إفلاس الحكومة و التذكير بملتمسي الرقابة لسنتي 1964و1990

ameسليمة فراجي

لعل ركون الحكومة الى صمت ابي الهول ازاء تساؤلات القوات الحية في البلاد ، وانتصارها لاختيارات لا شعبية بل معادية لمصالح المواطنين ،حكومة غائبة ولا مسؤولة عن معايشة الأوضاع واحتضان الازمات ،والمقاطعات ،حكومة أصبحت مواجهة بحكومة الفاسبوك ولا حول ولا قوة لها في مواجهةقنوات التواصل الاجتماعي الجريئة ،بدأت برنامجها الحكومي بمحاربة الفساد وختمته بعفا الله عما سلف في الولاية السابقة ،عاجزة امام التحديات ومسؤولة عن التردي بجميع اشكاله سواء تعلق الامرباستفحال الفوارق او تفشي البطالة او انتشار العجز البين في القضايا الاجتماعية المتوج بسياسة التفقير والإصابة باليأس والاحباط ناهيك عما اثير ويثار ويستلزم بالضرورة محاكمة السياسة العامة للحكومة ،كيف لا وتقرير اللجنة الاستطلاعية الأخير المتعلق بارتفاع أسعار المحروقات افاد ان اول مستفيد من رفع الدعم عن المواد البترولية وتحرير القطاع هو سياسة الدولة التي استفادت من توفيرهما ما يزيد عن 35 ملياردرهم سنويا وان القطاع البنكي هو الذي استفاد من فترة المقاصة بحكم تغطيته لمديونية الدولة تجاه الشركات بفوائد عالية ، بل ان شركات كبرى خسرت في سوق البورصة في الخارج، وربحت في المغرب ثلاثة أضعاف ما بين 2015و2016 بعد تحرير أسعار المحروقات ، علما ان الاعتقاد السائد كان يدفعنا ان نراهن ان هذا التحرير لن يضر بالمواطن بل سيكون السبيل الى التصدي للمعيقات الاجتماعية وبناء المرافق الحيوية في حين اغتنى البعض من اصحاب الشركات الكبرى ولا زال الوضع الاجتماعي والاقتصادي مزريا ، وامام عدم استفادة المواطن الذي يواجه مختلف الاهوال يرى ان كرامته تهان ومعيشته تتدهور فيما أقلية من الناس تمارس نهب الثروات الوطنية وتغرق في التبذير والرشوة والفساد،واهمال الخدمات الاجتماعية ونسيان التشغيل ،وانتهاج سياسة التعتيم واساليب التهديد والوعيد وفي حالات اخرى نهج أساليب السب والعبارات القدحية، كل هذه الاحداث تقودنا الى محاكمة الحكومة وفضح سياستها المتسمة بالقصور، والارتباك والارتجال والضعف من اجل وضع حد لهذه السياسة التفقيرية اللاشعبية ،وحث الأغلبية في البرلمان على تحمل مسؤوليتها في مواجهة الازمات الخانقة والاحتقان الشعبي والتدهور الاقتصادي والاجتماعي ، واذا كان الشيء بالشيء يذكر فان المغرب عرف اول ملتمس للرقابة سنة 1964وقعه نواب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ،وسمي انذاك بالمؤامرة ،بهدف سحب الثقة من الحكومة والذي تم ربطه انذاك باجندة خارجية يقصد بها الجزائر ،الا ان الفريق النيابي ربطه بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والبطالة المتفشية والقمع والضغط في كل جهات المغرب ،وكان الملتمس الذي استند على الفصل 81من دستور 1962 والذي ينص على إمكانية الاعتراض على مواصلة الحكومة لمسؤولياتها عبر طلب يوقعه عشر اعضاء مجلس النواب ولا يصبح ساريا الا اذا أقرته أغلبية الأعضاء ،عبارة عن مفاجأة سواء بالنسبة لحزب الأغلبية وكان انذاك هو حزب “لفديك”او حتى للغير ،اذ كانت معركة عنيفة بين مقدمي الملتمس وبين الحكومة التي قيل لها انها نجحت في البقاء لكون الانتخابات لم تكن حرة ونزيهة ،ولكنها انهزمت معنويا امام جلالة الملك وامام الشعب وحتى امام نوابها.
اما ملتمس الرقابة الثاني الذي عرفه المغرب سنة 1990 ،فقد وقع الملتمس بخصوصه نواب فرق وأحزاب المعارضة بمجلس النواب المنتمين لكل من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديموقراطي الشعبي ، وقدم اعتبارا للنتائج المالية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أدت اليها السياسة الحكومية المتبعة القائمة على اختيارات لا شعبية والتي اوصلت البلاد الى اوضاع متردية وازمات متفاقمة مما اصبح ينذر بأوخم العواقب نتيجة معاناة المواطنين في حياتهم اليوميةمن جراء تقلص الدخل وضعف الاجور وارتفاع الأسعار وانخفاض القدرات الشرائية وتدني مستوى العيش وتفشي البطالة واتساع الأمية وانتشار الافات وتدهور الخدمات الاجتماعية في ميادين التشغيل والتعليم والتكوين والصحة والاسكان بالاضافة الى التضييق المتواصل على ممارسة الحقوق والحريات العامةوالفردية والسياسية والنقابية وامتهان للكرامة الانسانية ،وانتشار متصاعد للفساد الاداري والرشوة واستغلال النفوذ مع مظاهر البذخ والبهرجة والتبذير ، وقد اعتمد النواب انذاك في تقديم ملتمس الرقابة على مقتضيات الفصل 75 من الدستور انذاك معتبرين ان هذا المقتضى الدستوري يمنح احزاب المعارضة بمجلس النواب فرصة لمحاولة إعطاء المصداقية لدور مجلس النواب ليقوم بدوره الدستوري في مراقبة الحكومة.
واذا كان وضع ملتمس الرقابة هو مظهر من مظاهر تعزيز دولة القانون ودولة المؤسسات فهو تطبيق لحق دستوري يخوله أسمى قانون في البلاد للمعارضة للقيام بدورها داخل المؤسسة النيابية خصوصا اذا علمنا ان نسبة عالية من المواطنين لم تعد تثق بالبرلمان وصار الاعتقاد السائد ان اللعبة النيابية مغشوشة وغير ذات جدوى لأنهم لا يلمسون للمجلس التشريعي اثرا إيجابيا في حياتهم ومعيشتهم ، لذلك فان هذا المقتضى حتى وان لم يحقق المبتغى بسبب الشروط التعجيزية فانه يفتح النقاش للقول بان الثقة مسحوبة من الحكومة من طرف الرأي العام ودق نواقيس الخطر وبناء لبنة اخرى في تصحيح المسار الديموقراطي للمؤسسات الدستورية واستخلاص العبر ،وقد نص دستور 2011 الذي خول للمعارضة بمجلس النواب ما لم تخوله الدساتير السابقة ،حق معارضة مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها عن طريق التصويت على ملتمس الرقابة اذا وقعه على الأقل خمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس ولا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من طرف مجلس النواب الا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة الى استقالة الحكومة استقالة جماعية ، ويعد هذا الملتمس من اخطر الآليات التي يتوفر عليها البرلمان الذي يجب الا يظل مجرد غرفة للتسجيل ،فهل سيعيد التاريخ نفسه ام تبقى دار لقمان على حالها في غياب إنذار حقيقي للطبقة السياسية بالمغرب يوقظ الاحزاب من السبات العميق واللامبالاة والتوحد ،ويوجب على حكومة الأخطاء ان تعترف بأخطائها واختياراتها المهملة لحاجيات الشعب المغربي.
– محامية – نائبة برلمانية سابقة

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة