الدروس الحسنية… إشعاع علمي وتواصل حضاري

abnسفيان الحتاش-باحث

شكلت الدروس الحسنية منذ تأسيسها في منتصف الستينات من القرن الماضي احدى تجليات الهوية الدينية المغربية المبنية على الوسطية والاعتدال منهجا وسلوكا ومضمونا، كما أراد لها ذلك جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله. وهكذا يتحول القصر الملكي العامر بالرباط كل سنة الى جامعة رمضانية عظيمة يحجها عشرات بل مئات من العلماء والفقهاء والمفكرين من انحاء العالم ، يتدارسون من خلالها قضايا فكرية واجتماعية ضمن المنظور الاسلامي، وفق منهجية علمية دقيقة ،مع الحكمة والوسطية في الطرح والمعالجة ، بدون تنطع ولاتشدد. وانسجاما مع المكانة الدينية والروحية التي يتمتع بها الملك في الدستور المغربي باعتباره اميرا للمؤمنين واعتبارا ايضا ان الاسلام هو الدين الرسمي للدولة المغربية فان مسألة تدبير الشأن الديني تبقى من اختصاص الإمامة العظمى لجلالة الملك، انسجاما اذا مع هذه الأسس وتلك المبادئ تم إنشاء الدروس الحسنية الرمضانية لإعادة الاعتبار لمكانة العلماء والفقهاء ودورهم الفعال في حصانة الأمة والشبيبة من الانحرافات العقدية والدينية ، ومن فتنة التكفير والتنطع ، التي كانت قد بدأت بذورها تزرع هنا وهناك من طرف التيارات الاصولية المتأسلمة ، الذين يسعون في الأرض الفساد والإفساد ، فأصبحت صورة المسلم قاتمة وملامحه الثقافية غير واضحة ، وبدلا من الانطلاق في صنع حركة التاريخ وركوب قطار العصر، واستغلال عقولنا وثرواتنا في التنمية والتجديد والإصلاح والإعمار، غرقت الشعوب المسلمة في أتون من الصراعات المذهبية الضيقة والمحاكمات الجاهزة ، وفتاوى التكفير والهجرة ، وتهم التفسيق والتبديع والقائمة تطول .. فذهبت أغلبية ثروات الشعوب من أدمغة ومال وخبرات إلى طاحونة الخلافات والصراعات المذهبية التي لاتسمن ولا تغني من جوع ، هذا الوضع المأساوي للعرب والمسلمين دفع بجلالة الملك الحسن الثاني (طيب الله ثراه) انذاك، بإحداث هذا المنبر العلمي الفريد ليساهم في لملمة الصف الإسلامي المترهل، بفعل عوامل الهدم الكثيرة التي أثخنت جسم الأمة بالجراح ، وعملت على إذكاء روح الفتنة والشقاق ونصب الحواجز النفسية بين مكونات الجسد الواحد ، فكان منبر الدروس الحسنية لبنة خير وبركة في جسد الأمة الإسلامية عموما، والمغربية خصوصا . وقد فتحت بابه لجميع العلماء والأساتذة يلقون من خلاله ما أفاض الله عليهم من العلم والعرفان ، بغض النظر عن مذاهبهم وتوجهاتهم الفكرية ، بل أعطت لجميع التوجهات الإسلامية الحق في التعبيرعن أفكارها وأهدافها بشرط الابتعاد عن فكر الكراهية والتطرف والإرهاب ، كما فتحت هذه الدروس الباب لمشايخ الصوفية العلماء الأتقياء الأنقياء الذين تعرضوا في السنين الأخيرة لموجات عدائية تشويهية من قبل بعض الحركات الاصولية الاخوانية المتأسلمة، لكن هيهات هيهات أن تتزحزح شجرة الفيوضات الربانية ، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها للفقراء والمريدين والمساكين ولعموم المسلمين أجمعين ، الذين يريدون أن يتطهروا من الدنس والغل والحسد والبغض والكراهية.. والله يحب المتطهرين ؛لأن أهل التصوف يعلمون علم اليقين أن طريقتهم ، هي المنهج الإسلامي النبوي الصحيح الذي سار عليه الأنبياء وأولياء الله الصالحين ، وفي طليعتهم سيدنا محمد (ص) ، كما أنهم مدركون بأن التصوف روح الشريعة الإسلامية وقلبها النابض ،وهومن إحدى نواحيه رسم لمنهج وسلوك ، ومن ناحية ثانية هو علم كسائر العلوم، له مقدمات ونتائج ، ومن ناحية أخرى إعطاء لكل من ينتمي إليه الدواء المناسب ، من قبل الشيخ العارف بأدوية القلوب – لا بأدوية النصوص والحروف – لأنه فن وحكمة، وعلم وذوق ، وهذه الثلاثية هي مقومات الحياة الأبدية السعيدة ، وهو مقام الإحسان الذي حدثنا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخلاصته هوالتخلق بالصفات الحميدة التي جاءت في الكتاب والسنة ، وأمر بها الشرع الشريف ، والتخلي عن كل الصفات الذميمة التي نهانا عنها الشرع المطهر.
ولقيمة الدروس الحسنية الرمضانية ودورها الفعال في التوجيه والإرشاد وبناء شخصية المسلم المتزن الإيجابي في محيطه ومؤسسته ووطنه ، يدعى إليها أكابر شخصيات الدولة المغربية، من شخصيات مدنية وعسكرية ورؤساء المجالس العلمية وعمداء الجامعات ، ناهيك عن العديد من الشخصيات العلمية والثقافية وأصحاب الفكر والرأي ، كما يحضر هذه الدروس السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي المعتمد في المغرب ،وينقل هذا الدرس عبر أمواج الإذاعة الوطنية مباشرة…وقد اعتلا هذا المنبر وعبر تاريخ الدروس الحسنية المباركة ثلة من العلماء والفقهاء ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، شيخ الأزهر السابق جاد الحق علي جاد الحق ، الشيخ عبد الفتاح أبوغدة رحمهم الله كما صعده الزعيم الشيعي الإمام موسى الصدر ، والعلامة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي أمين عام رابطة العالم الإسلامي ، والشيخ أبي الحسن الندوي والشيخ متولي الشعراوي ،والشيخ الراحل سعيد رمضان البوطي ، والشيخ محمد الحبيب بلخوجة، والدكتور عمر البشير  ، و العلامة اللبناني صبحي الصالح ، ، والدكتور عبد الصبو رشاهين ، والشيخ محمد سيد طنطاوي،…إلى جانب علماء من المغرب من مثل المكي الناصري، والعلامة علال الفاسي، والشيخ عبد الله كنون، والفقيه الرحالي الفاروقي، ، و من المعاصرين المرحوم الشيخ الغازي الحسيني ، والدكتور لسان الحق ، والدكتور أحمد عبادي ،… وهذا الجمع العام للعلماء من أقطار الدنيا على أرض المملكة المغربية تكون مناسبة لهم لإلقاء الدروس والمحاضرات في بعض المساجد والجامعات، أوبعض المؤسسات التابعة لوزارة الأوقاف ..سواء بالعاصمة الرباط ، أو المدن الأخرى كالدار البيضاء وفاس ومكناس وسلا.. كما تخصص لهم أيام الراحة لزيارة بعض المعالم التاريخية والأثرية، أولحضور بعض الأنشطة الدينية كليلة القرآن الكريم التي تنظمها وزارة الأوقاف على شرفهم…فقيمة الدروس الحسنية الرمضانية تتجلى في كثيرمن الأشياء سواء العلمية منها أو الزمانية والمكانية ، حتى قيل في حقها وحق من سنها الكثير، من قبل أهل العلم المشهود لهم بالتعمق في الفقه الإسلامي ، نذكر منهم فضيلة الشيخ العلامة محمد طه السابونجي مفتي طرابلس يقول في حق هذه الدروس الرمضانية : ” هي سنة حسنة وموسم من مواسم الخير التي تفيض في بركات رمضان الكريم وتشملنا الفيوضات الرحمانية بكريم العطاء والاصطفاء فجزى الله من دعا إليها وخط خطتها…” أما شهادة أحد علماء غينيا فضيلة الشيخ الحاج أحمد فودوفاديكا فيقول : “هذه الدروس أكبر مدرسة على وجه الأرض، تفجر ينابيع العلوم وتتيح للعلماء بمختلف أقطار المعمور أن يلتقوا في صفاء ومودة ويتعارفوا ويتبادلوا الآراء ، ولايغيب عن بال أحد ماينتج عن ذلك من النفع الكبير، لازدهار الإسلام في العالم ..” وبالنسبة لسماحة الشيخ عبد الله غوشة قاضي القضاة ورئيس الهيئة العلمية الإسلامية بالقدس فيقول : ” السنة التي نهجها جلالة الملك الحسن الثاني في استماعه للأحاديث الدينية خلال أيام شهر رمضان الفضيل سنة حميدة- هي سنة آبائه وأجداده- تعيد إلينا ذكرى المجالس العلمية التي كانت تعقد في أيام المسلمين الأولى بحضور الخلفاء والأمراء والملوك”.
ومما زاد في عالمية هذه الدروس وشهرتها بين المسلمين في العالم كله هي تلكم المتعلقة بالحضور اللافت لممثلي الأقليات الإسلامية ورموزها من مختلف القارات الخمس ، وهو ما يجعل المناسبة مواتية للاطلاع على أحوالهم وهمومهم والتعرف على حاجياتهم والظروف التي يمارسون فيها شعائرهم، الأمر الذي دفع بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لترجمة سلسلة الدروس الحسنية إلى اللغات العالمية الرئيسية، كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية ، ونتمنى أن تنضاف اللغة الامازيغية باعتبارها لغة وطنية ودستورية واحد عناصر الهوية الامازيغية المغربية.
لقد أسست الدروس الحسنية بحق لمبادئ الحوار والتاخي بين مختلف المذاهب الاسلامية ورسخت قيم التسامح والتعايش في العقل الجمعي الاسلامي ومدت جسور التواصل بين الثقافات والحضارات وانفتحت على كل الأفكار والآراء مجسدة في ذلك سماحة الاسلام المغربي الحضاري المتمدن المتمثل في مرجعيته امارة المؤمنين وبينت قدرة الحضارة المغربية على استيعاب المشترك الاسلامي والانساني في اطار دولة مدنية وتجربة ديمقراطية يرعاها جلالة الملك محمد السادس وأفق ديمقراطي سيضع المغرب لا محالة في منظومة القيم الكونية الانسانية وهو يحتفظ بخصوصياته التي سيغني بها هذا المشترك الانساني. ومن جهة اخرى تشكل مؤسسة الدروس الحسنية ردا عمليا على الذهنيات الاصولية التكفيرية الاثمة التي تحاول ان تزرع الاحقاد والتطرف والكراهية بين الشعوب والثقافات المختلفة وتنشر ثقافة الموت والقتل وفي ذلك تشويه لسماحة الاسلام ورحمته وانسانيته. وفي الوقت الذي ترسخ هذه الدروس هوية الشخصية المغربية في كل ابعادها الدينية والسلوكية والثقافية تجد نفسها في تناقض تام مع المشروع الاصولي المتأسلم الذي يريد ان يجرنا في اتجاه اخر غير الافق الحداثي والديمقراطي الذي ارتضاه الملك محمد السادس خيارا استراتيجيا للمملكة انه مشروع يختبئ وراء كلمات وشعارات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والجحيم ظاهرها التشدق بثوابت المملكة ولكن باطنها اجندة اصولية عالمية في مفرداتها التنظيم العالمي للاخوان المسلمين و خلافة القرضاوي في رئاسة ما يسمى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتقديم الدعم الشرعي لتنظيمات متطرفة  كما جاء في  أحد التقارير الامنية الامريكية .

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة