مصحة الضمان الاجتماعي بوجدة وصناعة الموت رحم الله عبد الكريم العرابي

 

abdelkrim-elarabiأربعة أيام ليس أكثر،في مصحة الضمان الاجتماعي العتيدة …كانت كافية لأن تضع حدا لمسيرة الصديق والأخ العزيز الدكتور عبد الكريم العرابي.أربعة أيام فقط أثبتت للعائلة والأصدقاء أن مصحة الضمان الاجتماعي بوجدة، ليست في أحسن أحوالها .دخل الراحل إلى المصحة حيا على رجليه ،فخرج منها جثة هامدة على نعشه .لم يمت بسكتة قلبية ،ولا بنزيف حاد…مات عبد الكريم قضاء وقدرا -ولا راد لقضاء الله – في ركن “قذر” من مصحة الضمان الاجتماعي، يسمى بدون حياء قسم الإنعاش .سرير بائس ،غرفة كئيبة وتجهيزات كل ما يمكن أن يقال عنها، أنها لا تحترم حق الإنسان في الحياة . طبيب واحد وبضع ممرضات يشتغلون في ظروف مزرية ،وفرة في أعوان الحراسة والأمن ،وكأن المكان قسم شرطة. كل شيء في المصحة يوحي بأن الموت يسكن في مكان قريب .
فلاش باك:
رن هاتفي ،وأنا في العمل ،تفحصت الرقم لأجيب ،عبد الكريم على الخط،كنت أعرف انه كان يشتكي من مشاكل صحية طفيفة ،كما هو الحال عند كل الناس.
– ألو ،عبد الكريم ،كيف حالك ؟
-بخير والحمد لله ،أنا الآن في مصحة الضمان الاجتماعي،عندي مشاكل صحية.
-أزمة عابرة إن شاء الله .
-لقد أرسلت رخصة مرضية إلى الإدارة ،من فضلك تابع الموضوع بنفسك.
-لا عليك ،إهتم بصحتك ،هذا هو الأهم.
حاولت أن أعرف منه نوع المرض وظروفه ،لكنه كان يتلعثم قليلا في الكلام ،حينها قررت أن أزوره في المصحة ،حتى أقف على واقع الحال …
وأنا في الطريق ،هاتفت أصدقاءنا ،لأخبرهم بالأمر ،خاصة وأن عبد الكريم كان محبوبا لدى الجميع ،وكان لا يتوانى عن مساعدة ومؤازرة كل الأصدقاء في الشدائد والمحن كما في الأفراح.
فلاش باك:
وأنا في الطريق ، بدأ يوم 18 يناير 1990 حين ولادة إبني في نفس المصحة والتي كان يضرب المثل بنوعية الخدمات التي كانت تقدمها ،تبعته لقطات لبعض الزيارات لبعض أفراد العائلة والأصدقاء الذين استفادوا من خدمات المصحة من سنة لأخرى،وانتهى حين وضعت رجلي على السلم .سألت في مكتب الإرشادات فوجهوني إلى الطابق الثاني ،وجدت ممرضة جالسة في مكتب ،سألتها عن صديقي ،بحثت في كناش المرضى،لم تجد الإسم…
-هل أنت متأكد أنه هنا؟
-طبعا .
بحثت وبحثت ثم قالت:إذن لم يبق أمامك إلا قسم الإنعاش.
التحقت بقسم الإنعاش الذي لم يكن يبعد عن هذا المكتب إلا ببعض أمتار،سألت عن صاحبي ،فتأكدت أنه هناك.ممر طويل ،فصل عن باقي المصحة بخزانة حديدية وغطاء.أزحت الغطاء ودخلت ،وجدت صديقي ممددا على سرير -في غرفة تحتوي على سريرين – مبتسما كعادته ،عانقته ،وانطلقنا في الحديث والسؤال .كان المسكين يسألني عن أخباري أكثر مما أسأل عن أخباره ،عن المهرجان أين وصلت التحضيرات ؟عن العائلة والأولاد ؟ عن الصغير والكبير؟كان عبد الكريم حين يسأل عن أبناء أصدقائه، يضيف كلمة سيدي ،كيف حال سيدي مهدي ؟كيف حال للا هدى … علامات المرض بادية عليه ،اصفرار وشحوب للوجه ،يقابلهما صبر وإصرار على الحياة.دخلت الممرضة ،أخذتها جانبا وسألتها عن الحالة،فأجابتني بإننا لا يمكن أن نعرف قبل إجراء التحليلات والأشعة. كان كل شيء مبعثرا في الغرفة ،سألت صديقي المرحوم :
-من أتى بك إلى هذا المكان؟
-رجلي جابوني أخويا خالد.
أبديت له عدم رضاي عن المصحة، لكنه أكد لي أنهم يقومون باللازم .حاولت أن أشحنه بالإيمان والصبر والشجاعة لمواجهة المرض ،معتقدا في قرارة نفسي أن صاحبي سيخرج منها منتصرا بإذن الله،نظرا لما أعرفه عنه من كفاح ومقاومة .
خرجت من المصحة وأنا غاضب من المكان ،شممت رائحة الموت، لكنني استبعدتها لأنني لم أفكر لحظة أن عبد الكريم على مشارف الرحيل ،كان مريضا حقا ،ولكن لم يكن في حكم الميئوس من حالته .
اتصلت ببعض الأصدقاء ،خاصة عبد الرحمان والذي له ابن عم أستاذ بكلية الطب ،كما أن له معارف كثر من الأطباء ،وأصبح بحكم اختلاطه وصداقته معهم ، مستشارنا الطبي ، فاتفقنا على اللقاء في المصحة بعد خروجه من العمل.
عدت لزيارة عبد الكريم ،وحدي ،فوجدت الطبيب المشرف على علاجه ،قرب السرير ، هممت بالخروج لأتركه يباشر عمله ،أشار إلي بالبقاء ،سألني هل بإمكاني أخذ تحاليل مستعجلة إلى المختبر ،أبديت استعدادي طبعا،أخرجني من الغرفة وطلب مني الانتظار حتى يحضر المادة .بعد دقائق ،فتح الطبيب الباب ،وفي يده قارورتان صغيرتان ،ألصقت عليهما ورقة، كتب عليها شيء ما ،ثم دلني على اسم المختبر ،وطلب مني العودة لأخذ تحليل آخر بعد ساعة من الآن. هممت بإلقاء نظرة على وجه صديقي قبل أن أغادر المكان… حينها شاهدت وجها آخرا لعبد الكريم، جمع شفتيه ،وأغلق عينيه ،في حركة أحسست معها أن عملية أخذ عينة الدم لم تكن بالهينة ،وقد عرفت فيما بعد أنها عملية biopsie (أخذ خلايا أو نسيج)من صدر عبد الكريم . بعد رجوعي لأخذ العينة الأخرى ،لم أجد الرجل الذي أعرفه ،وجه آخر يكسوه الشحوب والاصفرار من كل مكان . هنا بدأ الانهيار ، سكت عن الكلام ،لم يعد يقوى على فتح عينيه ،تنفس إصطناعي ،الأمور لا تبشر بخير.جاءت النهاية سريعة ، ،كثر الزوار،سرى الخبر في كل أنحاء المدينة ،بين الزيارة والأخرى ،من الأسوء إلى الأسوء ، آخر زيارة قبل الموت ،بعض الزوار يذكرونه بالشهادة ،إنتهى الأمر،مات ولد درب العرابي الذي كان يفتخر بانتمائه إليه ، وهو الحي المعروف لدى الوجديين القدامى …نسأل الله الرحمة والمغفرة للفقيد ،والصبر والسلوان لزوجته الكريمة التي كان يتكلم عن صبرها دائما ومساندتها له في الحياة .لقد كان عبد الكريم فخورا بعائلته الكبيرة ،عائلة العرابي العريقة في وجدة ،لكنه حين كان يتحدث عن رياض الإبن المحبوب ، وعن وجدان الغالية ، كان الأمر يأخذ بعدا آخر ،لقد كان يردد :هما أعز ما أملك..

 

 

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. يوسف

    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة و السلام على خير خلق الله
    انا لله وانا اليه راجعون اللهم يا رب ارحمه ووسع مدخله و ارزق ذويه الصبر و السلوان
    هذا استاذي في سنة 1986 باعدادية علال الفاسي بوجدة كنت ادرس عنده في السنة الثانية اعدادي انذاك
    كما انني اعمل بالجماعة بوجدة و لدي رئيس مصلحة صاحبه قال لي بلغ تعازي لاسرته لانه يعرفه السيد عبدالخالق مومن بالجماعة وجدة
    كما نتمنى لزوجته الصبر و عائلته كما ندعوا الله العلي القدير ان يسكنه فسيح جنانه و ان يجعل قبره روض من رياض الجنة امين يارب العالمين
    والحمد لله رب العالمين
    يوسف .الز

  2. محسن العروسي

    كل نفس ذائقة الموت.ندعوا الله العلي القدير ان يسكنه فسيح جنانه بجوار النبيئين والصديقين.كان المرحوم أستاذي لمادة اللغة العربية بثانوية وادي الذهب في أواسط الثمانينات بوجدة.كان قدوة ومثالا للأستاذ النبيل الذي يؤدي مهنته بصدق وتفان.رحم الله الفقيد وألهم ذويه الصبر والسلوان.