نحن لا نستجدي

apostسليمة فراجي 

من منا لم يحلم بالتكامل المغاربي ونبذ التشنجات التاريخية لفسح المجال امام مستقبل يوحد أشقاء  جمعتهم رابطة الدين واللغة والعلاقات الدموية والتاريخ النضالي المشترك ؟ ولعل  الخطاب الموجه بتاريخ 20 غشت 2016 من طرف الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب والإشارة الى ارتباط المغرب بمحيطه ليعد تشخيصا للوضع المغاربي، انطلاقا من تاريخ مشترك مبصوم بتضامن  المغرب المطلق عبر التنسيق بين  قيادات المقاومة المغربية وجبهة التحرير الجزائري ، بالاضافة الى المساعدات القيمة التي قدمها المغرب للجزائر من اجل الحصول على استقلالها ،  علما ان سكان مدينة وجدة والمدن الحدودية يتذكرون قبل 1962 تاريخ استقلال الجزائر جميع  المساعدات  المادية والمعنوية المقدمة ، والتفاني في مد يد العون واستقبال الجنود  الجزائريين وإيوائهم ، مواقف إنسانية ووجهت بجزاء سنمار ، كنا نعتقد انه سيتم ربط الماضي بالحاضر والتحلي بروح تضامنية من اجل رفع التحديات التنموية والأمنية المشتركة ، لذلك تعالت بعض أصوات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية مؤخرا ،تندد بالإغلاق المستمر للحدود وتطالب بفتحها ،وان تعذر ذلك على الأقل فتح معبر للعائلات القاطنة بالمنطقة الحدودية من اجل صلة الرحم ومن باب تغيير المنكر فقط بغض النظر عن المشاكل السياسية ، على اعتبار ان معاناة هذه الساكنة مستمرة  سواء تعلق الامر بمدينة وجدة او مغنية وتلمسان والغزوات والتي تتميز بوجود عائلات مشتركة تجمعها روابط دموية وروابط مصاهرة وهي محرومة من حقها في صلة الرحم بسبب الاغلاق المستمر للحدود ، لكن ألم يفهم البعض في الجزائر و الذي فسر هذه الاحتجاجات انها بمثابة استجداء انها اُسلوب حضاري شعبي يهدف بالأساس الى رفع المعاناة عن أناس يقفون في كلتا  الضفتين  بمناطق الحدود خصوصا نقطة بين لجراف قرب السعيدية من اجل توجيه التحية والسلام عبر الأثير وسط الأسلاك الشائكة والحراسة المشددة ، وكأن بين البلدين ثأر وأي ثأر ، في الوقت الذي  يتجسد فيه العدو المشترك في الجماعات الإرهابية والحروب الأهلية والصراعات والهجرة والفقر المدقع ومختلف آلام شعوب مكلومة تعيش حالة ترويع مستمر ، ولا تكون مواجهة هذه الأخطار المحدقة ممكنة الا بتضامن الشعوب وشد أزر بعضها ببعض.

مدينة وجدة لا تستجدي أحدا ولا تطلب  الصدقة من أحد ، جهة الشرق  صامدة وإذا القينا نظرة سريعة على تاريخ مدينة وجدة يتبين لنا أن الحدود المغلقة هي القاعدة والحدود المفتوحة هي الاستثناء ، لذلك تم التعود على الحدود المغلقة من جهة الشرق وتم التوجه  شمالا وجنوبا،  .. فأدارت مدينة وجدة وجهها إلى الغرب وانفتحت على مدن المغرب الداخلية خصوصا ان الطريق السيار عبر تراب المملكة فك العزلة عنها  واستغنت عمّن سواها في جهة الشرق ، ونفس الضرر الذي خلفه اغلاق الحدود على مدينة وجدة خلّفه كذلك على مدن تلمسان ومغنية وغيرهما منها ركود الحركة الاقتصادية وانقطاع صلة الرحم على الجانبين. لذلك فان اشارة ملك المغرب في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2016 الى ربط الماضي  بالحاضر ، و التطلع لتجديد الالتزام والتضامن الصادق الذي يجمع شعوب المغرب الكبير لمواصلة العمل بحسن نية لمواجهة تحديات المرحلة ، ليعتبر في قمة الحكمة والنضج السياسي والوفاء التاريخي والنبل الأخلاقي خدمة للمصالح العليا للمحيط المغاربي والإفريقي ! نستنتج من ردود أفعال البعض على الوقفات الاحتجاجية والتنديد بالإغلاق المستمر للحدود وما نجم عن ذاك من قطع صلة الرحم ومعاناة ساكنة الحدود بين الجانبين ، الحقد الدفين والغرور الأجوف ، ونؤكد للحاقدين ان يقظة ضميرنا وأسلوبنا  الحضاري المذكي  للروح  التضامنية التي ناضلت من اجل استرجاع الكرامة والحرية  تهدف  بالأساس الى احياء امجاد التاريخ و تحقيق حلم مغاربي يستفيد من تحقيقه مواطنون يصبو جلهم الى تكامل اقتصادي واستقرار وأمن وأمان وصلة الأرحام  ، ولكن اذا لم يفهم البعض هذه الرسائل فان  مدينة وجدة ومنذ الخطاب الملكي التاريخي في مارس 2003 الذي أعطى الانطلاقة للاوراش  الكبرى من طريق سيار وتوسعة المطار وإنشاء المدارس العليا والجامعات ومختلف المنجزات ومحطات البنزين المتعددة ،ومختلف المحطات السياحية ، وجدة جزء من الكل وكل في الكل ،باب افريقيا وباب أوروبا مدينة ألفية انطلقت منها شرارة ثورة الملك والشعب سنة 1953   تصدت لتوغلات الدولة العثمانية والاستعمار ،  وكانت حصنا حصينا لجميع الأطماع التوسعية بفضل بسالة رجالاتها وقبائلها، فعلا كان على الجيلين الحاليين للمغرب والجزائر ان يدركا انهما كانا سيكونان أقوى اقتصاد في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لكن التجني على التاريخ ، على الماضي والحاضر حال دون ذلك ، ووجدة انتصرت للبدائل وستواصل  مسيرتها  والبحث عن نماذجها التنموية وفتح باب الاستثمار والتسويق وإغناء العلاقات الانسانية رغم كيد الكائدين ورغم المعيقات والاحقاد  ، لان المتدثر بالماضي المشترك والتاريخ المبصوم  بالتآزر وبالموروث الثقافي الغني المتشعب ، والمتصدي لقطع صلة الأرحام ليس مستجديا ولا طالبا للصدقة!

ولعل الرسائل واضحة .

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة