سليمة فرجي: لا أحد يجادل في كون الفصل 475 يحمي الجاني ويشجع مثل هذه السلوكات الإجرامية والتمادي فيها والإقبال عليها من طرف المغتصب

 

 

asalimaنص مداخلة السيدة النائبة عن دائرة وجدة أنكاد بإسم فريق الأصالة والمعاصرة الأستادة سليمة فرجي في إطار مناقشة مشروع قانون يقضي بتعديل الفصل 475 من القانون الجنائي :

السيد الرئيس،

السيدات والسادة النواب،

لي كامل الشرف أن أتناول الكلمة باسم فريق الأصالة والمعاصرة في إطار مناقشة مشروع قانون يقضي بتعديل الفصل 475 من القانون الجنائي، نفس مقترح التعديل الذي تمت المصادقة عليه من طرف مجلس المستشارين.
لقد عرفت بلادنا خلال السنوات الأخيرة نهضة حقوقية وفكرية لتكريس المبادئ الإنسانية والكونية، وقد جاء الدستور الجديد في هذا السياق ليعتمد توسيع مجال الحريات وصيانة حقوق الإنسان وخلق كل الآليات والوسائل لتنزيلها على أرض الواقع، وبذلك تكون الدولة ملزمة بحماية هذه المكتسبات والحرص على تطبيقها عبر خلق إطار قانوني يتلاءم مع مقتضيات هذا الدستور والاتفاقيات والمواثيق الدولية، وجعلها تسمو على التشريعات الوطنية بمقتضى تصدير الدستور، وسد الفراغ القانوني وتعديل النصوص القانونية التي تعزز إشكاليات معقدة وتساهم في خلق ظواهر اجتماعية مجحفة بل ومآسي إنسانية، ونبذ الاكتفاء بدور المتفرج البسيط للتاريخ تكريسا لقاعدة « إبقاء ما كان على كان ».
وقد شكلت صرخة المرحومة أمينة الفيلالي الانتحارية بتاريخ 10 ماي 2012 بالعرائش بعد سلسلة معاناة انتهت بتزويجها بمغتصب طفولتها، في إطار الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي، منعطفا في هذا الشأن، هذه القضية هزت الرأي العام الوطني والعالمي بجميع مكوناته وكانت بمثابة صحوة هزت جميع الفاعلين من أجل المطالبة بإلغاء النص القانوني الظالم، والذي يجد أساسه في مدونة جنائية يعود تاريخها لسنة 1962 تسمح بتزويج المغتصب من ضحيته، وذلك لطمر العار في ظل عقلية بائدة تفرز ظلما بينا يتنافى مع أبسط مبادئ الأخلاق وضربا للقيم الإنسانية التي نسعى جميعا إلى حمايتها، ولا أحد يجادل في كون مقتضيات الفصل 475 تعمل على حماية الجاني وتشجيع مثل هذه السلوكات الإجرامية والتمادي فيها والإقبال عليها من طرف المغتصب تحت قناع الرضى دون وازع ولا رادع لعلمه المسبق أنه سيفلت من العقاب، وفي ذلك شرعنة لجريمة بشعة وإفلات مؤكد من العقاب، والمساهمة في خلق أسرة أساسها زواج مبني على اعتداء جنسي وثمارها حرمان قاصرات من حقهن في الطفولة والتمدرس والإنجاب المبكر وما يستتبع ذلك، من مشاكل صحية واجتماعية ونسبة الطلاق المرتفعة، على اعتبار أن أسرة الجاني بل وحتى أسرة الضحية تسعيان لاستصدار الإذن بالزواج لما يكون الجاني رهن الاعتقال، وبمجرد إبرام عقد الزواج يكون مصير الضحية التعذيب النفسي والمجتمعي وينتهي الأمر بالطلاق والتفكك العائلي.
سيدي الرئيس،
السيدات والسادة النواب،
لا أحد يجادل في كون النص القانوني يهدف إلى الردع أولا والعقاب ثانيا، وإذا كان الفصل 475 من القانون الجنائي يعفي الجاني من العقاب في حالة الزواج من الضحية، فإنه يحمل في طياته تشجيع هذا الأخير وأمثاله من الإقبال على جريمة والإفلات من العقاب ويكرس النزعة الذكورية واستضعاف الجنس الآخر، وواقعة الانتحار لخير دليل على المعاناة القاتلة للضحية ورفضها للظلم والاحتقار، ظلم واحتقار وانعدام ضمير الأمة الذي يبدو أنه عجز عن المراجعة والقيام بالنقد الذاتي وتوسيخ العقلية المسببة له، إنه انتحار ثقافي غير قادر على إنتاج بدائل للاستبداد الثقافي والمجتمعي المتعارف عليه والمبارك من طرف المجتمع على اعتبار أن المقتضيات الجنائية المتعلقة بالاغتصاب والاختطاف والتغرير بالقاصرات يركز بالأساس على حماية الأخلاق العامة، وليس حماية الحرية الفردية للفتاة وحرمة جسدها وتطور ونمو شخصيتها نموا سليما يحترم طفولتها ويؤمن بتمدرسها وحقها في العيش الكريم وتكرين أسرة متماسكة لما تسمح الظروف بذلك عن بينة واختيار، لا اعتبار الزواج يسمو فوق كل شيء حتى على الجرائم البشعة وسلب إرادتها وحريتها رغم أن الحرية والإرادة من مكونات الشخصية الإنسانية والمدنية والقانونية.
سيدي الرئيس، السيدات والسادة النواب،
إن تعديل بعض فصول مدونة القانون الجنائي لا يكفي ولا يحقق المقاصد بل يحتاج الأمر إلى تصور شمولي يندرج في منظور استراتيجي لمحاربة العنف ضد النساء بكامل أشكاله تجسيدا لما صادقت عليه المملكة من مواثيق دولية ذات الصلة.
وتعديل بعض فصول مدونة القانون الجنائي لا يكفي، ولا يحقق المقاصد، بل يحتاج الأمر إلى تصور شمولي يندرج في منظور استراتيجي لمحاربة العنف ضد النساء بكامل أشكاله تجسيدا لما صادقت عليه المملكة من مواثيق دولية ذات الصلة.
واقتناع فريقنا بأن القاعدة القانونية المتطورة إذا كانت تساهم بشكل ملموس في تطوير المجتمع وتقدمه فإن ذلك لا يكفي لوحده، بل يحتاج الأمر إلى تظافر الجهود، والمواكبة واليقظة وتنقية المناخ العام بالثقافة والإعلام والتحسيس والنضال.
وشكرا السيد الرئيس/

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة