هل تعود ريمة إلى عادتها القديمة ؟

aap د. عبد الإله الربون

سكتت الأبواق، وهدأت الطبول. توقف الزعماء عن العيْطة والتْبوريضة. نزلوا من على صهوات جيادهم، ينتظرون ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات التشريعية. ربح من ربح،  وخسر من خسر. فأما الخاسرون فقد انزووْا في مراكز القيادة يندبون حظّهم العاثر، ويتساءلون عن مكامن الخطأ في خططهم التي أعدوها لحرب الانتخابات، وأما الرابحون فقد شطحوا وردحوا وهلّلوا وكبروا. تحلّقوا حول مائدة مستديرة ينظرون بعيون متلهّفة إلى كعكة توسطت المائدة. الجميع ينتظرون الزعيم الأكبر لاقتسامها.

الوجوه هي هي، لم تتغيّر، حتى أن الغائب قد رجع، فالطلاق لم يكن بائنًا. أما الكعكة فقد تغيّرت وتحوّل لونها وأصابها بعض من العفن. صارت من سيء إلى أسوء. غدًا ستطلّ علينا حكومة جديدة قديمة، ويبدو أن رئيسها لن يجد صعوبة كبيرة في اختيار أعضائها فكرسي الوزارة له جاذبية عجيبة على نفوس زعماء الأحزاب الذين ذاقوا حلاوته لمرات ومرات، حتى أن الذين امتنعوا عنه بالأمس يرغبون فيه اليوم وبإلحاح. ثم لا ننسى أن رئيس الحكومة قد اكتسب شيئا من التمرّس في هذا المجال، فقد سبق له وأن خاض هذه التجربة في 2011، وأن تصدّر حزبه للإنتخابات التشريعية للمرّة الثانية على التوالي يجعله يدخل هذه المفاوضات وهو أكثر قوة ومناعة.

وبعد صباغة خفيفة وشيء من التشطيب، تصبح الحكومة الجديدة القديمة جاهزة لأن تؤدي القسم أمام صاحب الجلالة  الذي يقدّم مرة أخرى درسًا في الديمقراطية واحترام الدستور. ولكن ماذا بعد كل هذا ؟

المغاربة لا يريدون حكومة وجوه ملمّعة ومعاطف ورباطات عنق، وكلامًا منمّقًا مُعدًّا سلفًا للاستهلاك الإعلامي. إنهم يريدون حكومة رجال قادرين على تحمّل المسؤولية، وعلى مواجهة التحدّيات مهما كانت الصعوبات. إن أكثر ما يخشاه المغاربة أن تعود ريمة إلى عادتها القديمة، أن تعود الحكومة إلى سياسة النعام، تدفن رأسها في الرمل فلا تسمع إلا لصوت صندوق النقد الدولي وهو يملي عليها ما يجب فعله من أجل تقليص العجز وخفض المديونية، فتهمل بذلك حاجة الشعب إلى الصحة والتعليم والسكن والتشغيل.

إن ما يخشاه المغاربة أن تعود الحكومة الجديدة القديمة إلى تلك السِّجالات الكلاميّة العقيمة بينها وبين المعارضة بل وحتى بينها وبين الأحزاب المكونة للأغلبية. لم يعد المغاربة يطيقون ذلك التلاسن بين رئيس الحكومة وبين أمناء الأحزاب، لم يعودوا يرغبون في سماع النكات والردود الهزليّة. إن ما يخشاه المغاربة أن تعود المعارضة إلى سالف عهدها فتركّز كل اهتمامها على شخص رئيس الحكومة وما يتفوه به من كلمات وعبارات قد تثير غضبها حينًا وتضحكها حيناً آخر ويجعلها تنسى دورها الأساسي وهو التقويم والنصيحة والدّفاع عن حقوق المواطنين إذا ما تجرأت الحكومة وداست عليها.

يجب على الحكومة وعلى المعارضة أن يفطنا إلى شيء مهم وهو أن الأغلبية من الكتلة الناخبة عزفت عن التصويت لفرط استيائها من تسيير الحكومة للشؤون العامة للبلاد ومن التصرّف الأرعن للمعارضة تجاه الحكومة. يجب أن لا تنسى الحكومة والمعارضة على السواء أن في كل بيت عاطلاً أو أكثر من عاطل عن العمل ينتظر كل واحد من هؤلاء أن تمنح له فرصة الحياة الكريمة. فلا يبتهج الحزب الحاكم بما حقٌّقه من فوز لأنه فوز غير مكتمل ولا تفرح المعارضة كثيراً بما حصدته من المقاعد لأن الشعارات تذهب جُفاءًا وتبقى الوعود التي يجب أن تُنفذ.

إن أمام الحزب الحاكم فرصة خمس سنوات أخرى منحتها له صناديق الإقتراع لكي يصحّح المسار وأن يعمل صالحاً لأجل هذا الوطن، وإلا فسيكون عقاب المغاربة له عقاباً مؤلماً. وليأخذ الحزب الحاكم العبرة بأحزاب كانت في يوم ما كبيرة فأصبحت صغيرة لا تقوى على شيء لأنها لهثت وراء السلطنة ونسيت الشعب فنسيّها. لن يقبل أحد بعد اليوم الحكايات والأساطير التي تتحدّث عن العفاريت والتماسيح ولن يقبل أحد بعد اليوم الاستماع إلى موّال “التحكم” الذي تستتِر وراءه الحكومة.

إن أمام المعارضة التي حصلت على عدد مهم من المقاعد أن تغتنم هذه الفرصة فتعزّز مكانتها في الحقل السياسي وأن تعمل جاهدة على مناقشة الأفكار والمشاريع دون الأشخاص، وأن يكون هدفها الأسمى هو الدّفاع عن مصالح هذا الوطن ومكتسباته حتى تضمن لنفسها مكانة أكبر وأعظم في ما يُستقبل من الإستحقاقات التشريعية والجهوية والبلدية.

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدّد هذا الوطن لا يأتي من حدوده الشرقية ولا من حدوده الجنوبية، فالمغاربة قد أبانوا منذ معركة واد المخازن على أنهم أسود أشاوس ولكن الخطر الحقيقي يأتي من الملايين من الشباب العاطل إنهم قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت فتحدث دمارًا وخسارة كبرى. فالله الله أيتها الحكومة في هذا الوطن و الله الله في شبابه.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة