفنى وتتعكر، وحيوانات أليفة وغير أليفة صدناها لنضع لحمها على موائدنا، بعنا جلودها للمصانع، وأنيابها للمتاحف والمختبرات، وحبسناها في سجون (بدل حدائق) قيل أنها للحيوانات. لقد امتزج لدينا، بشكل سكيزوفريني وفصامي، وتراكم، ثقافة حب الشيء وهدمه أو قتله دون رحمة عبر التاريخ. إنه تاريخ لا إنساني، في الحقيقة، إن كنا نريد أن نصارح أنفسنا، ونغير من سلوكنا. انه تاريخ، يتميز بكونه لا أخلاقي، وذلك من حيث كونه لم يطور أبدا فهما صحيحا يتعلق بالطبيعة كفضاء آخر. بل يمكن القول أن هذا التاريخ اللا-إنساني المزيف، والغير مقبول، قد تجاوز الطبيعة، إلى الذات كجزء آخر من الطبيعة، حيث نرى أن معول الهدم لم يشمل المحيط فقط، بل شمل المحيط بما في ذلك الأنا.  وعليه، فلا يمكننا اليوم أن نماثل بين الحديقة، والغابة، والمساحة الخضراء، والحديقة الايكولوجية ونسقط في فخ الفهم المغلوط، والهدم المحسوم كما فعلنا دائما. فالإيكولوجيا، أو الثقافة الايكولوجية الحديثة، تدعونا لبناء ثقافة أكثر قربا، ورحابة، وفهما، وعدلا. فما الفرق إذن، بين الفضاء الايكولوجي (الحديقة) وباقي المساحات الخضراء مثل الحدائق، والمتنزهات، والمساحات الخضراء؟

إن ‘الحديقة،’ أو ‘الغابة،’ أو ‘البركة’ الايكولوجية تقع في الجانب النقيض للحديقة والغابة والمساحة الخضراء العامة كمجالات وضعها الإنسان لإمتاع نفسه هو كمركز للكون وكائن متعالي، ليس حبا في الطبيعة أو الكائنات الحية الأخرى ذاتها واستدامتها. إنما القصد من زرع غابة، إنشاء حديقة، أو إعادة تدوير فضاء ما وتحويله إلى مجال ذي لون أخضر، حسب الفهم العام والمنتشر، هو تحقيق شعور بالمتعة، سواء أكان ذلك من خلال اللون الأنيق، العشب بدل الأرض الخالية، إضفاء منظر على حي أو مدينة بناء على طول وجمال الأشجار والنباتات، أو إنشاء مساحة خضراء تُستغل للركض، والتنزه، والترفيه، وأهداف أخرى. لكن إنشاء “حديقة ايكولوجية،” بأي مواصفات كانت، لان الأمر لا يهم هنا، هي قضية أخرى ولا علاقة لها بكل ما ذكر؛ أو، بمعنى آخر، إنها، في الواقع، نسف للفكرة التي تقول “بإنشاء حديقة، أو غابة، أو مساحة خضراء بناء على نفس الفهم القديم ولنفس الأغراض التي ثبت، تاريخيا، أنها غير عادلة.” لكن، كيف؟

إن منطلقات تأسيس حديقة ايكولوجية لا تماثل، بأي شكل كان، منطلقات إنشاء حديقة أو مجال أخضر. فالحديقة الايكولوجية، هي ذاتها، فكرة مناقضة للمفهوم الضيق لوضع الإنسان العام والمعروف تجاه الفضاء الأخضر والطبيعة عموما. الحديقة الايكولوجية، في الواقع، تنبني على فكرة وتصور مغاير، مختلف، مضاد، ويرفض مركزية الإنسان وعقدة استغلاله للمحيط. الحديقة الايكولوجية هو مكان، أو فضاء، يتحدى المقاربة النرجيسية للطبيعة. أي أنها وُضعت، هناك، لخدمة طرح وتصور مختلف، وبالتالي بناء ثقافة، مغايرة وجديدة، تتميز بالوعي التام للذات الإنسانية وللطبيعة كمحيط. إن الغاية من الوجود، أو الإيجاد، للحديقة الايكولوجية، هو تحدي مدى قدرة الإنسان، أو التجمع الإنساني المجاور، على فهم دوره (هو) المحدود، والمبني على نوع من العدل والعدالة، إزاء محيط طبيعي لم يعتد (الإنسان) على النظر إليه باحترام. إن وجود الحديقة هناك، بناء على هذا، يتطلب من الناس إعادة التفكير في علاقاتهم بكل ما هو طبيعي ويشكل المحيط من هواء، وماء، وتربة، وحيوانات … الخ.

الحديقة الايكولوجية، بصراحة، هي دعوة لتغيير كل فكرة وسلوك لا يليق بالإنسان ككائن عاقل، ولا يليق بوضعه المحترم في الكون وضمن المحيط الايكولوجي بما احتوى من كائنات، ولا يعكس حضارته، وثقافته، وتقدمه المزعوم. إن الحديقة الايكولوجية، أو أي حديقة ايكولوجية أينما كانت، لهي، في الأصل، نوع من الحقيقة، الواقع، والفعل الذي ينسف وجوده أي فعل إنساني غير عاقل، أو معقلن، تجاه ذاته ومحيطه. وهكذا نفهم أن الحديقة الايكولوجية، هي درس، ودعوة، وأطروحة مناهضة لجميع المفاهيم والأفكار التي شرعت، تاريخيا وعن قصد أو دونه، الاستغلال الغير مشروع للطبيعة بشكل غاية في الانحطاط أدى بالإنسانية مؤخرا نحو إدراك خطر الاستمرار في هدم المحيط الايكولوجي الذي يضم الحياة عامة، بما فيها حياة بني البشر.

هكذا، تكون الحديقة الايكولوجية، ليست فضاء أخضرا فقط. إنما هي فضاء يتحدى، من خلال وجوده هناك، ومن خلال الفكرة أو الثقافة الواجدة له، كل المشاريع الانتفاعية تجاه المحيط الطبيعي، والتي لا ترى إلا ذاتها كغاية وهدف. الحديقة الايكولوجية تساعد على إعادة النظر في مثل هذه العلاقة وتلك المشاريع. إنها تنظر إلينا وتقول “أنا هنا، ولست مضطرة لتلبية رغبات وعُقد وأفكار غاية في النرجيسية ولا تراني كفضاء رفيق ومرافق أكثر مما تنظر إلي بعين الانتفاع والاستغلال المحدود. إنما وجودي، ليس بالضرورة غايته أنتم، بل وجودي أصلا، ومبدئيا، هو لذاتي ثم لباقي المحيط الذي لا يشكل الإنسان إلا جزءا يسيرا منه.” فلدى الحديقة الايكولوجية، أو، في الحدائق الايكولوجية، عِبَر ودروس عادلة وجميلة. إنها تحاول أن تُفْهمنا، لأول مرة في تاريخ استغلالي طويل، أنها ليست هناك من أجلنا نحن بالدرجة الأولى، بل إنها هناك من اجل ذاتها أولا، ثم من أجل كائنات أخرى كثيرة غيرنا، وبأن وجودنا ليس هو الوحيد ضمن خارطة عريضة جدا للكائنات الطبيعية وغيرها. فوجود الشجر، مثلا، فيه مصلحة للشجر الآخر نفسه، كما فيه فائدة للتربة والهواء والطيور والحشرات وكائنات أخرى. أما الإنسان، فالشجر لم يوجد له وحده (أي، بشكل ما، ليس مسخرا له وحده)، ولا يخدمه وحده، بل هو من بين أولئك الذين بإمكانهم، وفي إطار الاحترام المتبادل، الاستفادة، وعلى وجه معقول، من فوائد ومزايا الشجر: كأن يستظل بها، يقطع جزءا منها هو في حاجة إليه دون إلحاق ضرر يسير، أو يتمتع بمنظرها الجميل وغيرها من الفوائد التي لا يمكن للعلم المعاصر أن يدعي أنه توصل إلى معرفتها كاملة، ويبقى ما فهمه بشأنها سوى القليل.

هكذا، نعود ونقول، إن الحدائق الإيكولوجية ليست كأية حدائق أو فضاء. إنها مجال يتحدى الإنسان ككائن يرى نفسه مركزا للكون وسيد الكائنات الحية، ويتحدى بشاعة الاستغلال الإنساني الأعمى الذي يدمر الطبيعة والمحيط. إنه فضاء يقع على الجانب النقيض للحدائق العادية والمساحات الخضراء الأخرى التي ما وجدت إلا لغرض محدود جدا يتمثل في خدمة الإنسان وتلبية أغراضه، حاجاته، وغرائزه. أبعد من ذلك، إنه فضاء، ما دام هناك، ومن خلال استمراريته (استدامته)، يقيس، ونقيس من خلاله، مدى استقامة علاقتنا بالطبيعة ككل، ومدى قدرتنا على تغيير فهمنا، وبالتالي سلوكنا، تجاه المحيط الايكولوجي عامة. وعليه، فإن درس الحديقة الايكولوجية في وجدة، لا ينحصر في الشكل أو البنية الخضراء التي تتشكل منها الحديقة أو ذاك الفضاء ذاته، بل يتعداه إلى مفاهيم وغايات أبعد من ذلك، وتتمثل في نشر وزرع ثقافة طبيعية خضراء سليمة وتعود بالفائدة علينا، على الأجيال القادمة، وعلى الإنسانية جمعاء.

[1]  (الماء، الكهرباء، الغاز، والخشب/الفحم (الغابة)، الهواء، التربة، الحيوانات (اللحوم والجلود والعظام)، الحشرات، الأسماك، إلى غيرها من الموارد الممكنة)،

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق