التحركات الملكية في إفريقيا تعزل النظام العسكري الجزائري

aalبلادي أون لاين-خاص

كثيرة هي الأبعاد والدلالات التي تنطوي عليها زيارة جلالة الملك الى بعض دول شرق افريقيا،  فهي تأتي استكمالا للخيار الاستراتيجي الذي اتخذه المغرب لنفسه في الانفتاح على افريقيا في اطار رؤيته وقراءته الجيوسياسية  للتعاون جنوب جنوب الذي دشنه جلالة الملك في زيارته للكوت ديفوار سنة 2014،  وخطابه التاريخي بأبيذجان الذي اكد فيه جلالته على اهمية وعي افريقيا بذاتها وامكانياتها ومؤهلاتها في الخروج من التبعية الاقتصادية والسياسية للشمال،  من خلال اصرار جلالته من أن يجعل  افريقيا تنهض من جديد لتلعب دورها المنوط بها في المجتمع الدولي واخراجها من سبات التخلف الى وضعها في سكة التقدم والازدهار، وقد كان هذا الطرح يرتكز على مقاربة شاملة تقوم على أساس رؤية استراتيجية لتعاون جنوب جنوب .

وبعدما تأكد بالملموس أن الخيار الافريقي الذي اعتمده جلالة الملك في السنوات الاخيرة كخيار اقتصادي وجيوسياسي بديل، يروم منه المغرب ربط افريقيا بالمنظومة الاقتصادية والسياسية العالمية، سيلعب فيه المغرب الجسر الحضاري والثقافي والروحي نحو دول العالم، وهذا ما يمكن لمسه من خلال توجه الكثير من القادة الافارقة الى المغرب واستحسانهم لهذه المقاربة الاستراتيجية والإبداعية التي أبان عنها جلالة الملك برؤية في حل وحلحلة عقدة افريقيا مع التخلف .

ولم يكن قرار المغرب بالعودة الى منظمة الاتحاد الافريقي سوى انها تندرج في هذه الرؤية الشمولية،  في جعل الانفتاح المغربي على افريقيا يكون له الأثر البالغ في تدليل كل العقبات والصعوبات التي من شأنها أن تقف في طريق هذا المشروع التاريخي الذي يعد منعطفا حاسما في تاريخ افريقيا كما عبر عن ذلك  جلالة الملك في خطاب أبيذجان .

ولابد هنا من التذكير بالسياقات الداخلية والخارجية لهذه الزيارة التي يقوم بها جلالة الملك لبعض دول شرق افريقيا والتي بدأها  جلالته من روندا ، ففي السياق الداخلي تأتي الزيارة بعد الانتخابات التي عرفها  المغرب،  والتي شهد العالم بنزاهتها حيث كان المنتصر الوحيد فيها هو المغرب كمؤسسات وكتوجه لارساء ديمقراطية اصبحت خيارا  لا محيد عنه،  وثابتا من ثوابت التوجه المغربي نحو الانضمام الى نادي الدول الديمقراطية في بيئة اقليمية وجهوية تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاضطراب الامني، مما يعطي للمغرب في محيطة القاري ريادة لا مثيل لها تجعله استثناءا،  وتعطيه صورة نموذجية تؤهله لأن يكون حاملا لمشعل التنمية بالقارة الافريقية، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نفهم جاذبية المغرب نحو كثير من البلدان الافريقة التي فتحت له المجال لان يكون السند الحقيقي لانجاز التنمية، و أن  يكون النموذج الامثل في عملية الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تنشده افريقيا .

وفي السياق الاقليمي تأتي الزيارة في ظل اشهار  اعداء الوحدة الترابية وعلى رأسهم النظام العسكري الجزائري اسلحتهم في وجه المغرب، بعدما احسوا بتنامي الحضور والنفوذ المغربي بافريقيا ، وهو النفوذ الذي يأخذ مشروعيته من الامتداد الحضاري والديني والثقافي للمغرب بافريقيا ، فبعد النجاح الكبير الذي حققته زيارة جلالة الملك لوسط وغرب افريقيا في السنوات الاخيرة، تأتي هذه الزيارة لتؤكد من جديد الحضور المغربي بافريقيا وقدرته الفائقة على ممارسة أدواره ونفوذه وقوته كدولة تملك قراءة ومشروعا استراتيجيا قادرا على الصمود والاستمرار في مقابل أنظمة عسكرية تعتمد لغة القمع والعنف والاستبداد .

مما لا شك فيه فان أكبر المتوجسين والخائفين والمرتعدين من التحركات الملكية في إفريقيا  ونجاحاتها الاستراتيجية،  هو النظام العسكري الجزائري الذي يرى في الخطوات الملكية وقدرتها الفائقة على الاختراق التنموي والروحي والحضاري والاقتصادي، أنها  تعزله وتبطل مؤامراته التي يحيكها بالليل والنهار للمغرب ولوحدته الترابية ، بالتحالف مع بعض الانظمة التي تنتمي الى مجاهل افريقيا والتي ينظر  فيها النظام الجزائري السند الوحيد لعرقلة الحضور المغربي الذي يستند – كما قلنا الى مشروعية دينية وروحية وثقافية وحضارية- يعجز هؤلاء عن مواجهتها فيلجأون إلى أساليب العصابة والمافيا كتعويض عن غياب أي مشروعية،  وقد رأينا ذلك في النظام العسكري النيجيري وبعض مرتزقته بتحالف تام مع قرينه الجزائري .

إن زيارة جلالة الملك إلى بعض دول شرق إفريقيا تعد لبنة أخرى من لبنات إستكمال بناء المشروع المغربي في إفريقيا، وهو المشروع القائم على ربط إفريقيا بالمنظومة التنموية العالمية يلعب فيها المغري دور القاطرة من خلال الضمانات التي يقدمها لأوروبا عن مستوى التأهيل الذي وصلت إليه القارة الإفريقية ومدى إستعداداها لأن تكون الشريك الحقيقي والواعد للتنمية،  يكون فيها المغرب دور المخاطب العالمي الذي يحظى بتمثيلية وشرعية تأهله لأن يتحدث باسم إفريقيا،  ومن شأن ذلك أن تكون ورقة جيوسياسية للدفاع عن المصالح المغربية وجعلها رهينة بمصالح إفريقيا، و يكون المغرب  هو المعبٌر عن مصالح هذه القارة حتى تصبح المصالح الافريقية المغربية وحدة يستحيل فكاكها،  وعليه تنكسر مؤامرات جميع الأعداء، ويصبح نقاش انتماء المغرب الى منظمة الوحدة الإفريقية  نقاش غير ذي معنى،  لأن المغرب اصبح في قلب إفريقيا  وافريقيا اصبحت في قلب المغرب،  ومفردات أعادء المغرب بشأن الصحراء المغربية  مفردات فارغة من اي مضمون لانها لا تساوي شيئا أمام ذوبان افريقيا في الكيان المغربي،  من خلال المشروع الاستراتيجي الواعد الذي حمله جلالة الملك الى افريقيا منذ أن دشن جلالته الانفتاح الاستراتيجي عليها .

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة