امتحانات الكفاءة المهنية بجماعة وجدة في الميزان 2/2

acm22أحمد الجبلي

في السنة الماضية، أي سنة 2016، جاءني صديق، وهو إطار بوزارة الداخلية وله علاقة وطيدة بإحدى الجماعات القروية بالإقليم، طلب مني أن أقوم بتغطية إعلامية تخص فضيحة يتورط فيها السيد الرئيس والخليفة الأول، حيث قام الأول بالتدخل لصالح ابنه فنجح في مباريات التوظيف للجماعات الترابية لسنة 2016، وقام الثاني بنفس الشيء لصالح ابنته، كما أن السيد الرئيس قام بتوظيف زوجته التي هي الآن موظفة بهذه الجماعة.
مباشرة بعد وصولي إلى المنزل سارعت في كتابة الموضوع معتمدا على جميع المعطيات التي ذكرها صديقي، ولكن سأكون غبيا لو أني قمت بنشره دون تبين وتحري، لأن نشر مقال معناه تحمل كامل المسؤولية لكل ما سيصل للرأي العام، فإن كانت المعطيات صحيحة فلا بأس في ذلك، ولكن في حالة العكس تتحول المسألة إلى جريمة نكراء وافتراء وكذب سيفقد الكاتب مصداقيته، فضلا عن الرجم بالغيب من خلال تلبيس عباءة الخيانة لأناس أبرياء، وهو أمر مرفوض شرعا وقانونا. إلا إذا قبل صديقي أن ينشر المقال باسمه، وهذا من ربيع المستحيلات لمجموعة اعتبارات ستعود عليه بما لا يحمد عقباه.
إن التحريات أفرزت معطيات جديدة مخالفة لما ذكره صديقي، حيث أن ابن الرئيس وبنت الخليفة لم يكونا هما وحدهما من اجتازا هذه المباراة بل اجتازاها من بين عشرين آخرين، كما أن النتائج لم يكن قد أعلن عنها بعد. أي لا أحد يعلم إن كان الفتى والفتاة سينجحان أم لا، ثم إنني وجدت أن لا دخل للرئيس وخليفته في هذه الامتحانات، لأن الولاية هي من أشرفت بشكل مباشر على هذه المباريات، كما أن التحريات بينت لي أن الفتى والفتاة هما من النجباء والمتفوقين دراسيا وكلاهما مجاز وخريج جامعة محمد الأول بوجدة.
عندما واجهت صديقي بهذه الحقائق، كان جوابه غريبا جدا، وهي أنه كان يعلم بأن النتائج لازال لم يعلن عنها، لكنه أراد أن تكون له ضربة استباقية حتى لا تنجح بنت الرئيس وابن الخليفة، وهو الشيء الذي لم أستسغه إطلاقا.
أما عن زوجة السيد الرئيس التي تحدث عنها، فإني علمت من مجموعة من الناس، يستحيل تواطؤهم على الكذب، أنها أفضل موظفة بهذه الجماعة، سواء من حيث الأداء أو من حيث الانضباط، كما أن السيدة إنما هي طليقة الرئيس ولم تعد هناك أي علاقة تربط بينهما.
النتيجة هي أنني لو تسرعت لكنت قد وقعت في أخطاء قاتلة منها:
– الطعن في النتائج قبل الإعلان عنها.
– التحريض الإعلامي ضد شاب وشابة متفوقين وهما مغربيان لهما كل الحق في اجتياز المباراة كما لهما الحق في النجاح وليس هناك أي مانع في ذلك حتى ولو كان الأب رئيسا أو خليفة.
– كنت سأطعن في موظفة هي أفضل موظفة بهذه الإدارة ظلما وعدوانا.
– كما أنني كنت سأُعْتَبَرُ كذابا أشرا، وسأفقد مصداقيتي لأنني حولت الإشاعات إلى حقائق دون أن أتكلف عناء البحث والتقصي.
أسرد هذه القصة فقط كمدخل للحديث عن نتائج امتحانات الكفاءة المهنية بجماعة وجدة، لأن الحديث عنها قد كثر، والإشاعات قد تنوعت وتلونت، والله تعالى يقول: ( فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) أي أن الموقف صعب للغاية، وهذا ليس تزكية لأي أحد. بمعنى أن الموقف سيكون خاضعا لقاعدة واحدة لا غير لمن أراد أن ينجو من الوقوع في البهتان والظلم والرجم بالغيب والطعن في أعراض الناس، وهي قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
لقد حاولت جاهدا أن أجمع كل ما يقال ويشاع حول هذه الامتحانات، آخذا بعين الاعتبار كل الذين نجحوا ومواقعهم من حيث القرب أو البعد عن من بيدهم الأمر، ومن حيث المسؤوليات التي يتقلدونها، أو من حيث مستوياتهم العلمية والإدارية ومدى كفاءتهم، ونسبة الحظوظ التي كانت لديهم بناء على ما ذكر. فوجدت أن الأدلة التي يمكن اعتمادها كحجج وبراهين وقرائن يعتمد عليها لإثبات حكم صحيح، فيها نظر. وأغلبها عبارة عن تكهنات ربطت قرب الانتخابات المنصرمة بهذه الامتحانات وهو أمر لا يُثبِت شيئا، كما أن بعض الأقوال قد ذهبت إلى اعتبار البعض قد ضمن موقعه ضمن لائحة الناجحين لكونه رئيس مصلحة أو قسم أو لكونه سكريتير مسؤول ما، وهذا هو الآخر ليس دليلا، لأنه لا ينفي إمكانية حصول هؤلاء على نتائج اعتمادا على كفاءتهم، ومن هؤلاء من أعرفه معرفة جيدة، وقد اشتغلت مع بعضهم تهييئا لهذه الامتحانات، ومستواهم كان جيدة للغاية، كما أن أحدهم حاصل على الإجازة في الحقوق وقد اختار موضوعا حقوقيا، وقد استعد أحسن الاستعداد قبل ذلك، مما خول له إنجاز موضوع معتبر بتحليل نسقي وغنى في المعطيات والقوانين المؤطرة، ووفق منهجية علمية منضبطة.
ثم قبل ذلك، ألا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا؟ أليسوا موظفين كسائر الموظفين؟ أم أنهم من الواجب إسقاطهم فقط حتى نقول بأن الامتحانات كانت نزيهة وشفافة؟ وبعض هؤلاء حضر معنا جميع الدورات التكوينية، وبكل حرص، بل ومن مشيئة الله أن تناولت إحدى الورشات تحليل موضوع “برنامج عمل الجماعة”، وهو نفس الموضوع الذي طرح في الامتحانات، وهذه الموظفة قد كتبت أثناء الدورة موضوعا تحليليا رائعا وفق منهجية علمية دقيقة، فكيف لا يجوز لها أن تنجح فقط لكونها سكرتيرة مسؤول ما؟ وأجوبتها وتفاعلها أثناء الدورة قد بين لنا مدى اجتهادها وحسن تهييئها لهذه الاستحقاقات المهنية.
أحد أصدقائي ظن بنفسه خيرا فاعتبر موضوعه موضوعا يستحق نقطة جيدة، ولكن عندما قمت بتصحيحه، أخبرته، قبل إعلان النتائج، بأن موضوعه لا يرقى إلى المستوى المطلوب لمجموعة أخطاء مرتكبة، منها أنه لم يخضع لأي منهجية معتمدة في كيفية تحرير موضوع إداري، فضلا عن أخطاء أخرى، ليس هذا مجال ذكرها، وصديقي هذا قارئ نهم وباحث معتبر وضابط لآليات الاشتغال في الإدارة. ولكن هذا لا يشفع له في شيء لأن الموضوع المتبارى فيه هو مناط التصحيح وليس مستواه العلمي والإداري الذي يحتله.
إن حديثي عن هؤلاء لا يعني بالضرورة أنني أبرئ كل مسؤول في مصلحة أو قسم، لأننا قد نتفق جميعنا على استحالة نجاح بعضهم لأننا نعرف مستواهم لا العلمي ولا الإداري، بل أستطيع الجزم بأن بعضهم لا يستطيعون كتابة جملة مفيدة، فكيف نجحوا: “الله أعلم” ولكن يجب ألا نعمل على تغييب إمكانية الغش واستعمال وسائل التكنولوجيا كما يفعل بعض التلاميذ في الثانويات والجامعات.
لقد حملت معي كل ما يقال في الشارع العام وسط الموظفين حول هذه الامتحانات، وواجهت به رئيس لجنة الامتحانات، بكل صرامة، فكان جوابه كالتالي: اللجنة قامت بعملها كما ينبغي بشكل مسؤول وبكل شفافية ووضوح، ولم تمارس عليها أي ضغوط، ونحن دائما على استعداد للاستجابة في حالة أي شكوى ترفع ضدنا، لفتح ورقة الامتحان لأي متشكك بأنه قد تم ظلمه أو التزوير عليه، لكن وفق المساطر التي تؤطر ذلك”
لأن المساطر تسمح لأي مترشح تيقن أنه قد ظلم أو تم التلاعب بنتيجته، فمن حقه الدعوة إلى عقد لجنة تقصي لتبث في الأمر، ولكن في حالة أن أثبتت اللجنة عكس ما يدعي فإن القانون يمنحها الحق لتعرض الموظف على لجنة تأديبية، كما أن القانون سيحرمه من المشاركة في هذه المباراة لمدة أربع سنوات.
كما لم يخف رئيس اللجنة وجود محاولات من طرف بعض أصحاب النفوذ التوسط لصالح بعض أقاربهم، ولكنها باءت بالفشل، كما أن الكثير منهم لا يتجرأ لا الاتصال ولا التوسط لأنه يعرف الجواب مسبقا، وما كان للجنة أن تفقد مشروعيتها ومصداقيتها بالقيام بالتزوير أو التحيز لأنها تعرف عواقب ذلك عند الله تعالى في الآخرة قبل العبد في الدنيا، حسب ما صرح به، كما أن اللجنة، يقول: قد تسلمت جميع أوراق الامتحان من طرف المصححين مغلقة ولم يتم الاطلاع على أي اسم منها.
وعند مواجهته باستحالة نجاح البعض لكون الموظفين يعلمون مستواهم العلمي والثقافي والإداري، كما يعلمون مدى قربهم من مسؤولين كبار، وعن إمكانية النقل والاستعانة بمسودات هيئت من قبل، أجاب بأنه لا علم له بما وقع داخل أقسام الامتحانات، وأن اللجنة قامت بكل مهامها ابتداء من التحضير للأسئلة، وحرصها على أمانتها وحفظها من التسرب، وقيامها بتأطير المراقبين والتشديد عليهم في أن لا يتساهلوا في أي شيء من الغش أو النقل أو استعمال الهاتف النقال وغيره، إلى أن تداولت في النتائج وفق منهج التنقيط الذي يعتمد على 70 في المائة على نقطة الامتحان، و30 في المائة على النقطة الإدارية التي يمنحها رؤساء الأقسام والمصالح لموظفيهم. كما صرح بأن ممن طعن في نجاحهم موظفين يحملون نفس الاسم العائلي لبعض المصححين، في حين لا علاقة قرابة ولا معرفة تجمع بينهم.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن هنالك وسائل أخرى يمكن للموظف الخائن أن يلجأ إليها أثناء الامتحان في غفلة عن المراقبين، كاللجوء إلى الوسائل التقنية الحديثة كالهواتف، والعدسات، و(الطابليت) أو النقل وجلب مواضيع جاهزة. ويبقى آخر الكلام موجها للموظف الذي لم ينجح عن جدارة واستحقاق، أو تمت مساعدته بأي شكل من الأشكال، فإنه قد أخذ مكان موظف آخر ظلما وعدوانا، وأي مبلغ مالي إضافي سيستفيد منه فهو حرام بل وهو عبارة عن سحت سيغذي به جسمه وما نما من حرام فالنار أولى به، وما عليه إلا أن يتوب قبل فوات الأوان ويتبرأ من هذه النتيجة ويرد الحقوق إلى أصحابها.
وأما عن باقي الذين لازالوا يرون بأنهم قد ظُلِموا وأن اللجنة لم تنصفهم، وأن الامتحانات قد تم التلاعب بها، فمن له دليل كاف واقعي معتبر ويمكن اعتماده لكشف الحقيقة، فهو يعرف المساطر والمسلك الذي يمكن أن ينحاه ليرفع به الظلم عن نفسه وعن إخوانه.

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة