واحة فجيج : تصميم التهيئة الجديد بين تطلعات المواطنين و اشكالية النصوص القانونية الملزمة له

التهيئة

يتميز المشهد العمراني في بلادنا بخاصية التنوع ،حيث تمتد عبر التراب الوطني المدن العتيقة-التاريخية و المدن الحديثة العهد و الواحات بقصورها و قصباتها ،كما تمتد العديد من المراكز و المداشر في المناطق الساحلية و الجبلية ،الى جانب انتشار ظاهرة أحياء الصفيح و السكن غير اللائق الذي ينشأ و يمتد في غالب الاحيان بضواحي المدن ،و تختلف نشأة المدن و تطورها في بلادنا من منطقة لأخرى ،بعضها عرف نموا سليما بفضل المواكبة المستمرة للمصالح المختصة ،فحافظت على جماليتها و خصوصيتها ،تعكس قوة و قدرة السلطة الحاكمة ،و المستوى الحضاري الرفيع الذي بلغته ،و روح ابداع الصانع المغربي …في حين شهدت مدن و مراكز أخرى تحولات كبيرة ،و لم تخضع لأي توجيه و لا معايير ،فانعكس ذلك على المشهد العام لعمارتها و مساكنها ،والحق بها تشوهات و عيوب تجسد العشوائية و الفوضى و فساد الذوق في التعمير. لذلك وضع المشرع وثائق قانونية للتعمير، و مخططات لتوجيه التهيئة العمرانية، تحدد قواعد البناء الخاصة بكل منطقة

وكما هو معلوم ، فدراسة تصميم التهيئة تمر بعدة مراحل ، كالتشخيص  و التحليل الاولي و فتح المشاورات حول المشروع ، و الاسترشاد بالآراء النيرة، ثم تأتي مرحلة البحث العلني ومداولات المجلس المحلي ،و تدوين كل الملاحظات و تقديم الاقتراحات ..وفي حالة وجود صعوبات محتملة لتنفيذ أحكام تصميم التهيئة، تقوم الجماعة بمراسلة الجهات المختصة طبقا للقوانين الجاري بها العمل. و من هنا تبرز أهمية اتخاد التدابير و الاجراءات الوقائية لضمان النمو السليم للمدن و المراكز، و ذلك من خلال تهيئ تصاميم النمو و التهيئة العمرانية، تستحضر خصوصيات كل منطقة، و تحرص على انجاز دراسات حول التهيئة و اعداد التراب ، تراعي جمالية المشهد في البنايات ،و ذلك من خلال تنظيم ورشات و منتديات وطنية تشارك فيها مختلف المؤسسات و المصالح المعنية.

 مناسبة الحديث عن هذا الموضوع ، هو وضع اللمسات الاخيرة على مشروع  تصميم التهيئة لواحتنا في نسخته الثانية ، مرفوقا بمرسوم رقم : 46-12-2 (ربما مقيدا أو ملتزما بمقتضيات المرسوم ) ، نذكر ان تصميم التهيئة الأول تم تطبيقه منذ سنة 2004 الى سنة 2014، و لا زال في واقع الامر ساري المفعول الى الآن، في انتظار جاهزية التصميم الجديد الذي سيؤطر المشهد العمراني و مجال البناء لعشر سنوات المقبلة، و للمساهمة في مناقشة هذا الموضوع الحيوي، الذي سيحدد مصير و مستقبل الواحة في مجال التعمير ،فهناك بعض الملاحظات و الاقتراحات على تصميم التهيئة ،في أفق اجراء ( تهييئا أو تمهيدا للمرحلة المقبلة مرحلة البحث العلني) البحث العلني، وخاصة المقتضيات التي جاء بها المرسوم رقم :46-12-2 و الذي صدر في 29 ماي 2012 و نشر في الجريدة الرسمية رقم 6056 الصادرة في 14 يونيو 2012 و الذي يقضي بادراج موقع واحة و قصور فجيج في عداد الآثار، و أبدأ بطرح بعض التساؤلات

–          ماهي خصوصيات الواحة الفجيجية ؟ ماذا بقي من تراثها المعماري و غابات النخيل ؟ ماذا نريد أن نجعل منها ؟ ماهي القيمة المضافة من ادراج موقع واحة و قصور فجيج في اعداد الاثار ؟ ماهي الصيغة المناسبة لتحقيق الاهداف المتوخاة من المرسوم و مقتضياته ؟ما نوع التنمية التي تنتظرها الساكنة ؟ و اين يوجد المستقبل الاقتصادي للواحة ؟ ما هو اختيار ساكنة فجيج :هل الحفاظ على تراثها المعماري و تثمينه كرافعة لتنمية المجال الواحي المحلي ؟ أو ابداله بمشهد حضاري جديد يتماشى مع متطلبات العصر؟ أم اختيار نموذج يعتمد على الوسطية في هندسته و يحافظ على المبادئ الأساسية للواحة ،مع ادخال ما يتناسب مع متطلبات العصر ؟

من مميزات واحة فجيج ، انها تقع في منطقة حدودية معزولة ،خضع مجالها الحيوي منذ اقرار الحدود السياسية مع الجزائر لعدة ترتيبات ادارية ،أثرت بشكل سلبي على نموها و تطورها ،فتراجعت مساحتها ، و فقدت ممتلكاتها و عمقها الاقتصادي، و تحولت من ماضي متألق من حيث امتداداته الجغرافية و البيئية ،و تراكماته التاريخية الى حاضر يتقلص باستمرار ،يتسم بالركود و الهامشية و الى مجال ميت ،و في غياب أي قاعدة اقتصادية ،أو بنيات تحتية لتشجيع الاستثمار و استيعاب اليد العاملة ،أصبحت المنطقة تعرف نزيفا ديمغرافيا بسبب الهجرة الخارجية و الداخلية ، لم تشهد له مثيلا ،و كانت لهذه التحولات اثار سلبية ،و انعكاسات وخيمة على التراث المعماري ،خاصة النسيج القديم ،و تحولت معظم القصور الى خرائب و أطلال ،و تراجعت القيمة الفعلية للحمولة التراثية و الثقافية ،و بدأ الاسمنت المسلح يزحف على البنايات القديمة ،و يغير ملامح العمران و الطابع الأصيل للواحة مما جعل عدة معالم تاريخية تصبح في خبر كان ؟…. في ظل هذه الظروف ،صدر المرسوم رقم 64-12-2 الذي ينص على ادراج واحة و قصور فجيج في عداد الاثار ؟

فما هي المقتضيات التي جاء بها المرسوم ؟ و هل يمكن لها معالجة الاختلالات و المشاكل المطروحة ؟

–          يتضمن المرسوم المشار اليه : احدى عشر مادة ،ستة منها و هي :(2 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9) تبتدئ بالعبارات التالية :لا يمكن ،لا يجوز لا يسمح ،لا يحق ،يمنع ..أما المادة (1 و 2) و الخاصة بتحديد النطاقات المثقلة بالارتفاقات ،فهي بدورها تدخل في خانات الممنوعات : منع البناء ،تحديد العلو ،أما بالنسبة للمادة :9 و 10 فلا تسمح بمباشرة أي عملية ترميم الا بعد الحصول على موافقة مفتش المعالم التاريخية ؟

–          قراءة المرسوم:

عندما نتأمل فقراته ،و المضمون الذي جاء به ،نلاحظ انه يستعمل مسطرة الصيغة القطعية من حيث الاجراء ،و لم يفسح المجال لأي شكل من أشكال التصويب أو التقويم و التدخل ،لمعالجة الاختلالات المطروحة ،و تعامل مع المجال و كأنه نطاق جامد ،و هذا يتناقض و طبيعة الانسان الواحي الذي يتميز بالحركة الدائمة في تدبير المجال ،و السعي باستمرار لكسب قوته الذي يسله من الصخر و من الرمل ،ويعمل على خلق شروط الاستقرار، و التأثير و التأثر بمحيطه ..و انطلاقا من تجربة المجلس الجماعي في تعامله اليومي مع مقتضيات المرسوم و محاولة تطبيقه ،استجابة لطلبات ترخيص الترميم أو الاصلاح داخل القصور أو طلبات استغلال الحقول البساتين نستنتج ما يلي:

  • صعوبة انجاز  أشغال الترميم أو الاصلاح داخل النسيج القديم ،حسب ما تقتضيه شروط مواد المرسوم .
  • استحالة التوفيق بين اجراءات الاصلاح حين التدخل ،و احترام الأهداف المنصوص عليها في المرسوم.
  • تجريد الواحة داخل منطقة النخيل ،من وظيفتها الاساسية كمصدر للعيش و التعامل معها كمجال جامد.
  • طول انتظار البت في طلبات المواطنين للحصول على الترخيص ،بسبب بطء الادارة و تدخل عدة اطراف في العملية و هي : الجماعة و مفتشية المعالم التاريخية.
  • منح مهمة اتخاد القرار لمفتشية الاثار التي تبعد جغرافيا عن المنطقة و تجهل الواقع المعيش للواحة ،و تتخد قراراتها بناء على الملفات التي تعرض عليها ،و قد تجانب الصواب لأنها لا تقوم بزيارات و لا معاينات ميدانية لتقف عن كثب على حقيقة الوضع.
  • ما معنى أن تتوقف سلطة الجماعة على رفض او قبول ادارة المفتشية ،التي تحول المجلس الجماعي الى مجرد وسيط و ساعي البريد بين المواطن و المفتشية ؟

استنادا على هذه المعطيات ،و ما تعرفه البنية العقارية بالواحة من تعقيدات سواء في النسيج القديم ،اوعلى مستوى الأراضي الجماعية ،بسبب مشاكل الارث و الغلاء الفاحش و صعوبة العيش ،و ضعف القدرة الشرائية  و انتشار مظاهر الفقر …وحتى لا تتحول الواحة الى مزار، و يحكم عليها بالجمود و الركود ،فالواقع يفرض على الجهات المسؤولة اعادة النظر في المرسوم  و في نطاقه الجغرافي، و دلك عن طريق البحث عن مخرجات توفيقية تمكن المواطنين من الحفاظ على التراث العمراني للقصور ،و تفسح المجال لممارسة بعض الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية ،و لتحقيق هذه الاهداف نقترح :

  • تقليص المناطق التي يشملها المرسوم ،خاصة تلك التي تجاور القصور لأنها حديثة العهد ،و لا تكتسي اي بعد ،تراثي و لا تاريخي .
  • ان ادراج مجمل القصور القديمة ضمن مقتضيات المرسوم ،سيطرح عدة صعوبات و مشاكل من حيث التطبيق العملي ،لأن  ترتيب الواحة ،كتراث و طني جاء متاخرا ،على ما يزيد من ثلاثين سنة ،فكل القصور و بنسب متفاوتة اصبحت تتكون من ثلاثة مناظر و أشكال متناقضة :

المنظر الاول :على شكل بنايات اسمنتية ظهرت بعد عمليات الترميم أو اعادة البناء ،استعملت فيها مواد حديثة قبل صدور المرسوم .

المنظر الثاني: كتل من التراب على شكل خرائب و بنايات مهجورة لم يبق منها سوى أطلال تحكي عن الزمن الغابر ..

المنظر الثالث : يتكون من المساكن القديمة التي لا تزال على رونقها ووظيفتها و طابعها الأصيل، و للحفاظ على هذا النوع من الدور السكنية ،و استجابة لبعض الشروط التي تفرضها قواعد النظافة و التهوية المناسبة لبعض الغرف والسواري ، من أجل استغلال بعض التجهيزات الحديثة :كالتلفاز و الانترنيت و كل ما يمكن أن يساعد على خلق أسباب الراحة ،أقول ،لا بد من مرونة في التعامل مع مقتضيات المرسوم ،مع الاحتفاظ على شكل الأزقة و الممرات العمومية ،و الاحتفاظ بالمظهر الخارجي .

  •  تحديد النطاقات التي لها قيمة ،في كل قصر ،سواء من الناحية التاريخية او لها أهمية دينية او ثقافية ،أو ترتبط بذاكرة الواحة ،و احاطتها بنوع من الرعاية و الاهتمام و صيانتها من التدهور و الانهيار.
  • تعديل المادة التي تمنع استغلال الحقول لغرض السكن ،بالترخيص باستعمال نسبة محددة من المجال المتاح ما يصطلح عليهالقسم التقني        COS ( Coefficient de l’occupation du sol )  و اشتراط نوع خاص من البناء، كاستعمال المواد الطبيعية في البناء، سواء المحلية منها او التي يمكن جلبها من مناطق اخرى، و استعمال نظام مغلق و مستقل للتطهير السائل، يعتمد على اعادة تدوير المياه العادمة و استغلالها في السقي،  و الانارة باستعمال الطاقات المتجددة سواء كانت ريحية او شمسية ،فالتجربة في الميدان اثبتت نجاح هذا النوع من السكن في حل مشاكل السكن ،واعادة الحياة الى الحقول التي تعرضت للإهمال، و تراجعت و اختفت أشجارها ،و تحولت الى أراضي قاحلة ، و هو المصير الذي تسير اليه معظم البساتين بالواحة القديمة لا قدر الله ، وستصبح فجيج مثل واحة ايش ؟ التي هجرها سكانها …

خلاصة:

نحن الان امام تصميم تهيئة و مرسوم ينص على:

–          منع البناء في الواحة

–          ابقاء القصور كما هي و لا يمكن تغيير أي شيء.

–          انتظار الموافقة من مديرية الاثارالبعيدة جغرافيا عن الواحة،

من المؤكد أن تنفيذ هذا المرسوم سيصعب على المواطن الامتثال له ،لأنه جاف ،و لم يراع خصوصيات الواحة ،و لا الظروف الاقتصادية والمادية لشريحة اجتماعية عريضة ،و لن يؤدي الأهداف المنتظرة منه، و اذا ما بقي على ما هو عليه  ،فلاشك انه ستترتب عنه مخالفات و عقوبات زجرية، و مشاكل بين المواطن و الادارة ،و اذا كنا نريد من هذا المواطن احترام قواعد التعمير و الحفاظ على الواحة و التراث ، فالانسان هو جوهر هذا التراث و محوره ،و العمران هو انتاجه البارز الذي يمثل الذاكرة الظاهرة للأحداث التاريخية ،كما فعل الاباء و الأجداد ،الذين عرفوا كيف يدفعون المضار بالحماية، و يجلبون المنافع ،و تسهيل المرافق حسب تعبير ابن خلدون ، فالى جانب الممنوعات التي نص عليها المرسوم ، فما هي الاجراءات المسموح بها ؟؟ كمقابل للمنع ؟ يجب فتح الافاق أمام المواطن ،وذلك عبر خلق بدائل ،و توفير الوسائل و الاليات لمواكبة بنود المرسوم ،كوضع برامج العمل ،و تنظيم حوارات مع المجتمع المدني،و تعبئة الفاعلين المحليين للمساهمة في تأطير الساكنة ،و خلق أنشطة موازية ،من قبيل تشجيع المقاولات المختصة في أشغال الترميم و الاصلاح ،تعتمد على استعمال المواد المحلية ذات خصائص تمكنها من مقاومة التغيرات المناخية ،و تستجيب للذوق و راحة النفس ، كما يمكن خلق شراكات بين الجماعة و مختلف الادارات ،و تحفيز العائلات عبر تخصيص منح مادية ،و وضع  كناش التحملات في هذا  الاطار.

فإذا كانت تجربة التدخل في قصر الوداغير غير مشجعة، بل فاشلة ،و عبارة عن un maquillage   ، فالتجربة بقصر زناقة كانت ايجابية ،يمكن تطويرها من اجل اداء أحسن ،و بالمناسبة ،نستحضر تدخلات منظمة africa 70 مشكورة ،التي ساهمت في دعم و مساعدة الجماعة في هذا الباب ، و قامت بتأطير و تكوين بعض الشباب المتعلمين و تقنيي الجماعة ،و من خلالها استفادت عدة أسر من خبرة هذه المنظمة ،في اصلاح و ترميم منازلها ،يبقى أن أشير الى الوضعية الحالية للبناء و التعمير بالواحة فانه يبعث على القلق.. فالأوراش واقفة ،و طلبات الترخيص تراوح مكانها ،و هدا الوضع  خلف نوعا من الاستياء و التذمر، لذلك يجب على الجهات المعنية أن تبادر لمعالجة الواقع.. و لنا عودة ان شاء الله الى الموضوع .

قراءة في تصميم التهيئة السابق لجماعة فجيج

يمكن الحديث عن الاكراهات التي عاشها المجلسان الجماعيان السابقان  و معهما المواطنون من جراء الفراغ القانوني الذي عرفه تصميم التهيئة السابق على مستوى النسيج العمراني القديم حيث أشارت المادة 12 من ضابطة التهيئة المرافقة له بان أي تدخل أو هدم أو ترميم أو إعادة بناء أو…في هذه المنطقة سيكون موضوع الدراسة المعمارية لقصور فجيج و التي لم تخرج ابدا للوجود حيث بقي هذا المجال الحساس من جراء ذلك ينتظر نصا قانونيا ينظم التدخل فيه مما فتح المجال للبناء العشوائي بدون أي  ترخيص و غالبا ما كان يتجسد في هدم المنزل القديم و إعادة بناء منزل جديد مكانه بالمواد الحديثة.

إضافة الى مشكل الواحة حيث يسمح بالبناء فيها بمرأب مساحته 30 متر مربع بالمواد الحديثة

اضف الى ذلك الأخطاء الواردة فيه من حيث التنطيق سواء في مجال الواحة او القصور حيث تم تحديد مناطق مجاورة للقصور أنها نسيج عمراني قديم و هي غير ذلك كما هو الشأن بالنسبة للواحة . و هذا التنطيق اعتمدته وزارة الثقافة في تحديد مجاليهما أثناء وضع مرسوم الترتيب المذكور أعلاه.

  1. تطلعات المجلس الجماعي لفجيج و معه الساكنة من خلال تصميم التهيئة الجديد.

ان الاكراهات و المشاكل التي عرفها تصميم التهيئة السابق للمدينة و التي ألزمت المجلس و معه الساكنة بالامتثال لمقتضياته جعلتهم يعقدون أمالا كبيرة على تصميم التهيئة الجديد فاذا به يستمد نطاقا واسعا من مقتضيات التصميم السابق بحكم مرسوم الترتيب اعتمد في تطيق مجال الواحة و القصور من هذا الأخير.

   ع. الفجيجي

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة