تعليم جامعي مغربي عتيق: واقع قيد التشكل -اختلالات مسطرية وأزمة قيم تنظيمية –

abelبقلم: بلقاسم الجطاري

يشيع الاعتقاد لدى الكثير من المتدخلين أن تشخيص أزمة التدبير الإداري والبحث العلمي بالجامعة أمر متاح بغير جهد، إذ يكفي في تقدير هؤلاء اعتماد نظام الروائز وقراءة الإحصائيات الرسمية والاطلاع على تقارير المؤسسات الدولية المتخصصة في التقييم، للوقوف على مظاهر الخلل التي تعرفها منظومتنا التعليمية “الإدارية والبيداغوجية”على نحو عام.

إذا شئنا التوصيف العفوي للأمور قلنا إن مشاكلنا وأعطابنا كلها ذات طابع استعجالي. لكن هل نجحنا في تجاوز مشاكلنا عندما سلكنا طريق الاستعجال؟ يكفي أن نتأمل ما حصل للبرنامج الاستعجالي الذي بوشر منذ سنوات في قطاع التعليم كي نناصر التريث في تشخيص الاختلالات، والتمهل في اقتراح الحلول. ينبغي أولا استبعاد قضية التدبير الحكومي لقضية التعليم من كل أشكال التجاذب السياسي وخطاب المزايدات. إذ لا يجوز عقلا تنزيل مشروع حزبي أو حكومي (أغلبي) في قطاع التعليم، علما أن عمر الحكومة لا يتجاوز ست سنوات. وهي مدة لا تكفي لجني ثمار المشروع، ولا لتلمس علاماته. ومن ثم لا يكون متاحا أمام المواطنين والناخبين مكافأة الحكومة أو معاقبتها لحظة الاقتراع. قضية التعليم أكبر من أن تحصر في ظل مشروع حزبي ضيق محكوم بتكتيكات ظرفية، وتوازنات، وترضيات.. ولذلك نظن أن الطريق الأقرب إلى الصواب هو مباشرة مشروع وطني كبير يساهم فيه كل المتدخلين، على أن تظل كلمة الفصل في يد متخصصين وأكاديميين.

لنلتفت قليلا إلى موضوع منجزات الإصلاح البيداغوجي الذي بوشر منذ عقد ونيف، فهو موصول إلى سابق الكلام، إن الملاحظة التي ينبغي الانطلاق منها هي عدم قيامه على محفزات داخلية محضة، فهو لم يكن مدفوعا بغايات استراتيجية وطنية مستقلة عن قوى الضغط الدولي، ولا محكوما بمنطق الشراكة على نحو ما تقتضيه الشراكة بمعناها الدقيق. لقد تمت صياغة مشروع إصلاحي في ظل مناخ خاص مطبوع بما ورد في تقارير البنك الدولي الذي تحكمه التوازنات الماكروإقتصادية. لذلك لم يراع الطموح الوطني في خلق تعليم جامعي مغربي عتيق يجر قاطرة التنمية وفق نموذج يستجيب لحاجاتنا ذات الأولوية، كما لم يراهن على تثوير المخرجات، والانتقال بها من مخرجات معرفية محضة إلى مخرجات مهارية قوامها المبادرة والإبداعية وغرس قيم العمل والمثابرة والسلوك المدني.

سيرا في الطريق ذاته، يكفي أن نتأمل العروض التكوينية التي توفرها الجامعة المغربية، وما يتصل بها من طرائق وعتاد وهندسة بيداغوجية، حتى نأخذ صورة عن واقع التعليم الجامعي، وكذا الصعاب التي تعترض الطالب المغربي في مسيرته الدراسية. إن جامعة تكتفي بالتلقين، وتتعامل بمنطق المقرر والمحتويات الدراسية الجامدة، لا يمكن أن تخلق طالبا مبادرا مبدعا مؤمنا بقدراته واثقا من نفسه. ينبغي للجامعة أن تعطي المثال والقدوة، ولذلك يجب عليها أن تتحول إلى مختبر حقيقي يحتضن تجارب طلابية وأنشطة مهنية. لا بد أن نقطع مع التصور التقليدي الذي يجعل العروض الجامعية أنشطة نظرية مفصولة عن الواقع العملي والمهني. ولا بد من التفكير في طرق إعطاء العروض التكوينية محتويات تجريبية في رحاب الجامعة. ينبغي تحويل الجامعة إلى ورش مفتوح قادر على احتضان المشاريع الطلابية في مختلف تجلياتها. ومثل هذا الأمر يحتاج إلى فرق بحث وطنية تهيئ الأرضية العلمية والتقنية والتشريعية اللازمة.

وبيانا نقول إن الكلام ينسحب على كل المؤسسات الجامعية، بما في ذلك كليات الآداب والعلوم الإنسانية، التي توصم مسالكها وشعبها بالافتقار إلى المحتوى التطبيقي أو المهني. وهذا تصور تقليدي أيضا، بمقدورنا تجاوزه إذا حضرت الرغبة والإرادة. إن المسالك المذكورة تستطيع توفير عروض وفرص تدريب في مجالات عديدة داخل رحاب الجامعة، في مجالات من قبيل: الترجمة والصحافة والسياحة وتدبير التراث المادي واللامادي والسينما وغيرها من الفنون فضلا عن الدعم النفسي والاجتماعي… المسألة باختصار مسألة تصور، والمشكلة لا تكمن في طبيعة المسالك وهويتها الأدبية أو العلمية الإنسانية كما تحاول بعض الأصوات أن تذيعه بين الناس، ولو صح الأمر لما أنفقت دول الشمال المتقدم ميزانيات ضخمة في بناء كليات الآداب والفنون والعلوم الإنسانية. المشكلة تكمن في غياب تصور حديث لهذه الكليات يستجيب لمستجدات الحياة الاجتماعية والتقنية.

صحيح أن الجامعة المغربية قد خبرت تجربة المهننة، إذ تم منذ سنوات اعتماد إجازات مهنية عديدة بمختلف الكليات المغربية، وصحيح أيضا أن مجملها فشل في توفير المخرجات المطلوبة. فهل هذه علامة على فشل الورش البيداغوجي المهني؟ ولذلك ينبغي استبداله بورش آخر. الأمور، في تقديرنا، ليست على هذا النحو. وفشل هذه الخيارات المهنية لا يعني فشل خيار المهننة بوصفه محركا جديدا لقطار الجامعة. بل يعني وجود أعطاب أخرى في هذا المحرك، والمطلوب مباشرة مهام البحث عن هذه الأعطاب وإصلاحها بحكمة وروية وليس استبدال المحرك كاملا.

أما ماهية هذه الأعطاب، فمن الصعب الإحاطة بها في هذا الورقة السريعة، لكنها مركبة ومتداخلة، يتصل بعضها بتعقيدات المساطر التشريعية وسوء التدبير الإداري، ويتصل البعض الآخر بوجود مقاومات من داخل المؤسسات الجامعية ترفض التجديد والمبادرة، ومثل هذه المقاومات والعقليات منتشرة في جل المؤسسات العمومية، بعضها يركن إلى التقليد وتنفيذ القرارات بغير حماس بسبب انعدام ثقافة التقدير والتحفيز. وبعضها يفعل ذلك خشية فقده لمكتسبات رمزية أو اعتبارية راكمها بفضل الجمود الذي تعرفه الجامعة.

 

لقد عرف عدد الطلبة الوافدين على الجامعات، حسب تقارير المجلس الأعلى للتعليم، تزايدا كبيرا ما بين سنتي 2014 و2017، ويلاحظ بهذا الخصوص، أن المسالك ذات الاستقطاب المفتوح تحظى بأكبر نسبة من المسجلين، وأن العدد في ارتفاع متواصل. وحسب الإحصائيات دائما، فان نسبة 86,7 بالمائة من مجموع أعداد طلبة التعليم العالي توجهت نحو الجامعات، اي نحو الكليات ذات الاستقطاب الأكبر: كليات الآداب والعلوم الإنسانية، كليات العلوم القانونية والاقتصادية، وكليات العلوم التطبيقية. أما الطلبة الذين يتوجهون نحو المسالك ذات الاستقطاب المحدود (أي كليات الطب، والصيدلة، والهندسة، إلخ) فقد انتقل عددهم من 15,4 بالمائة سنة 2014 إلى 17,4 بالمائة سنة 2016. وهذا الوضع التشخيصي، بقدرما يوضح النمو الايجابي الذي عرفته الجامعة المغربية، فإنه يدفع المسؤولين إلى طرح سؤال الإدارة والتسيير الجيدين لهذه الأعداد الهائلة الوافدة على الجامعة، والقدرة على توفير الجو المناسب لها من حيث الموارد البشرية (أساتذة، موظفون، أعوان، وتقنيون)، والمرافق الضرورية مثل المكاتب الخاصة بشؤون الطالب، المرافق الصحية، المختبرات، المكتبات، السكن الجامعي، الإطعام، الى غير ذلك من الضروريات. وهذا تحد كبير رأينا أن ننبش فيه، من زاوية نريد منها تشخيص بعض مكامن الخلل، واقتراح بعض الحلول التي من شأنها الإقلاع بالجامعة المغربية إلى مستويات أرقى مما هي عليه.

إن تصورنا لعملية الإصلاح يقضي، أساسا، بتجاوز الخلفية السياسية التي توجه القطاع، ونعني النظر إليه باعتباره مؤسسة شبه-تقليدية سماتها الركود، وافتقاد الفاعلية، وإنتاج طبقة اجتماعية من المتعلمين الذين يطغى عليهم التكوين النظري على حساب ما تحتاجه السوق من يد عاملة تتميز بالفاعلية والخبرة. وهذا القول يعني  ضرورة استشعار حساسية القطاع، ولزوم تمتين أواصر العلاقة بينه وبين غيره من القطاعات الأخرى، بصرف النظر عن الحسابات الاقتصادية الضيقة لمدى إنتاجيتها في هذه المرحلة، لأن قصور الإنتاجية راجع إلى واقع يتجاوز إمكاناتها، وهو الواقع الذي نرى بإمكانية تجاوزه من خلال إدراج مشاكلها ومعوقات تطويرها ضمن اهتمامات المؤسسة الجامعية.

يقضي تحديث قطاع التعليم العالي، أيضا، ضرورة خلق فضاء أكثر جاذبية للأفراد طالبي المعرفة؛ وللمؤسسات الإدارية، والسياسية، والثقافية التي تتغذى على المنتوج المعرفي والاكاديمي وتستثمره؛ والشركاء الاقتصاديين مثل الشركات، المصانع، والمختبرات العلمية والتقنية التي لا يمكن فصل دورة إنتاجها عن الجامعة كفضاء خاص بالتكوين النظري والتطبيقي.

وسعيا إلى لعب الدور المنوط بالجامعة وفق التصور الحداثي- التحديثي، نقترح، كفاعلين من داخل الجامعة، مجموعة من النقط التي نعتقد بأهميتها الشديدة، لتحديث آليات اشتغال الجامعة وجعلها فضاءً للإشعاع العلمي والثقافي الفاعل والفعال،ومساهمة بقوة في مشاريع التنمية الوطنية الشاملة:

1-     ضرورة إعادة النظر في منهج التدبير  الجامعي .

يمكن القول أن الظهير المؤسس واضح من خلال ما يسطره من أدوار ومهام وواجبات، وليس هناك أي إشكال فيما يخص ما جاء به في ما يخص شكل هرم البنية الإدارية التي تنبني عليها باقي الهياكل المختصة في تسيير مؤسسة مثل الجامعة، إنما يظهر القصور واضحا، في عدم سعي المشرع الموازي، الذي من أدواره البارزة إيجاد القواعد، والقوانين، والآليات، والسبل التي تساهم بشكل فعال في تمكين الادارة الجامعية ، من منظومة متكاملة الأدوار، تؤدي مهامها بشكل فعال، لا يتنافى والمهام المنوط بها.

وبتأمل المقتضيات التشريعية والتنظيمية، دائما، ومن خلال النظر في التركيبة الإدارية، على المستوى السطحي، تبدو وكأنها منسجمة مع مقتضيات القانون المؤسس والواقع اليومي. بل يمكن الحكم عليها، في إطار نظري محض، على أنها صيغة عملية، وبمقدورها أن تسهم بشكل فعال في تسيير شؤون أي مؤسسة جامعية بشكل واضح ودون أي تعثرات في المسار. لكن، إذا ما عدنا إلى واقعنا الذي تتحكم فيه متغيرات كثيرة لا علاقة للقانون وأنظمة التسيير بها، سنجد أن العقليات والطباع، في إطار غياب هياكل مراقبة وتنسيق، تؤدي بهذه القوانين والإجراءات إلى عدم تحقيق المردودية المرجوة والنتائج المبتغاة، حيث أنها تعرقل العديد من المشاريع وتسهم في نشر جو من الركود العام. وهنا نرى أنه يجب طرح التساؤل التالي: إذا كانت الجامعة تنبني على إطار تنظيمي-قانوني واضح، لكنها تعاني من مشاكل، ومردوديتها تبقى ضعيفة إزاء التحديات التي تم رفعها، فأين يكمن الخلل؟

الجواب على هذا السؤال، من منظورنا الخاص وتجربتنا المتواضعة، لا يكمن في التشريعات والأنظمة المهيكلة للمؤسسة الجامعية، إنما هو مشكل ناتج عن كون بعض العقليات التي تُمنح سلطة تسيير المؤسسات الجامعية، لا تفهم معنى التسيير إلا من خلال عقلية كلاسيكية لم تستطع لحد الآن، رغم التجربة والممارسة، أن تستوعب المقاربة الحداثية للتسيير المالي والإداري، التي ما فتئت الكثير من التشريعات الوزارية (قوانين، وقرارات، ومذكرات)، تَحثُ عليها بشكل متواصل، دون أن تجد أذانا صاغية  لمراسلاتها التي تنتهي، غالبا، داخل الرفوف، بذريعة عدم ملاءمتها للوضع/الواقع.

من هنا، يغدو واجبا اعتماد مقاربة الالتزام بدفاتر تحملات واضحة تخص الجوانب الإدارية، والمالية، والبيداغوجية، ونهج مقاربة مضامين مشاريع العمل، وزرعها ضمن مجال السلطة، وذلك من أجل تفعيل مفاهيم من قبيل: الجودة، الحكامة، حسن التدبير، والانفتاح على المحيط.

2-   الآفاق العلمية للجامعة، ودور الباحث الجامعي:

للتذكير فقط، ومن أجل عقد مقارنة مباشرة بالواقع، نجد النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، ينص في الجزء الأول منه، باب الأحكام العامة، في المادتين 2 و 3 على ضرورة اعتماد مبدأ الحياد في إطار تحديد أدوار، وواجبات، وحقوق، ومهام أطر هيئة التدريس والبحث بالجامعة، إلا أن الواقع المعاش يؤكد وجود، معطيات عكس ما يحدده المشرع ويهدف إليه القانون. إذ يمكن الجزم بأن الواقع يخالف ما جاء به المشرع جملة وتفصيلا على مستوى جميع أبوابه، ولابد أن هذا يحصل في إطار غياب تصور يعالج بعض الوضعيات المخلة بالقانون والتي صارت عُرفا لدى بعض المشتغلين بالجامعة، لا سيما الذين يطغى عليهم طابع التفرغ للمصالح الشخصية، على حساب أداء المهام والواجبات في مجال الاشتغال.

وللإشارة فإن المهام الموكولة لهيئة الأساتذة الباحثين، كما تنص عليها المادة 4 من النظام الأساسي الخاص بهذه الفئة، تحدد مهام الأستاذ الباحث بشكل دقيق، ومن هذه المهام: المساهمة في إعداد برامج التعليم والتكوين والسهر على تنفيذها في شكل دروس رئيسية وأعمال توجيهية وأعمال تطبيقية / القيام، متى استلزمت الحاجة ذلك، وبتعاون مع الأوساط المهنية، بتحيين مضامين ومناهج التعليم / تنظيم وتوزيع حصص التعليم داخل الشعب أو المجموعات البيداغوجية وفقا لأحكام المادة 5 بعده / تقييم ومراقبة معلومات ومؤهلات الطلبة والمساهمة في الحراسة وفي لجان الامتحانات والمباريات / المساهمة في تنمية البحث الأساسي والتطبيقي والتكنولوجي وكذا الرفع من قيمته…

وبناء على مضمون هذه المادة، وانسجاما مع الغايات التي تؤطر تفاصيلها، يمكن صياغة مقترح تشريعي ومعرفي، من أجل حل مشكل الانحياز في التدبير الاداري على مستوى البحث العلمي، وهنا يمكن استحضار التجربة الأمريكية في هذا الباب، ومبدأ Publish or Perish، الذي يمكن ترجمته كما يلي: “إما نشر الأعمال العلمية والأبحاث أو مغادرة الجامعة.” ففي الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا مسجل بموجب قانون، لا يمكن لأي كان أن يتقلد منصب أستاذ مدرس ويستمر في أداء مهامه إلا إذا واكب أداء مهامه البيداغوجية والعلمية بعملية متواصلة من البحث والإبداع العلمي ونشرها. ناهيك عن أن مناصب المسؤولية من داخل الجامعة، لا يمكن الولوج إليها إلا بشروط علمية وموضوعية صارمة جدا، تعطي الأولوية للبحث العلمي والفعالية في الوسط الأكاديمي على حساب باقي المهام والانشغالات التي يمكن أن تندرج ضمنها أنشطة المترشح. فالفعالية العلمية، والنشاط البحثي المتواصل، والإشعاع البيداغوجي، والتأطير العلمي للخريجين من الطلبة، والمشاركة في الورشات العلمية، هي أول وآخر الشروط التي يمكن أن تسمح لأي مترشح ولوج عالم المسؤولية الإدارية والعلمية بمؤسسة بحث علمي وتأطير أكاديمي.

ختاما، يبدو من البديهي القول باستحالة حصر جميع مهام الجامعة وإشكالاتها في مقال موجز، والحقيقة أن أقصى أمانينا أن نؤسس لمسار النقد والتقييم من منظور غيرة حقيقية عن الوضع الجامعي بالمغرب، وأن نحفز الباحثين للمساهمة في النقاش بهدف  تجاوز بعض المشاكل والاختلالات التدبيرية التي تعاني منها الجامعة المغربية، ومن ثم الرقي بها إلى مصاف الجامعات الدولية ذات الإشعاع والجاذبية.

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة