ما جدوى استقلال النيابة العامة؟

abdenabawiعبد الله الشرقاوي

لن أتحدث هنا عن استقلال النيابة العامة عن الحكومة، ونقل الاختصاصات والصلاحيات التي كانت موكولة لوزير العدل، ثم ما عرفه هذا الموضوع من تجاذب وتناقض في المقترحات والمواقف.

لن أتحدث هنا عما سماه البعض تغول النيابة العامة، و«تهربها» من المساءلة البرلمانية….

سأكتفي هنا بطرح سؤال بسيط عسى أن نظفر بجواب شافي وكافي، وهو:

ما جدوى استقلال النيابة العامة في ظل افتقارها لأبسط وسائل العمل، خصوصا مع بداية عملها، بدءا من المقر المركزي، الذي تكرمت وزارة العدل بكرائه لها، بعد استضافة بعض أطر هذه النيابة العامة بمديرية الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل، «الله يجازيها بالخير»، وحتى مع انطلاق الاشتغال «في وضعية صعبة للغاية» تكرمت هذه الوزارة ووضعت رهن إشارة النيابة العامة 149 موظف، لتحذو حذوها بعض الوزارات في انتظار صدور مرسوم يُفرج هذه الوضعية…

وقد ذكر رئيس النيابة العامة بصعوبات جمة واجهت انطلاق عمل رئاستها، مما يسمح به المقام لعرضه على العموم، ومازالت الحاجيات والطموحات كبيرة، ونسأل الله العلي القدير أن يفرجها في هذه «العواشر»، والتي تضمنت بعضها في توصيات وخلاصات تقرير رئاسة النيابة العامة لسنة 2017 ، وأخرى معلومة بحكم طبيعة العمل اليومي.

أقول إذا كانت هناك إرادة سياسية قوية ونافذة لإقرار فعلي لاستقلال النيابة العامة، وبالتالي السلطة القضائية كسلطة موازية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، فلماذا لم توفر لها الامكانيات المادية والبشرية والتقنية، بعيدا عن اللغو السياسي والمُصوغات القانونية المتعلقة بقانون المالية، لأنه أولا كان يتعين أن يبرمج موضوع استقلال السلطة القضائية/ النيابة العامة في قانون مالية 2018 بما يتطلب حدث تنزيل هذه المؤسسة الدستورية؟ بل لماذا لم يعلن عن حالة استثنائية لإيجاد ميزانية محترمة تليق باستقلال النيابة العامة والسلطة القضائية.

وخلال تقديم رئيس النيابة العامة سي عبد النبوي تقريره حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة سنة 2017 مساء الثلاثاء 11 نونبر 2018 وددت طرح جملة من الأسئلة، لكنني قلت في نفسي ما جدواها في ظل عوز وفاقة وفقر الإمكانيات المادية، وذلك انطلاقا من عنوان تقديم التقرير: أي كيف تكون مسؤولا عن تنفيذ السياسة الجنائية وأنت لم تسطرها ولم تضع ميزانيتها ولاتتوفر على إمكانية تنزيلها؟ وقبل ذلك ما هي الإمكانيات المادية والبشرية والتقنية المرصودة خصيصا لتنفيذ هذه السياسة الجنائية في حد ذاتها، لأن ذلك يتطلب كلفة كبيرة؟ وهل يمكن تنفيذ سياسة جنائية بعيدا عن وضع اليد على الإعلام العمومي؟ وكيف يمكن تفعيل مقتضيات قانونية تحتاج هي أصلا للإمكانيات المادية، مما يعطينا نصوصا قانونية ميتة، كحالة مواد في قانون المسطرة الجنائية… إلخ.

هذه بعض الأسئلة التي دارت في مخيلتي وأنا أواكب “مرافعة” رئيس النيابة العامة عن خضوع هذه النيابة للمساءلة الدستورية بعيدا عن المثول أمام البرلمان، مع استعانته بقرارين للمجلس الدستوري، الذي لم يقر المساءلة بجزء من السلطة القضائية في احترام تام بين السلط، وكذا رده بانفعال عن القائلين بتغوّل النيابة العامة.

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة