حَضْرة مَعاليه وقارئة الفنجان

د. عبد الإلـه الربون

توقفت السيارة الفخمة رباعية الدفع أمام باب عمارة في شارع من شوارع الرباط الكبرى ، كان الوقت متأخرا جدا . ترجّل عنها رجل يبدو من هيئته والهالة التي تحيط به أنه مسؤول كبير تحلق به حراسه تحلق السوار بالمعصم . اتجه الجميع إلى داخل العمارة ، اخترقت أصوات وقع الأحذية على درجات السلالم هدوء المبنى صعد الجميع إلى الطابق الثالث نقر أحد الحراس على الباب رقم  تسعة نقرا خفيفا، فتحت الباب خادمة في مقتبل العمر يبدو عليها أثر النعاس. بادرها الحارس بصوت خافت قائلا : _أخبري الحاجة بأن معاليه قد جاء حسب الموعد.

دون أن تنطق بكلمة اختفت الخادمة داخل الشقة لتعود بعد برهة قائلة :

_الحاجة تقول : تدخل  أنت ومعاليه وباقي الحراس ينتظرون على باب العمارة.

لم يأبه أحد لفظاظة الخادمة ، دخل معاليه وحارسه  واتجها إلى صالون جميل تجلت فيه كل معالم الصناعة التقليدية الأصيلة من فرش وسجاد وستائر… . جلس معاليه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة حاول من خلالها أن يخفي ارتباكه والحرج الذي يشعر به وهو في ذلك المكان .تجنب النظر إلى حارسه لعله يتفادى سهام نظراته التي تطرح ألف سؤال وسؤال. مضت الدقائق عليه وكأنها ساعات طوال لا تنتهي، ظهرت الخادمة فجأة في الصالون وتوجهت بالحديث إلى معاليه :

_لآلة الحاجة ترحب بكم سيدي، وتدعوكم بالتفضل للقائها لوحدكم إذا سمحتم

حاول الحارس الشخصي أن يعترض على كلام الخادمة لكن معاليه منعه بإشارة خفيفة بيده، ثم انطلق يتتبع خطوات الخادمة إلى أن وقفا أمام باب غرفة قد طلي بلون أخضر داكن. طرقت الخادمة الباب بلطف فتحته وأشارت إلى معاليه بالدخول، كان ضوء الغرفة خافتا فلم يستطع معاليه أن يتبين محتواها، ولكن سرعان ما تعودت عيناه على ضوء الغرفة وبدأت تتجلى له معالمها بوضوح. كانت الغرفة متوسطة المساحة يغطي أحد جدرانها دولاب خشبي كبير, وقد فرشت أرضها بسجاد أحمر من الصوف الخالص أحس بسمكه تحت قدميه وهو يخطو إلى وسط الغرفة بخطوات محتشمة، سمع صوتا نسائيا رخيما يدعوه إلى التفضل بالجلوس

_مرحبا بكم سيدي، زارتنا البركة

رفع معاليه رأسه قليلا إلى الأعلى لتقع عيناه على امرأة في الستينات متلحفة برداء أبيض وعلى رأسها عصابة وفي عنقها عقد ذهبي تتوسطه جوهرة مرصعة باللؤلؤ والحجر الكريم. كانت المرأة لا تزال تحتفظ بكل أمارات جمال  الأنثى، جلست قبالة معاليه ونظرت إليه بعينين متفحصتين تحاول كشف ما تستره بذلة معاليه الفاخرة من أسرار. قال لها معاليه وهو يتلعثم قليلا :

_الحقيقة أنها أول مرة أزور فيها بيت شوافة وهذا عند عائلتي من المحرمات، لا أدري كيف وصلت إلى هنا، المهم إني هنا.

قاطعته الحاجة محاولة طمأنته :

_سيدي، يزورني في هذا البيت المتواضع شخصيات سامية، وأطر عليا ورجال أعمال كبار. ورؤية الطالع يا سيدي ليست من المحرمات إنما هي محاولة لمعرفة ما تخبئه لنا الأيام فقط ، ومع هذا وذاك فالغيب لا يعلمه إلا الله ، إنما نحن سبب من الأسباب. أحس معاليه بزلة اللسان وأراد أن يستدرك الأمر قائلا :

_أردت فقط أن أقول بأني لست معتادا على زيارة مثل هذه البيوت.

عقبت الحاجة بلطف :

_على كل حال أهلا وسهلا بكم سيدي.

استجاب معاليه لترحيب الحاجة بإمالة خفيفة برأسه. طرق الباب وإذا بالخادمة تدخل الغرفة وفي يدها صينية من نحاس خالص كأنها جمرة متوقدة وعليها إبريق وفنجان، وضعت الخادمة الصينية على “طيفور” من خشب رفيع نقشت على جنباته رسومات هندسية تنمّ عن مهارة صانعها، مدت الحاجة يدها إلى الإبريق قبضت عليه بأنامل بيضاء كأنها قضبان عاج مرصعة بخواتم من ذهب. صبّت المرأة القهوة في الفنجان وناولته في رقة إلى معاليه :

_تفضل سيدي، بالصحة والراحة.

أخذ معاليه فنجان القهوة من يدها، ثم رفعه إلى شفتيه وما كادت حافة الفنجان تلامسهما حتى ارتعشتا ارتعاشة خفيفة. غمرت أنفه أنسام قهوة طيبة تنبعث من الفنجان. أخذ رشفة ورشفتين، فأحس معاليه بلذة طعم تلك القهوة التي تختلف تماما عن طعم قهوة العصارة التي اعتاد على أخذها في مكتبه، انتبه معاليه إلى نظرات الحاجة وهي ترقب حركاته وسكناته، لكنه انشغل عنها باحتساء القهوة حتى لم يبق منها إلا “التخت” في قعر الفنجان. رغبت الحاجة في الفنجان من معاليه فناوله إياها شاكرا لها حسن ضيافتها .

أخذت الحاجة فنجان القهوة و بحركة مألوفة قلبته على صحنه ووضعته على الصينية، نظر معاليه إلى فنجانه المقلوب وأطال فيه النظر. تزاحمت في خاطره أسئلة كثيرة، ابتسم ابتسامة خفيفة استهزاءً بنفسه : ماذا تفعل أيها المسؤول الكبير وما هذا الموقف المضحك الذي أنت فيه الآن ؟ أبلغ بك الخوف مما هو قادم إلى أن تلتجئ إلى بيت شوافة لتقرأ لك المستقبل في فنجان؟ أنت الذي نشأت وتربيت في معاهد سوس العالمة وزواياها، وتخرجت من دار الحديث وكلية الشريعة ما هذا الذي تفعله أيها الطبيب النفساني، يا من يلجأ إليك الناس لحل عقدهم؟ ماذا سيقول عنك مساعدوك ومستشاروك؟ ماذا ستقول عنك الصحافة إذا ما اقتنصت الخبر؟ الرجل الثاني في الدولة يلجأ إلى بيت شوافة لتقرأ له الطالع

انتبه معاليه على صوت الحاجة وهي تسأله :

_هل في خاطركم شيء سيدي تريدون البوح به قبل أن أقرأ لكم الفنجان؟

همّ معاليه بأن يقول شيئا ما لكنه تراجع قائلا :

_لا..لا..لا شيء.

مدت المرأة يدها إلى الفنجان، عدلته في هدوء وقد إلتفّت حوله أناملها، رفعته إليها وصارت تنظر في داخله.

خطوط ورسوم متشعبة أحدثها “تخت” القهوة في الفنجان، طلاسم لا يفك شفراتها إلا ذو قوة مكين عالم بفن العلامات والرموز. نظرت قارئة الفنجان إلى معاليه بطرف العين خلسة، فإذا هو شاخص ببصره يرنو إليها في لهفة لمعرفة ما يمكن أن يبوح به الفنجان، تعمدت الإطالة وكأنها تريد أن تأجج نار الفضول في قلب زبون من العيار الثقيل، تنهّدت منذرةً بنبإ عظيم. قالت الحاجّة قارئة الفنجان :

_بحياتي يا سيدي المسؤول لم يصبني فنجان بمثل ما أصابني به فنجانك من الذهول. أرى فيه بحارا وجبالا وأودية وسهول، تحار في خيراتها يا سيدي العقول تمدّ إليها بيديك فلا يكتب لهما القبول. أرى فيه فتيانا صرعى وصبايا ثكلى وأنت عن الجميع لاه ومشغول. أرى فيه معاول تبني وأخرى تهدم فلا التي تبني شيّدت ولا التي تهدم تعرف الملل أو الفتور، وأنت بين هذه وتلك واقف مشدوه مسطول، تطلّ من شرفة برج عاجيّ مُتَرْبَسِ البابِ مقفول، قد ازدحمت خلفه أفاعي وتماسيح وعفاريت وغول. أسير أنت يا سيدي المسؤول بين سباع ضارية تنهش في جسد مغدور، وبين شعب غاضب يريد تحقيق الوعد المأمول. أراك يا سيدي المسؤول تائها متخبطا في ليلة مظلمة آخرها مجهول. سكتــت قارئة الفنجان عن الكلام ، رفعت رأسها تنظر إلى معاليه فإذا بجبينه يتصبّب عرقا لهول ما سمع. لقد كان كلام المرأة يصف بكل بساطة واقعه بكل تفاصيله وكأن حياته كتاب مفتوح بين يديها تقلّب صفحاته وتقرأ أسراره دون عناء. أخذ معاليه يراجع كلام المرأة في نفسه وأقرّ بصدق حدسها.

صحيح أن خيرات البلاد في البحار والجبال والأودية والسهول لا تصل إليها يداه ولا يتحكم فيها وإنما هي بأيدي العائلات الكبيرة وغيلان المال والأعمال، وما تبقى منها يوزعه أصحاب المناصب الكبيرة فيما بينهم دون حسيب أو رقيب ، صحيح أن فتيان البلاد أصبحوا صرعى يموتون بالمئات غرَقا في البحر  بعد أن فقدوا الأمل في مستقبل مشرق يوفر لهم الحياة الكريمة. ونحن عاجزون عن وقف هذا النزيف. صحيح أن هناك رجالا تبني وتشيّد مدفوعة بحب الوطن والغيرة على البلاد وأن هناك في المقابل رجالا تهدم بل تصر على الهدم لأنها لا تريد أن تقوم لهذه البلاد قائمة. فالفساد مرتعهم والفتنة مقصدهم وفي هذا وذاك مصلحة لهم. صحيح أني في برج عاجيّ أُطلّ على ما يقع، يداي مغلولتان ومحاصر بأناس تشبه الأفاعي في طباعها والتماسيح في جشعها والعفاريت في مكائدها وحيلها. لقد صدقت المرأة حين قالت بأني في ليلة مظلمة لا يعرف لها آخر. انتبه معاليه على صوت قارئة الفنجان وهـي تسأل :

_أراك مهموما يا سيدي، هل في كلامي شيء أزعجكم ؟

أجابها معاليه وهو يتحاشى نظراتها بقوله :

_لا..لا..أبدا، كنت أتمعّن في كلامك.

_وكيف وجدتموه يا سيدي ؟

_لقد وصف كلامك بالضبط حقيقة ما أعيشه. اعتدل قليلا في جلسته القرفصاء، ثم أضاف قائلا :

_أنا لم آت إليك سيدتي لتذكرينني بواقعي فأنا أعيشه بحلوه ومرّه أعيشه بكل تجلياته، وإنما أتيت إليك  لأستشرف المستقبل ولأعرف ما تخبئه لي الأيام، أتيت إليك سيدتي عسى أن يسعفني فنجانك ببصيص أمل يهديني الطريق في هذا النفق المظلم الذي لا ينتهي.

ابتسمت قارئة الفنجان ابتسامة باهتة حاولت من خلالها أن تخفي استياءها من كلام المسؤول الكبير، ثم قالت بنبرة فيها عتاب :

_عذرا سيدي، هذا فنجان قهوة وليس فانوسا سحريا يصنع المعجزات.

ردّ عليها قائلا :

_وأنا فعلا في حاجة إلى معجزة تخلّصني مما أنا فيه.

عقّبت قارئة الفنجان قائلة :

_لقد ولّى يا سيدي زمن المعجزات. المعجزات تصنعها سواعد الرجال، أمّا الركون إلى العدم فلا يصنع إلا العجز والخنوع والإذلال.

كان لكلام المرأة وقع في نفس معاليه كوقع الصاعقة، اكفهر وجهه واستشاط غضبا وانتفض قائلا :

_في حياتي كلها – وأنا الآن رجل في الستينات – لم أعرف خنوعا أو إذلالا ولا ركعت أمام نائبة من النوائب، لقد تحمّلت مسؤولياتي بكل شجاعة وتاريخي النضالي والسياسي يشهد لي بذلك.

لم تكترث قارئة الفنجان لعصبية معاليه وعقّبت على كلامه قائلة :

_هذا صحيح ولكنّ المسؤوليات تختلف فأنت يا سيدي تحمل الآن مسؤولية أمّة بكاملها.

خفّفّ معاليه من نبرته الحادة وركن إلى هدوئه وكأن المرأة قارئة الفنجان وضعت أصبعها على جرح عميق..تنهّد ثم قال :

_نعم لقد تحمّلت مسؤولية تنوء بحملها الجبال. لم أكن راغبا فيها ولا سعيت إليها قطّ ، أعترف لك أني وقتها لم أقدّر الأمور حقّ قدرها، أظنني كنت في غيبوبة ولما استفقت وجدتُني في بحر لجّيّ ليس له شطآن ، وعلى ظهر سفينة ينازعني في قيادتها أكثر من ربّان ، كل واحد منا يوجّه بوصلته في الاتجاه الذي يراه الأنسب لمصلحته. انتبهت المرأة إلى ما كان يقصد إليه معاليه وسألته قائلة :

_تقصد – يا سيدي – حكومة الأغلبية أليس كذلك ؟

ابتسم المسؤول الكبير في استهزاء وقال :

_بل قولي حكومة “الغلبة” وليست حكومة الأغلبية.

سألت المرأة في حيرة :

_لم أفهم يا سيدي ماذا تقصد بحكومة “الغلبة”.

ابتسم معاليه مرة أخرى وقال :

_المغاربة كلهم فهموا إلا أنا وأنت وباقي قادة الحزب. أغمضنا أعيننا وصممنا آذاننا ولففنا عقولنا في مناديل ووضعناها في جيوبنا ودسنا على كرامتنا بأقدامنا ورضينا بحكومة “الغلبة”. أصبحنا نسود ولا نحكم ويحكمون وليسوا في حاجة إلى السيادة.

زادت حيرة المرأة ، ولم تجد بدّا من السؤال مرة أخرى :

_من تقصد يا سيدي ؟

أجابها قائلا :

_عمالقة المال والأعمال، بل قولي غيلان المال والأعمال. لقد اشتروا مفاتيح بعض الأحزاب وحوّلوها إلى شركات “للماركوتينغ” ، تُلمّع صورتهم أمام الناس وتساعدهم على نهب أموال الدولة والشعب بالطرق المشروعة. لقد تمكنوا من اقتصاد البلاد وأفقروا الشعب، ولم يعد أحد يستطيع منعهم أو حتى الوقوف في وجههم. سألت المرأة معاليه وبشيء من المكر قائلة :

_هل أنت متأكد يا سيدي بأن أحدا لم يستطع الوقوف في وجه من تسميهم بغيلان المال والأعمال ؟

سأل معاليه في استغراب :

_من تقصدين ؟

أجابت :

_الشعب يا سيدي..نعم الشعب. ألم يقم الناس بمقاطعة منتجات كبريات الشركات في البلد.

ردّ عليها معاليه قائلا :

_آه المقاطعة.. نعم المقاطعة أعترف بأنها كانت فكرة جهنمية بل كانت ضربة معلم. منذ المسيرة الخضراء لم يتوحّد المغاربة حول فكرة وينفذونها بمثل تلك الجرأة. لقد كسرت المقاطعة شوكة أكبر الشركات ومرّغت أنوف أصحابها في التراب وزحفوا طالبين التوبة والسماح.

سألت قارئة الفنجان معاليه وقد نكس رأسه ينظر في السّجاد الأحمر.

_ هل أزعجتكم هذه المقاطعة يا سيدي ؟

أجاب بصوت منكسر :

_كم أحرجتنا هذه المقاطعة، وكم أحسسنا بالتقصير وبعقدة الذّنب. نحن الذين اختارنا الشعب للدفاع عن حقه في العيش الكريم خذلناه وأدرنا له ظهورنا. لم نستطع فعل شيء أمام قوة وجبروت وطمع عتاة المال والأعمال. كم كنا صغارا أمام شعب كبير وعظيم.

سألت قارئة الفنجان معاليه في استغراب :

_قد أفهم ضعف حكومتكم وقلة حيلتكم أمام جشع غيلان المال والأعمال كما تسميهم ، ولكني لا أفهم غياب المعارضة ، أقصد يا سيدي أحزاب المعارضة.

ضحك معاليه بملإ فيـه ثم قال مستنكرا :

_المعارضة ؟ كم أنت طيبة يا قارئة الفنجان عن أي معارضة تتحدثين ؟ ليست هناك معارضة لأنه ليست هناك أحزابا قوية تقدر على المواجهة. فهي إما أحزاب خلقتها الدولة كصمام أمان، أو أحزاب تفجّرت من الداخل بفعل الاختراق والصراع على الزعامة، وبالتالي ضعفت وأصابها التّرهل فلا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها أو مقاومة من ينهش في ثوابتها.

عقّبت قارئة الفنجان على كلام معاليه مستنتجة :

_معنى كلامكم هذا سيدي أن المعارضة الوحيدة التي بقيت في الساحة هو الشعب

انتفض معاليه قائلا :

_لا..لا..الشعب لا يمكنه أن يكون في المعارضة، لأن الشعب نفسه هو الذي أوصل أحزاب الأغلبية إلى سدّة الحكم، وبالتالي فهو مساند للحكومة وداعم لها .

سألت قارئة الفنجان معاليه في استغراب :

_إذا كان الأمر كذلك يا سيدي فكيف تفسّر الأحداث التي وقعت منذ فترة “البلوكاج الحكومي” وإلى الآن ، حراك شعبي في مختلف جهات البلاد, وغضب واستنكار في وسائل التواصل الاجتماعي وهجرة شباب بالمئات إن لم نقل بالآلاف، هذا كله يدلّ على عدم رضا الشعب على الآداء الحكومي وأن الأمر فيه خلل كبير يجب إصلاحه.

تغيرت ملامح وجه المسؤول الكبير عندما أحسّ بأن كلام المرأة يحاصره من كل جانب، صار يحرّك يديه بعصبية ثم نظر إليها نظرة حادة وقــال :

_أرى أنك تقرئين “الفيسبوك” و”اليوتوب” وربما “التويتر” أكثر مما تقرئين الفنجان. اعلمي بأن هذه الحكومة كسابقتها لم تدّخر جهدا من أجل إصلاح أوضاع هذا البلد في جميع الميادين. نحن الحزب الوحيد الذي فضّل التضحية بحظوظه في انتخابات 2021 بل وبمستقبله السياسي من أجل أن يعمل لصالح هذا الشعب وهذا الوطن، ويواجه بكل صرامة المفسدين الذين جعلوا من خيرات هذه البلاد كعكة يقتسمونها في ما بينهم.

انتبه معاليه إلى قارئة الفنجان وهي تحدّق فيه باندهاش. حاول أن يهدّئ من روعه قليلا ثم أضاف قائلا :

_نحن وشركاؤنا في الحكومة عازمون كل العزم على إنجاز المشاريع الكبرى المبرمجة، يلزمنا بعض الوقت فقط وبعض الصبر من إخواننا المواطنين. كل شيء سيكون على أحسن ما يرام إن شاء الله.

ردّدت قارئة الفنجان خلف معاليه بصوت فاتر كئيب :

_نعم.. إن شاء الله يا سيدي.

كانت علامات الخيبة بادية على محيّا المرأة قارئة الفنجان لقد وصلت إلى حقيقة مرّة مفادها أن كل ما قاله المسؤول الكبير هو تأكيد لما قرأته في فنجانه.

اخترق صوت المؤذن جدران الغرفة إيذانا ببزوغ فجر يوم جديد. نظر معاليه في ساعته وردّد قائلا :

_ الله أكبر الحـق، لا إله إلا الله محمـد رسول الله.

ثم مدّ يده في جيب معطفه وأخرج منه ظرفا وضعه على “الطيفور”. قام من مكانه واتّجه نحو باب الغرفة وقبل أن يغادرها سمع صوت قارئة الفنجان وهي تودّعه قائلة :

_شكرا لكم سيدي على زيارتكم الكريمة، وأتمنى لكم التوفيق.

ردّ عليها معاليه دون أن يلتفت إليها :

_السلام عليكم .

فتح الباب ووجد خلفه الخادمة تنتظره، قادته إلى الصالون حيث وجد الحارس يغطّ في نوم عميق. أيقظته الخادمة بحركة عصبية، استيقظ الحارس فزعا،  ابتسم معاليه في وجه حارسه وقال لـه :

_هيا بنا أريد أن ألحق صلاة الفجر.

كانت السيارة الفخمة رباعية الدفع لا تزال جاثمة أمام باب العمارة وقد وقف قريبا منها الحراس بجفون مثقلة بالنعاس، وما إن  فطنوا بوجود معاليه حتى هُرعوا إليه ملتفّين حوله، ركب الجميع السيارة. زمجر محركها وانطلقت بقوة كأنها وحش انفلت من عقاله. كانت شوارع العاصمة خالية إلاّ من أجساد منهكة لمشرّدين ينامون على الأرصفة في العراء. تجنّب معاليه النظر إليهم وقد أحسّ بوخز الضمير وانقبضت نفسه لمنظرهم. تحوّل ببصره عنهم إلى الزجاجة الأمامية للسيارة

وأخذ ينظر إلى أضواء الإنارة المنعكسة على صفحة الزجاج وهي تتوالى مسرعة  في سباق لا ينتهي.

غاب بتفكيره في كلام المرأة قارئة الفنجان وفي الحوار الذي دار بينهما. خلص إلى قناعة مفادها أنه أمام حلّين لا ثالث لهما إما المواجهة، وإما الإستقالة. لأن الأمر لم يعد يحتمل أكثر من ذلك. انتبه معاليه على صوت الحارس وهو يقول له :

_لقد وصلنا معاليك.

ابتسم المسؤول الكبير وقال له بصوت خافت :

_لم نتحرك بعــد .

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة