سؤال الهوية المغربية في خطاب العرش..الدلالات ،السياق والأبعاد

سفيان سفيان الحتاش- باحث

لا يملك أي متتبع للمشد السياسي والاجتماعي المغربي إلا أن ينوه أيما تنويه بخطاب العرش الملكي الأخير نظرا لصراحة هذا الخطاب وجديته وجرأته الاستثنائية في طرح المشاكل و تشخيص الاختلالات التي تعاني منها منظومة التنمية ببلادنا.  كما اتسم الخطاب بفضيلة النقد الذاتي  من خلال التركيز على مواطن الضعف والخلل، وما لم يتم إنجازه رغم الاوراش الإصلاحية الكبيرة التي قادها جلالته على جميع الأصعدة والميادين منذ اعتلائه العرش قبل 16 سنة خلت. وفي مقابل هذا المنهج العملي الذي يستند الى فكر سياسي واقتصادي استراتيجي الذي لا ينظر الى ارقام نسبة النمو  في حد ذاتها بقدر ما ينظر الى نصيب الطبقات الوسطى والفقيرة من هذا النمو واستفادتها من خيرات الوطن فإزاء هذه الواقعية الملكية وفضيلة التواضع التي يتسم الخطاب والسلوك الملكي بها نجد ان السيد بنكيران حينما أمسك برئاسة الحكومة، ظل يسوق الكلام الفارغ من المضامين والمنمق بالشعارات الساخنة التي استعملها في الدعاية الانتخابية، واستعملها قبل ذلك في الجامعات وفي  المعارضات، والتي مكنته من تمرير فراغه على جزء من المغاربة الذين تفاعلوا ربما مع  تسخيناته   في البداية، لكنه مع تكراره لهذه  التسخينات التي حاول إلباسها لباس الجلال الإلهي فإنهم اكتشفوا خواءه ومسرحياته -او هكذا نضن على الأقل-، خصوصا إذا علمنا أن المواقع الجديدة التي احتلها بنكيران وإخوانه وأخواته ليست مواقع لاستهلاك الخطاب الشعاراتي اللاهب، بل هي مؤسسات تحتاج إلى أجوبة وبرامج دقيقة وعملية  للإجابة عن الإشكالات السياسية والاقتصادية والقانونية، كما تحتاج جداول أعمال واضحة منها الآني والاستعجالي ومنها المرحلي ومنها الإستراتيجي، لكن ” بما أن فاقد الشيء لا يعطيه”، فإن خواءه العلمي والعملي قد دفعه إلى اعتماد آليات الصراخ والعويل، وإشعال الطواحين الهوائية ثم المباشرة في مواجهتها لخلق مناطق رمادية يستحيل تصنيفها ضمن خانة واحدة وواضحة ومقروءة والسبب في هذه الالتوائية والزئبقية وعدم الوضوح في المنهج البنكراني راجع بالخصوص في تقديرنا الى ذلك الخلل الكبير في تمثل الحركة الأصولية للعمل السياسي في علاقتها بالجماهير والقيم الديمقراطية من جهة والهوية المجتمعية والثقافية المغربية من جهة اخرى وهو ما نبه اليه الخطاب الملكي في دعوته الصريحة والمباشرة للشعب المغربي الى التمسك بالهوية المغربية والإسلام المغربي المتسامح والمعتدل الذي شكل على مر العصور مصدر اعتزازههم وتضحياتهم بتلك الهوية التي قادت تمسك أب الأمة بها سيدي محمد بن يوسف الى التضحية بحريته وحرية اسرته الكريمة من اجل صونها والذود عنها كما قال الخطاب الملكي. انطلاقا من هذا الفهم وهذه القراءة اذن  لا يمكن لنا في تقديرنا ان نفصل مضامين الخطاب الملكي ومواضيعه عن بعضها البعض باعتباره يشكل منهج ومدرسة في التفكير والاخلاق في علاقتها بالشعب المغربي والهوية المغربية التي أسس لها جلالته منذ اعتلائه العرش. تلك العلاقة التي تجسدها الملكية رمز الوحدة الوطنية وإمارة المؤمنين المجسدة للإمامة العظمى لجلالته التي أشهرت الحركة الأصولية في الآونة الأخيرة أسلحتها التكفيرية الفتاكة في وجهها لإعدامها ونسفها من الداخل وذلك عبر التشكيك في شرعية بيعتها أو عبر هدم وإنكار احد أركان مدرستها العقائدية والروحية ألا وهو التصوف المغربي الذي يعتبر أهم العوامل على الإطلاق لجاذبية الإسلام المغربي وسر انتشاره عالميا، فالملك الذي يخاطب شعبه بكل صدق ومصداقية وإخلاص وأخلاق إنسانية ودينية رفيعة ملئها التواضع والإنصات إلى نبض آلام وأمال شعبه هو نفسه أمير المؤمنين المؤمن على ثوابت الهوية الوطنية والتدين المغربي والراعي لتجربة ديمقراطية منفتحة على القيم الحداثية والديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان وهو حريص على إحداث توازن بين هذه الهوية المغربية وتلك القيم الكونية وهو التوازن الذي كثيرا ما فشلت فيه دول الشرق المحافظة التي صدرت إلينا تطرفها وإرهابها عبر عملائها من المهربين الدينين وهو الشيئ الذي حذر منه جلالته. في مقابل ذلك فان مشروع حزب بنكيران واذرعه الدعوية والجمعوية وحركاته الموازية لا يمكن فهمه إلا في خط فكري واديولوجي وسياسي متعارض ومضاد ومحارب لهذه الهوية والمدرسة المغربية التي يمثلها جلالة الملك بصفته الدينية والسياسة. ففيما يخص مآزقهم تجاه الجماهير فإنها تعود بالأساس إلى التعامل الاستعلائي الكهنوتي مع الناس، فالناس هم مجرد كتلة بشرية مفعول بها ، أي جعلها مصعدا للصعود وتحريك الشارع فقط عبر خطبائهم ووعاظهم ، هذه العلاقة القائمة على ما يمكن تسميته ب ” زاد المعاد”، فزاد الدنيا ليس في نظرهم إلا ” وسخا ورجسا من عمل الشيطان ” وعليه فلا ينبغي للمؤمن الحق أن يشغل باله به،، هكذا يتعامل اخوان بنكيران مع الناس، تعامل قائم على تصحيح العقيدة من البدع والشرك  وأفكار الغرب ……، للعمل على تزويد هؤلاء بعد غسلهم وإخضاعهم للوضوء الأكبر بزاد المعاد لولوج الجنة، وقد خلقت هذه العلاقة بين الحركة الاصولية -التي تعتمد  الادبيات الاديولوجية الاخوانية والوهابية المهربة من المشرق- والجماهير حالات طائفية تفتيتية خطيرة، بحيث غدا معيار” الجهاد الإخواني”  و”التدافع الحركي” هو ترديد وحفظ مقاطع من الكراسات الإخوانية وعلى رأسها “معالم في الطريق” و” لماذا أعدموني؟”، أما على مستوى المظهر فلا بد للأتباع التميز عن باقي الجماهير من “المغضوب عليهم والضالين” ,ذلك عبر إطالة اللحى، وحلق الشوارب، ولبس الملابس الأفغانية والسعودية، كل ذلك خلق طائفة داخل المجتمع المغربي فكرا وتنظيما ومظهرا، أما أدوات التواصل مع الفرقاء من المفكرين والسياسيين والاعلاميين والطلبة الجامعيين فهي الضرب والقتل والسب والشتم ، أينما حلوا بهم ، في المساجد والكنائس والجامعات والمدارس والنوادي والمؤسسات والأحياء السكنية والحافلات ، ولم تنج المرأة من هذه السلوكات الطائفية، وذلك بان اتخذتها صورة من صور التمايز الطائفي الاستعراضي، لتصبح بذلك لوحة من اللوحات الإشهارية للمنتوج الإخواني ، ولم يتوقف القمع الإخواني للمرأة على تعبئتها بالخطابات القروسطوية فحسب، بل تجاوز ذلك، إلى تغليف جسدها بالملابس السميكة والمزدوجة ذات الألوان الداكنة والمنقبة والملثمة، مع خيط على نقطة الأ نف للفصل بين العينين وهي الملابس الغريبة كل الغرابة عن الهوية والتقاليد المغربية التي ذكرها الملك في خطاب العرش. كانت تلك صورة مقتضبة لتصوير العطب الدائم والخلل التكويني الذي لازم الحركة الأصولية المتأسلمة  في علاقتهم بالجماهير. الذي ترك الصراع الحقيقي على قضايا البلاد المصيرية  وراح يخلق صراعات على جسد الإنسان والعدو هلامي شيطاني غير مرئي ولا محسوس، أما عطبهم الدائم إزاء الفكر الديمقراطي وآلياته، والفكر الحقوقي ومنظومته، فهي أكبر وأضخم من أن تسجل أو تختصر، فقد أفرد لها المفكرون المتنورون كتبا وأبحاثا ودراسات تحتاج إلى عمل ببلوغرافي خاص، وأكبر عطب إشكالي للقوى المتأسلمة بالديمقراطية هو سلخ إطارها عن جوهرها، أي عدم الإيمان بالديمقراطية كفلسفة وكفكر، إنما النظر إليها كمركوب  آمن وسريع ومجاني ومريح للوصول إلى السلطة، ولذلك ينتظم الإخوان في العمل السياسي  الديمقراطي، مع كفرهم بالدولة ومؤسساتها وبشرعيتها ، فيؤسسون الأحزاب والجمعيات والشبيبات ويدخلون الانتخابات ويرشحون الإخوان والأخوات، ويستفيدون من مكاسب المؤسسات، لكنهم يرفضون المبدأ المركزي في الديمقراطية وهو أن الشعب هو مصدر السلطات، لأنهم يقولن بأن الله هو مصدر السلطات، وبما أنهم يتكهنون على الجماهير فإنهم يمنحون أنفسهم دور الوسيط بين الله والناس، لينبوا عن الله في تصريف السلطة الإلهية وتدبيرها وسط الناس. مع العلم ان فلسفة الذات الإلهية في القران الكريم  تفيد أن سيادة الله، والدفاع عن الله تعالى وخدمته تقتضي خدمة الناس والدفاع عن حقوقهم، أي أن سيادة الشعب والناس هي سيادة لله في عمقها، وأن الذي يسيء إلى الناس فإنه يسيء إلى الله، وأن عظمة الإنسان تكمن في خدمة الإنسان، فما كان للإنسان الذي خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والتراءب أن يخدم الله، ذلك أن الله عز وجل غني عن العالمين، وهذا المفهوم هو قرآني في جوهره وليس اختلاقا منا فقد بينته عدة آيات قرآنية، منها قوله عز وجل ” من يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كبير” ففي هذه الآية يحل الله محل الانسان ويحل الإنسان محل الله تعالى ، بحيث تصبح خدمة الإنسان ومساعدته ماديا بالأساس بمثابة إقراض لله تعالى، كما نقرأ في آية أخرى معنى يؤكد هذا المعنى بوجه آخر في قوله تعالى” أراءيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين”، وعلينا أن نلاحظ هنا أن الله تعالى في هذه الآية لم يجعل المكذبين بالدين فقط هم الذين ينكرون أصول الدين وأركان الإسلام ، فالمكذبون بالدين هم الذين يدعون اليتيم، ولا يحضون على طعام المسكين وقوت المساكين )وأجور الموظفين البسطاء التي يجهز عليها السيد بنكيران بالاقتطاعات عند ممارستهم لحقهم الدستوري في الإضراب(، وفي نهاية السورة نفسها يسلط الله تعالى الويل على الذين يمنعون الماعون عن الناس، في مرتبة واحدة مع الذين يصلون رياء وتظاهرا وتقدسا على الناس. هكذا يتنكرون “المتأسلمون”  للفهم القرآني هذا الفهم الإلهي المقدس الذي يجعل الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، يرفضون هذه المضامين ليقوموا بإدخال الفهم الكهنوتي والممارسات الإكليروسية إلى الحقل السياسي، بدءا بالتميز والتقدس في تسمية التنظيم” الإخوان المسلمون”، “الإصلاح والتوحيد”،” العدل والاحسان”، “الجبهة الاسلامية”، هكذا تبتدئ القداسة والاستكبار على الناس والتأله بدءا باسم التنظيم، راكبين بعدها كل الآليات الديمقراطية وضاربين المفاهيم المدنية والحرية والحداثة وحقوق الإنسان والمساواة  والانتخابات القائمة على حرية الاختيار المبنية بشكل متسلسل لا يقبل القطع والقطيعة على التعددية والاختلاف وليس على التعبئة والوصاية والرقابة وفتاوى التحريم والتكفير والمنع وضرب المخالفين بالسكاكين وتفجيرهم، وفي هذا الصدد نستغرب لبعض الأصوات التي تنبعث من شخصيات تقدمية محترمة لتقول: ” إن هناك من يستخدم الإسلامويين  كفزاعة لدوام الاستبداد”، وهو ما أطرب المهربين ليتبنوا هذا الطرح وتسويقه اعلاميا وسياسيا، وللجواب على هذا القول لابد من التذكير أن مواجهتنا لهذا الزحف الأصولي الظلم والظالم أهله، لا يمكن أن يقوم على تشجيع الفساد والاستبداد، ولا على مواجهة الإصلاح وعرقلته بدعوى صد )المهربين الدينيين(، لأن هذا الفساد والاستبداد نفسه لم يتقو ويستأسد داخل الدولة إلا بتغطية وتحالف مع المتأسلمين الذين كانوا المواجه الأكبر لكل الأصوات المتنورة الفاضحة للفساد والاستبداد، وذلك عبر تحالف موضوعي بينهما، فهل يظن هؤلاء بأن الذاكرة مثقوبة إلى هذا الحد، أو أنها قصيرة وقاصرة عن استرجاع  واستعادة التاريخ القريب جدا للصداقة الدائمة التي كانت بين العصا والجزرة بتطبيق من المتأسلمين أنفسهم في خدمة مباشرة للفساد والاستبداد؟؟ بدءا بمصر ، لقد كان الإخوان أول من واجه التنوير والتحرير بشتى الأسلحة بدءا بالتجريم ثم التحريم والتكفير والضرب والقتل والتفجير  والسباب واللعان وتطليق المفكرين عن زوجاتهم ، هل ظننتم أن الذاكرة قد نست المعاناة المريرة التي عاشها طه حسين وذلك بتحالف السلطات المستبدة وتنظيم الاخوان لسحق مشروعه التنويري الذي أطلقه تحت عنوان ” التعليم كالماء والهواء هو حق بالمجان لكل المواطنين، فقد طردوه من الأزهر ثم طرد من الجامعة كأستاذ ومنعت كتبه واتهم في دينه  ومواطنته….، ومن واجه أكبر مبدع  روائي ناقد للاستبداد في موسوعته الروائية الخالدة، إنه نجيب محفوظ الذي خاض حربا شرسة ضد الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للنظام المصري والذي غدت رواياته بمثابة تاريخ نقدي متعدد الأوجه للمجتمع المصري، وهو ما بوأه اعترافا عالميا بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب، ونكرر السؤال هنا من الذي واجه نجيب محفوظ وهاجمه بمختلف الأسلحة في دفاع غير مباشر عن النظام المصري القمعي ؟ أليس الإخوان المسلمون الذين زندقوه وحرضوا النظام على منع عدد من رواياته، واتهموه بالعمالة للغرب بعد حصوله على نوبل، بل إن أحدهم تجرأ على طعنه بالسكين وهو في أواخر عمره، ونجا من الاغتيال. ومن حرض على قتل فرج فودة وزكى عملية اغتياله وباركها، أليست هي فتاوى الإخوان وسكاكينهم التي فرختها رؤوس الأفعى المتعددة، ومن هاجم وكفر وهجر نصر حامد أبو زيد وواصل القضاء الرسمي عملية البلطجة فحكم بطلاق زوجته فمات مهجرا من وطنه وغريبا في هولندا، وما هذه إلا صور صغيرة من القمع والإرهاب  الممنهج للإخوان في تحالفهم الموضوعي مع النظام المصري القمعي، وحتى إن تخلل المشهد صراعا قذرا بين الإخوان  والنظام المصري القمعي فلا يعدو أن يكون صراعا بين الوحوش المفترسة على الفريسة، وربما لن نكون في حاجة إلى طرح سؤال من خدم  دينيا وحركيا وثقافيا وضربا سنوات الرصاص في بلادنا وذلك عبر ملاحقة وتكسير وترهيب كل صوت تقدمي فكري أو نقابي أو سياسي، بدءا بالشهيد بنبركة بدءا بالدكتور الخطيب مؤسس العدالة والتنمية والزمزمي الذي قال في الصحافة وبدون خجل أو استحياء من الله ولا من الشعب ، أن قتل بنبركة حلال وكان ينبغي أن يقتل عدة مرات؟ أيشرف البرلمان المغربي أن يكون هذا الصوت البلطجي المتأسلم ووجه صاحبه بداخله؟ ومن قتل الشهيد بنجلون، ومن قتل وقاتل وخرب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من الداخل ومن هدد لمرات عديدة أستاذنا الدكتور محمد المرابط  وكان آخره التهديد الذي وجه إليه من طرف الطالب السلفي طارق الحمودي ب “تجباد الودنين” ووضعه موضع السيسي من الإخوان المسلمين في مصر. وهو تهديد يحمل رسائل واضحة إذا علمنا أن الإخوان “يجبدون” أذني السيسي، كما يشهد على ذلك العالم، بالعمل الإرهابي مع ما يقتضيه ذلك من نشر للفوضى وتفجير لمؤسسات الدولة واستهداف لرجال القضاء و الأمن والقوات المسلحة.؟….، أليس هؤلاء )المهربون الدينيون( الذين منهم الآن من يحلقون ذقونهم و يضعون البدلات الأوربية ورابطات العنق  ويتحدثون عن التعديل الدستوري ويزايدون في الجرعات الديمقراطية على خطاب 9 مارس ولكنهم ما بدلوا تبديلا في عقيدتهم الوهابية والاخوانية التكفيرية ؟ اما كفر الحركة الأصولية المتأسلمة بالهوية والقيم المغربية كما تحدث عنها الخطاب الملكي فهو ليس في حاجة الى قول و دليل على مستوى الفكر والعقيدة والسلوك وهذا ما جعلنا نقول دائما أن مشكلتنا مع هؤلاء المتأسلمين ليست سياسية فحسب، بل هي هوياتية بنيوية فكرية، فالظاهر من خلال خرجة الريسوني مثلا  في صيف 2012 وغيره من محاربي الإسلام المغربي والخصوصية الوطنية في طعنه في بيعة امير المؤمنين، أن هؤلاء يكفرون بكل ما يتعلق بهذه الهوية الثقافية والفكرية والتاريخية لحضارة هذا البلد، وهذا الإشكال الذي نجده الآن مع المتأسلمين لم نكن نجده مع فقهائنا المغاربة التقليديين، مع العلم أنه لم يكن حينها مفهوم الهوية مطروحا بهذا المنظور الحداثي الذي طرحه جلالة الملك في خطاب العرش وفي خطاباته الأخرى أكثر من مرة، لكن فقهاءنا لا شك أنهم كانوا يستحضرون مضامين وعمق الهوية في اجتهاداتهم الفقهية، وإذا ما قلبنا صفحات تراثنا الفقهي المالكي فسنقف لا محالة على ذلك، الأمر الذي منحنا خصوصية مناطقية من داخل عمل أهل المغاربة، فوجدنا عمل أهل جبالة، وعمل أهل سوس، وعمل اهل فاس وعمل أهل الريف وعمل أهل الصحراء،آنذاك سندرك لماذا  مثل المغرب قبلة العلم في العالم الإسلامي فالدولة المغربية على مدى 12 قرن بنت لنفسها نموذجا فريدا من نوعه حضاريا وثقافيا ودينيا وهو ما جعلها تتحول الى دولة أمة شكلت استثناءا في العالم الإسلامي فبقيت عصية عن أي اختراق مشرقي سواء  كان اديولوجيا او عسكريا أو سياسيا. واذا أضفنا لطعن الريسوني في بيعة امير المؤمنين إنكار السيد بنحمزة رئيس المجلس العلمي المحلي لوجدة للتصوف في الدرس الحسني الرمضاني الأخير وأمام حضرة ومقام أمير المؤمنين في ‘’موضوع سلفية الأمة والتمثلات المغربية’’ سنفهم جيدا مشروع وعمل الحركة الأصولية التي تعمل جاهدة  وبشكل ممنهج على  نسف أسس المشروعية الدينية والتاريخية للدولة المغربية وهو ما توقف ونبه إليه الدكتور المرابط في مقالاته الأخيرة ونخص هنا بالذكر مقاله المنشور في الأحداث المغربية وموقع أنفاس بريس بعنوان )هل تخلت الدولة المغربية عن مشروعيتها الدينية( ومقالته ) السلفية المغربية، من رهان الأمة إلى رهان الدولة( وكثير من المقالات الاخرى التي دأب د المرابط على نشرها في إطار حلقات استهدفت استحضار الخلفيات التاريخية والدينية والسياسية لتكون الدولة الوطنية بالمغرب لفهم كثير من الإشكالات التي تساعدنا على فك كثير من ألغاز الصراع الراهن مع الحركة الأصولية المحكوم بمداخل شتى يتقاطع فيها الاديولوجي بالسياسي بالتاريخي دون ان ننس النقاش الذي ساهم فيه عبد ربه مع السيد المرابط حول تداعيات ندوة المجلس العلمي الأعلى حول مفهوم السلفية في شهر ابريل الماضي. واذا كان الشق الديني في خطاب العرش جاء في سياق سياسي وامني يتميز بارتفاع منسوب التهديدات الإرهابية إلى أعلى مستوياتها والتي كانت للأجهزة الأمنية الوطنية  فيها اليد العليا و القوة الحاسمة والضابطة لحماية البلاد من عشرات العمليات الإرهابية التي كانت البلاد لا قدر الله ستقع في دائرة إجرامها وإرهابها، فان خطاب العرش الملكي وضع أصبعه على مكمن الداء الحقيقي الذي يكمن في التيارات المذهبية التي تخترق المجال والهوية الدينية والثقافية المغربية وعملها الممنهج في غسل المغاربة من انتمائهم الثقافي والحضاري والديني المتسم بالوسطية والاعتدال والتعدد والتعايش وتقذف بهم في جهنم حركات الإجرام الديني المشرقية وفروعها الشمال الإفريقية. الخطاب الملكي أيضا وجه رسائل لمن يهمهم الأمر في الشأن الديني وكشف ان ثمة خلل كبير في تدبير الشأن الديني جعل المغاربة في انكشاف ديني وروحي و ثقافي وفكري أمام موجات التطرف الديني القادمة من المشرق وهو ما جعل الملك يعبئ المغاربة بنفسه بدون وساطة المؤسسات الدينية التي من المفترض هي التي تقوم بهمة تأطير المواطنين دينيا. الخطاب ايضا قطع مع سياسية ’’ كولو لعام زين في تدبير الشأن الديني’’ التي تحلو لبعض الجهات السياسية والإعلامية ترويجها وتسوقها لغاية في نفسها ولخلفيات بعضها لا يخفي على أحد. خطاب العرش انطوى على كثير من الأبعاد والدلالات منها ما ذكرناه آنفا ومنها ما يحتاج لقراءات في مستويات مختلفة سنرجع اليها في مناسبات أخرى بحول الله . الخطاب أيضا  ينم عن رؤية إستراتيجية واستشرافية تلامس آمال وآلام الشعب المغربي و في استحضاره لسؤال الهوية المغربية الضامنة لدوام الدولة واستمرار مشروعيتها واستقرار الأمة وتقدمها وهي الهوية المغربية نفسها التي ترى فيها القوى الأصولية المتأسلمة الخاصرة الرخوة للانقلاب الناعم على هذه المشروعية وهي تراهن في ذلك على استغفال الدولة والمجتمع بخطاب وسلوك ظاهره الرحمة ولكن باطنه العذاب . حمى الله هذا البلد الأمين وكان في عون جلالة الملك أمير المؤمنين وإمام الأمة على صيانته وتحقيق آمال الأمة المغربية.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة