إفتتاحية : لماذا تأسيس منتدى لرجال الأعمال أمريكا اللاتينية –المغرب ؟

عبد الحق هقة

لقد شكل المغرب عبر العصوروما يزال،جسرا للقاء بين شتى الثقافات،ونموذجا لتفاعل الحضارات المتتالية من تاريخه العريق،من أمازيغية وفينيقية،ورومانية وإفريقية،وشرقية،ومتوسطية وأوروبية.

فقد تمازجت فوق ترابه،مكوناتها وروافدها في هوية مغربية متميزة بلغت أوجها،بانفتاحها على الحضارة العربية الإسلامية الوافدة،بما حملته من عقيدة سمحة،تجسد في رسالتها،الإيمان والالتزام بالقيم الإنسانية المثلى،للإخاء والتعايش،والتعارف بين الشعوب.

ويشهد التاريخ أنه كان  للمغرب إسهاما في تمكين هذا النسيج الحضاري الخصب من الانتقال بشتى القنوات ،صوب ثلاثة اتجاهات كبرى.

أما الأول فنحو أوروبا عبر شبه الجزيرة الإيبيرية،حيث تحقق انصهار ثقافي واجتماعي،ساعد على انبثاق طراز حضاري متنوع،وازدهار فكري،مهد لبزوغ عصر النهضة الأوروبية.

فالأندلس كانت المشتل الذي نمت فيه وترعرعت،حضارة غنية بتعدد روافدها،من علوم وفنون وآداب،وعمران،ومن قيم مشتركة،إيمانا وحبا للحياة،تنويرا للعقل،وتكريما للإنسان،وهو ما نهلت منه أوروبا،وبعدها العالم الجديد.

وقد كان الاتجاه الآخر،نحو العمق الإفريقي،حيث انتشرت شرقا وغربا عبر التجارة والتصوف مظاهر الحضارة المغربية،فاستقبلتها حضارات أخرى ، جاعلة من المغرب ملتقى للشمال بالجنوب،والمشرق بالمغرب،وفضاء متميزا لتلاقح الثقافات.

وكان الإتجاه الثالث نحو أمريكا اللاتينية،حيث تلاقحت حضارتها العريقة،بالحضارات الإفريقية والعربية،من خلال جالية مشرقية،وأوروبية إيبيرية،وانصهرت روافدها المتشابهة،في عراقتها وتلقائيتها وقيمها الثقافية،لتفرز تراثا حضاريا غنيا،تشهد به مختلف أنماط العيش،وشتى أشكال الإبداع والآداب والفنون،كما هو شأن أدب المهجر بأمريكا الجنوبية،الذي يعد ثمرة انفتاح الأدب العربي على فكر العالم الجديد،بقيمه التحررية.

إن حضارة عريقة من هذا الحجم لكل من المملكة المغربية ونظيرتها أمريكا اللاتينية وفي خضم الزخم السالف الذكر، لتحتاج إلى دفع قوي لتعزيز التعاون الإقتصادي والتنموي وتثمين روابط الشراكة الإستراتيجية بين الجانبين .

ومن هنا يأتي إختيار مدينة وجدة لإحتضان لقاء خلال النصف الثاني من شهر دجنبر الجاري بحضور وفد عن أمريكا اللاتينية بدعوة من رئيس مجلس جهة الشرق ، حيث سيطلع الوفد المذكور على الإمكانيات التنموية والإقتصادية الهائلة التي تزخر بها جهة الشرق والتي لن تكون إلا نقطة البداية للإنفتاح على باقي جهات الممكلة الشريفة ، وفي نفس التاريخ المذكور سيتم الإعلان عن هيكلة منتدى رجال الأعمال أمريكا اللاتينية- المغرب، وكذا الإعلان عن تأسيس خمسة غرف تجارية، ويتعلق الأمر بغرفة التجارة المغربية الأرجنتينية، والمغربية الباراغوانية والمغربية المكسيكية والمغربية البيروفية والمغربية الشيلية ، كما سيتم تسطير برنامج لتبادل زيارات رجال الأعمال من الجانبين ، وكذا الإعلان عن تنظيم معرض دولي خلال شهر أبريل 2019 بمشاركة المئات من المستثمرين ، معرض ليس للمال والأعمال فقط وإنما لدعم شروط التلاقح الثقافي والحضاري مع إستحضار تثمين الرأسمال اللامادي .

وقد عبر صناع القرار السياسي والإقتصادي في العديد من دول أمريكا اللاتينية وعلى رأسها فنزويلا وكوبا عن دعمهم  لهذه المبادرة الإستثنائية وتهييئ جميع الظروف لإنجاحها وتعزيزها في سبيل بناء علاقات رابح رابح ، خاصة وأن لهذه الدول قناعات راسخة بالطفرة النوعية التي حققها المغرب منذ إعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين .

وبدون شك فإن هم الدفاع عن المصالح العليا للوطن سيكون حاضرا بقوة في خضم نسيج هذا البناء التشاركي التنموي والثقافي ، وذلك من خلال محاصرة الكيان الوهمي الذي لازال يقتات من رواسب صراعات الحرب الباردة .

فعلا  أول الغيث قطر ,, فبعدما أثمرت ندوة الهجرة وتثمين الرأسمال اللامادي المنظمة بوجدة خلال شهر شتنبر الماضي ، فكان لهذه الفكرة التي بدأت جنينية ما بعدها ، وتحول الحلم إلى حقيقة وتحولت الحقيقة إلى فعل راسخ توجته مشاورات واتصالات دولية على أعلى مستوى فتحقق المبتغى بتأسيس منتدى لرجال الأعمال أمريكا اللاتينية- المغرب .

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة