إلى السيد الوزير المكلف بالجالية: نريدها ثقافة مغربية سَائِدَة لا مَسُودَة

abl1بلقاسم الجطاري

يعرف الجميع أن قطاع الثقافة هو الابن الفقير في عائلة القطاعات الوزارية المشكلة للحكومات المغربية المتعاقبة، فقد ظل هذا القطاع تكميليا وثانويا، لا يحظى بغير ميزانية هزيلة، ولا تُدار شؤونه وفق أي مخطط إستراتيجي، إذ تتراوح أنشطته بين الأجندات “البروتوكولية”، وتوزيع حصص الدعم لفائدة مؤسسات محلية أو وطنية راعية للإبداع والثقافة، ورعاية عدد من المعارض الدورية.

ومثل هذا الأمر ليس حكرا على ما يجري داخل البلد، ولكنه يمتد إلى الخارج أيضا، إذ يسجل المتتبع غيابا فادحا لأي خطة عمل ثقافية تستهدف مغاربة الخارج، أو تسعى إلى تثمين المنتوج الثقافي المغربي، وإكسابه قدرا من التنافسية في سوق ثقافية عالمية مستعرة.

هذه المساهمة محاولة لتبيين مكامن الخلل الكثيرة المحيطة بهذا الجانب، وديباجة جدوى تكشف عن حجم الفائدة حال أولت الوزراة المكلفة بشؤون الجالية عناية بالجانب الثقافي، وحال قطعت مع المنظور التقليدي الذي يكتفي بتدبير الشؤون الإدارية، والقيام بدور الإطفائي حال بروز مشاكل أمام مغاربة العالم مع مؤسسات دول الاستقبال.

تساؤلات في ضوء التدبير الثقافي القائم:

شهدت مدينة مراكش أواخر سنة 2007 حفل تدشين المعهد الثقافي الإسباني سيرفانطيس، وهو المركز الذي جاء، أنذلك، في سياق مخطط ثقافي إسباني كبير شمل مدنا مغربية عديدة (فاس وطنجة والدار البيضاء). ومثل هذا المخطط ليس سرا تكتمه الجهات التي ترعاه، فهو معروف تحرص عليه دول الشمال ذات الصلة التاريخية والاقتصادية بالمغرب منذ الاستقلال إلى يومنا هذا.

استدعاء هذا المثال مرده التساؤل عن سبب غياب مشروع مماثل لدى الوزارة المكلفة بشؤون الجالية. لماذا لا تفكر الدولة المغربية، التي يشهد العالم بعراقتها الثقافية وبكونها أرض التعدد الثقافي، في فتح مراكز ثقافية مغربية خارج أرض الوطن، يكون على رأس غاياتها تحقيق الإشعاع الثقافي المغربي؟ هل يمكن القول أن عدم اندراج هذا النوع من الفضاءات الثقافية في السياسة الثقافية الرسمية للدولة، تعبير عن استمرارية عقلية الصدى ورد الفعل عوض الفعل والمبادرة؟

الثقافة المغربية المهاجرة:

ليس خافيا سعي الدولة المغربية إلى التكيف مع الاكراهات الثقافية الجديدة للعولمة. ومن المعطيات التي تشي بهذا التوجه التدبيري الجديد تنصيب مجلس الجالية المغربية بالخارج دجنبر سنة 2007، وهو ما يعني:

أولا-أن الدولة واعية، الآن، بأن للهجرة ثقافة خاصة ينبغي الاقتراب منها، وقد أصبحت التدابير التي كانت قيد التنفيذ سابقا في هذا الموضوع متجاوزة وغير فعالة.

ثانيا- أن الدولة في طور البحث عن معالجة جديدة لأسئلة ثقافية واجتماعية ودينية طارئة لمغاربة العالم خارج الحدود الترابية للمملكة (إنهم مواطنون كونيون).

ثالثا- مطلوب وممكن كسب هذا الصوت الثقافي لمصلحة تنشيط الاستثمار والاقتصاد الوطني؟

لكن الوعي، على ضرورته، غير كاف لتجاوز التحديات الكثيرة التي تنتصب أمام أبناء الجالية، لذلك سيكون مناسبا جدا توفير مؤسسات ثقافية قريبة تقدم خدمات ثقافية متعددة لأبناء الجالية، وتحقنهم بالزاد الهوياتي الضروري والطبيعي، الذي يجعل منهم مواطنين صالحين، سواء ببلدهم أو ببلدان الاستقبال، حريصين على مصلحة مزدوجة للبلدين معا.

ثم إن الثقافة المغربية غنية وقادرة على منافسة غيرها من ثقافات العالم، متى توفرت لها أبواب التسويق والعرض والإنتاج. لذلك سيكون من أهم مهام هذه المراكز ابتداع الآليات الكفيلة بوضع الإنتاج الثقافي المغربي في عجلة الاقتصادات المحلية والإقليمية (طبخ، لباس، صناعة تقليدية، أشكال فرجة، فنون مختلفة..).

الهوس بثقافات العالم:

من الظواهر الثقافية المغربية المثيرة للاهتمام، ذلك التهافت اللافت على البضاعة الثقافية والفنية الشرقية والغربية وإهمال المخزون الفني الوطني. يتجلى ذلك في تنظيم عدد من المهرجانات الدولية الباذخة في مجال السينما والغناء وكل فنون الفرجة، غالبا ما يتم تبريرها بمسوغات تجارية أو إيديولوجية أو شعارات سياسية فضفاضة، ومن أشهرها شعار: المغرب ملتقى الحضارات، وشعار: مجتمع الحداثة والديمقراطية. ولعل الأسئلة التي يطرحها هذا التهافت كثيرة، منها:

أولا – هل تساهم هذه المهرجانات الضخمة حقا في تطوير وتنمية الثقافة المغربية، أم أن أهدافها فقط هي تسويق صورة عجائبية جميلة عن مغرب الحضارات، وبالسعي إلى تحقيق رقم العشرة ملايين سائح؟ إنها في تقديرنا الخاص، سياسة قريبة جدا من فلسفة بناء ملاعب الغولف في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

ثانيا- إذا كان المغرب يستقبل على نطاق كوني احتفالي واسع كل ثقافات العالم؟ فهل يمكن التعرف على حجمه الثقافي الدولي خارج الحدود؟

نحن هنا، إزاء محاولة إظهار أوجه المفارقة في تدبير الثقافة بالبلد، كي يتسنى لغير المتتبع ملاحظة عدم تلاؤم درجة العناية التي تحظى بها الثقافة الأجنبية قياسا مع الثقافة المغربية الوطنية، كما أننا إزاء محاولة بيان الإمكان فعله في هذا الصدد، ونعني إمكانية تحويل قدر من الميزانيات المرصودة لثقافة الآخر، لصالح ثقافتنا ببلدان العالم المختلفة.

نحن، أيضا، إزاء محاولة بيان الحاجة إلى نقل موقع الأثر والتنافس الثقافيين من داخل البلد إلى الخارج؛ أي بيان قدرة الثقافة المغربية على مواجهة إشراطات الهيمنة الثقافية العابرة للدول. وهذا القول لا ننطلق فيه من أي اعتداد شاعري حالم، بل من وعينا بفرادة المنتوج الثقافي المغربي وامتلاكه صفات الأصالة والتركيب والغنى، وهي الصفات التي اكتسبها بفضل موقعه الجغرافي وتجربته التاريخية الاستثنائية.

ختاما، نهمس في أذن السيد الوزير المكلف بالجالية، وندعوه إلى التعجيل بافتتاح مراكز نموذجية للثقافة المغربية، للوقوف على ما ذكرناه من مهام ونتائج. وإذا بدا له أن هذه المؤسسات لن تحقق شيئا من رهان تسويق الثقافة المغربية، فليكن حافزه توفير حضن الحماية الذي سيقي أبناء الجالية من حمى الخطابات الدينية المدفوعة باعتبارات مذهبية، وهو أدرى، حتما، بهذه الحسابات، وأدرى بالواقفين وراءها، وبحساباتهم السياسية الظاهرة والمضمرة.

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة