في الحاجة إلى مجلس وطني للصحافة

IMG-20180620-WA0016بقلم: زهير داودي

يوم الجمعة، 22 يونيو 2018، سيتم التصويت المكثف والمسؤول لصالح لائحتنا التي تحمل شعار “حرية، مهنية، نزاهة”، ومعه سينطلق المسار العملي لتأسيس “المجلس الوطني للصحافة” كهيئة عليا للتنظيم الذاتي للإعلام في بلادنا.

ومن المعلوم أن مرحلة التأسيس ستدشن بتوليفة ثلاثية تضم الناشرين، والصحافيين المهنيين، وممثلين عن هيئات أخرى.

ومن المحقق أن الغالبية العظمى من الصحافيين، إستنادا إلى مقتضيات القانون المنظم للمجلس، ترغب في الامتثال للقانون حمايةً لهذه المهنة التي تعاني من اختلالات تنظيمية جوهرية، وصونا لحقوق المجتمع والأفراد والمؤسسات.

وعلينا أن نعترف، واللحظة تفرض قول الحقيقة كما هي، أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية ليست لا طارئة على هذا المشروع الذي نحن بصدده، ولا متهافة على من يمتلك أحقية وأسبقية طرح فكرة هذا المشروع الحيوي.

علينا أن نكون منصفين وموضوعيين، وأن نعطي لكل ذي حق حقه. إن التاريخ يُسجل أن نقابتنا، العتيدة والمناضلة التي أسسها سياسيون وطنيون كبار من طينة الكبير عبد الرحمان اليوسفي والمرحوم المتنور علي يعته والصحافي والأديب الألمعي المرحوم عبد الكريم غلاب والصحافي البارز المرحوم العربي المساري والأستاذ المناضل محمد اليازغي وغيرهم من رواد الجيل المؤسس، كانت سباقة ومبادرة إلى طرح عدة مبادرات جادة ومسؤولة ليس أقلها التأسيس الفعلي ل”الهيئة المستقلة لأخلاقيات المهنة وحرية التعبير” التي ضمت إعلاميين حكماء، قولا وفعلا، وشخصيات رفيعة من مجالات عديدة لها ارتباط وثيق بالصحافة والإعلام كمهنة المحاماة والعمل الحقوقي والنقابي والجمعوي.

هذا المشروع غير المسبوق في المهنة، أنجز رغم كل الصعاب الذاتية والعراقيل الموضوعية، قبل حوالي عقدين.

وقد كنت شخصيا من الفاعلين رفقة الزملاء يونس مجاهد وعبد الله البقالي وعلي خلا وجمال المحافظ ومصطفى الزنايدي ومحتات الرقاص ومصطفى العراقي وعمر الأشهب وعمر زغاري ونور اليقين بنسليمان وغيرهم من الزملاء المحترمين، في تنزيل هذا المشروع المهني الجاد الذي لم تكتب له الاستمرارية بسبب إكراهات ليس هذا مجال شرحها.

هذا من باب التذكير بالتاريخ، وهو تذكير أساسي وضروري لفهم حجم الصعوبات وتعقيدات السياقات… في انتظار إنضاج المآلات المفتوحة على المستقبل.

في تلك الفترة كانت النقابة قد تجاوزت، بإصرار وعزم وإرادة جميع مناضليها في المركز كما في كل الفروع الجهوية المناضلة والصامدة رغم ضعف إمكانيات العمل وصرامة الامتثال والانضباط لقرارات المؤتمرات الوطنية، خططاً ومحاولات جدية ومتسارعة لإرباكها والنيل من صورتها الرمزية. وكان الهدف من تلك الخطط مسطراً بدقة: إما تمزيق وحدتها من طرف أطراف نافذة يعرفها جيدا من عاشوا زوابع تلك المرحلة، وإما إضعاف مكانتها التاريخية وقوة حضورها في المجتمع من خلال الدفع بشتى الوسائل الممكنة لتأسيس إطارات نقابية مجهرية جديدة أو لإحداث “نوادٍ” للصحافة تنظم الأيام الدراسية والورشات في الفنادق المصنفة.

هل تتذكرون ما قام به الصحافي والمسؤول السابق في وكالة المغرب العربي للأنباء (MAP)، أحمد بلحلومي، من مهام قذرة للنيل من إطارنا النقابي الوطني؟

من يتذكر بلحلومي الآن؟ لا أحد، والأمثلة السيئة في هذا المجال كثيرة، ويجب التعريف بخطورتها على القطاع، في تلك المرحلة، في أوساط الزملاء الصحافيين الشباب حديثي الالتحاق بالعمل الصحافي.

نحن الآن، وللمرة الأولى في تاريخ الصحافة الوطنية، بصدد إرساء الدعائم الأساسية لمجلس يجمع الصحافيين المهنيين والناشرين ومؤسسات أخرى ك”اتحاد كتاب المغرب” و”المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، وله أساس قانوني يمنحه عامل الاستدامة وشروط الفعل الحقيقي.

علينا أن نقول، وبصوت عال، إن النقابة الوطنية للصحافة المغربية أدت دورا محوريا في معركة طويلة الأمد كي يتوفر القطاع على أداة مرجعية في مجال الأخلاقيات والأداء المهني، وهي مرجعية لن تمنع نهائيا الأخطاء التي يتم الوقوع فيها بحسن نية وتحت ضغط العمل من قبل البعض، وتلك الأخطاء التي تتم بشكل متعمد من قبل آخرين.

إن المجلس الوطني للصحافة الذي طال انتظاره، سيتدخل أولاً كوسيط، وسيقدم الآراء المنطقية والمقترحات العملية القابلة للتنفيذ وفقا للاختصاصات التي يمنحها له القانون كما صادق عليه البرلمان بمجلسيه.

ومن بين الوظائف الأساسية لهذا المجلس، هناك الشق المتعلق بإعمال مبادئ الحكامة، وفق المعايير المعمول بها دوليا، في تدبير قطاع يسير فوق حقول ألغام في كثير من مساحاته وتضاريسه، وأيضا هناك الجانب المرتبط بعدم السقوط في فخ الدفاع عن الصحافيين ووسائل الإعلام، بمختلف منابرها وتوجهاتها، بأي ثمن في مواجهة حقوق المجتمع ومختلف الفاعلين المؤسساتيين.

إن المطلوب هو تغليب منطق تصحيح الاختلالات والانحرافات، إستنادا إلى فلسفة التأويل الإيجابي والديموقراطي لمضامين المنظومة القانونية المؤطرة للمجال، بما يساهم في إنضاج شروط النهوض الشامل بقطاع الإعلام الوطني في كل مستوياته البشرية والمهنية والمادية والتكنولوجية والأخلاقية.

وبعيدا عن منطق إعمال “سلاح العقوبات” لتصحيح الاختلالات والانحرافات المهنية التي قد تقع في المستقبل، من المفترض أن يكون المجلس الوطني للصحافة، في المقام الأول، مرجعا يحتكم له الجميع: الصحافيون المهنيون، الناشرون المهنيون، الدولة والمجتمع بكل قواه الحية والديمقراطية.

وبهذه الخلفية الواضحة، فإن كل هذه المكونات يجب أن تنسجم مع هذا التحول الإستراتيجي المتمثل في إحداث المجلس الوطني للصحافة، لأن وسائل الإعلام نفسها تَتَغَيَّرُ بوتيرة متسارعة، وخاصة على صعيد الأدوات التكنولوجية الجديدة التي فرضت إيقاعا سريعا غَيَّرَ -بطريقة عميقة- طريقة صنع وإنتاج الأخبار والمعلومات.

وكل هذا التحول يفرض على كل الفاعلين والمتدخلين في المنظومة الإعلامية في بلادنا، وفي المقدمة الصحافيون المهنيون والناشرون للمنتوج الورقي والرقمي، تأقلماً متدرجا وهادئا ومسؤولا مع المعايير التي يجب الوفاء بها في مواجهة التحديات التي يفرضها المولود الجديد: المجلس الوطني للصحافة.

إن الحقوق الأساسية المتمثلة في الوصول إلى المعلومات ونشرها وحرية التعبير المسؤول وإبداء النقد المنضبط لأخلاقيات المهنة هي، بكل تأكيد، حقوق أساسية وشروط ضرورية لأي مجتمع ديمقراطي يجعل من قطاع الإعلام رافعة للبناء وآلية مهمة لتوسيع المشاركة في كل مناحي الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية…

إن كل هذه الحقوق والحريات الأساسية للمهنة الإعلامية، سيكون من واجب المجلس الوطني للصحافة الحرص على حمايتها وتوفير بيئة حاضنة وملائمة لممارستها من قبيل إضفاء الشرعية والمصداقية على عملية منح البطائق المهنية لمن يستحقها، وترشيد عملية نشر الأخبار والمعطيات وفق الضوابط المهنية الحقيقية بما يخدم كلاً من حرية المهنة والمسؤولية الصحفية والجمهور الواسع الذي من حقه الحصول على منتوج مهني جيد ومتنوع ومتمتع بالمصداقية، وإن كان هذا الجمهور لا يملك الحق المطلق في معرفة كل شيء.

نحن، في النقابة الوطنية للصحافة المغربية، نريد من خلال المجلس الوطني للصحافة أن يفرض الصحافيون المهنيون أنفسهم من خلال القيام بوظيفتهم اعتمادا على المعايير المهنية التي تنبع من إلتزامات مثل نشر الأخبار والمعلومات التي تم التحقق منها، وجمع ونشر المعلومات بشكل مستقل، والتصرف بإنصاف يحترم حقوق الأفراد والمجتمع والدولة. وبمعنى أدق، يجب أن يتحمل الصحافيون مسؤولية إجتماعية متأصلة في حرية الصحافة بأبعادها القانونية والأخلاقية.

في المحصلة النهائية: النقابة الوطنية للصحافة المغربية، مع بقية الشركاء المنتخبين والمُعَيَّنِينَ في المجلس الوطني للصحافة، لها مشروعها التراكمي الجاد والعملي من أجل المساهمة الحقيقية في تمكين المجلس من شروط الفعل المستقبلي لصالح تطوير العلاقات المنتجة للقيمة المضافة بين كل مكونات الإعلام، وأيضا للنهوض الشامل بالأوضاع المهنية والمادية لنساء ورجال الصحافة الوطنية.

الجمعة المقبلة، 22 ماي 2018، ستحقق لائحة “حرية، مهنية، نزاهة” التي يقودها زميلنا المهني وأخونا الرائع، حميد ساعدني، فوزا كاسحا في تنافس شريف وديموقراطي مع اللوائح الأخرى.

في الرباط، الدار البيضاء وغيرها من المكاتب الإنتخابية في مختلف المدن التي سيجرى فيها هذا الاستحقاق، كلنا مطالبون بإغراق صناديق الاقتراع بالتصويت الكثيف على لائحة “حرية، مهنية، نزاهة”.

موعدنا الجماعي يوم الجمعة المقبل من أجل القطع النهائي مع مرحلة المصاعب الحقيقية، والشروع في مرحلة البناء للتنظيم الذاتي للمهنة.

دمتم بخير .

إعلامي وعضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة