التدبير الجماعي في وجدة مقاييس التقييم و المساءلة

بموجب التعديلات الأخيرة التي عرفها الميثاق الجماعي و التحولات العميقة التي اثرت على نظام التدبير العمومي، لم تعد مهمة الجماعات الترابية  خاصة الحضرية و القروية منها تقتصر فقط على ضمان حسن سير المرافق المحلية و تخفيف العبء على مركز القرار بل تعدتها إلى الإتخراط الفعلي في تحقيق التنمية المحلية كمسلسل نوعي على المدى المتوسط و البعيد، بل أصبحت ملزمة بإعداد مخططاتها و السهر على حسن تنفيذها بالاعتماد على إمكانياتها الذاتية من جهة وتوسيع مصادر تمويل برامجها عبر الانفتاح على كل الفاعلين المحليين أو الراغبين في العمل على النطاق المحلي و استغلال كل أساليب العمل المشترك، فالتنمية حسب شعار ملتقى الجماعات المحلية بأكادير هي” مواطنة و مسؤولية”.

إن هذا النوع من الفعل العمومي يفرض ضرورة الحسم مع الأساليب الكلاسيكية البيروقراطية المنغلقة بطبيعتها على الذات، و هي أصلا قطاعية و فوقية،  و التي لا يمكن لها إلا مراكمة الفشل و الزبونية و ألمحسوبية و غيرها ( المثل الشعبي المغربي يقول لي يحسب الراسو شاط لو)، الأمر الذي أصبح يستدعي إعادة النظر في الهياكل الإدارية القائمة و بناؤها على أسس جديدة تتماشى و مكونات العمل الاحترافي المسؤول المبني على مبادئ الحكامة و الشفافية و ربط المسؤولية بالمحاسبة بما تعنيه من إعادة تنظيم العلاقات و إعادة توزيع الأدوار في اتجاه تعزيز التعاون و التعاضد و التكامل و هي كلها مفاهيم فرضت نفسها في الإدارة الحديثة عالميا و الأكيد أن من لا يتقنها و يكد من أجل تحقيقها سيطاله التهميش طال الزمان أم قصر.

إن الأخذ بهذه المبادئ و الالتزام بحسن تنزيلها سيقوي لا محالة دور المجالس الجماعية و يتيح لها صياغة مصلحة عامة محلية تبرز خصوصيتها من جهة و تشكل أرضية حقيقية للحوار مع الذات و مع الآخر و هو ما سيقوي استقلالية القرار الجماعي و يعدل من آليات اتخاذه.

و لعل توفر الجماعة على إدارة قوية، منظمة و كفأة تتوفر على جميع الإمكانيات المادية و المعنوية هو أحد الأساليب الوقائية التي تتيح للجماعة المزيد من الحصانة إداريا و المصداقية شعبيا (التكاليف الخفية (les couts cachés)، حسب المقاربة التي يتبناه أصحاب التدبير بالجودة) و من المهم أيضا أن تكون هذه الإدارة قريبة من جميع أبنائها و ساكنتها على اعتبار أن هذا القرب يساعد على نجاح تدخلاتها بل و يشرعن تسميتها كإدارة للقرب (entité de proximité).

إن تناول هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات يتزامن مع النقاش الذي تعرفه أسوار الجماعة الحضرية بوجدة و خارجها حول من سيخلف الكاتب العام الحالي المقبل على التقاعد و ما هي الآليات التي ستعتمدها الجماعة الحضرية بوجدة من أجل تنظيم التباري على هذا المنصب على ضوء الترشيحات المتعددة التي تلقتها الجماعة لحد الآن.

في البداية ملاحظة شكلية على الإعلان:

كان من المفروض أن يتم الإعلان عن فتح باب الترشيحات لهذا المنصب بجميع الوسائل التي تتيح الإطلاع عليه (الموقع الإلكتروني للجماعة، الإعلان بمقرات الجماعة، مراسلة السلطة الولائية قصد تعميمها على كل المصالح المعنية)، فالهدف هو جلب أكبر عدد من المتنافسين لأن في ذلك تجسيد لانفتاح الجماعة على ذاتها و محيطها و هو كذلك تأكيد من المسؤولين بالجماعة على أن الغاية من فتح باب الترشيح هو البحث عن الأفضل من أبناء المدينة و خارجها.

كما كان بالإمكان تضمين الإعلان اختصاصات الكاتب العام، المنصب الذي سيتم التباري حوله بالإضافة إلى الشروط و الشواهد العليا المفروض توافرها في كل مرشح.

لنفترض أن جميع المتصرفين و المتصرفين المساعدين  بالجماعة فقط قدموا ترشيحاتهم، و هم بالمناسبة يناهزون 300 إطار، فكيف كان سيتم الفصل في ترشيحاتهم قبل الحديث عن الحسم في الفائز من بينهم و ما هي التكاليف التي كانت الجماعة ستتكبدها (الوقت – عدد لجان الفرز- الإجراءات التنظيمية ناهيك عن مصداقية الجماعة الذي لا تقدر بثمن التي كانت ستضرب عرض الحائط لعدم وجود معايير موضوعية…)

و دون التعمق في تفاصيل هذا الموضوع، يمكن القول أن هذا النقص هو جزء من الضعف العام التي تميزت به مؤسسة الكتابة العامة في الجماعة الحضرية بوجدة بشهادة كل من تعامل مع هذه المؤسسة من قريب أو من بعيد .

و بغض النظر عن أسباب هذا الضعف و هل هو راجع إلى تجاوز بعض المستشارين لصلاحيتهم أو لأسباب مرتبطة بهذه المؤسسة أو نتيجة تقليد دأب على تنفيذه كل الرؤساء الذين تعاقبوا على هذه المدينة السعيدة، فإنه و من باب الغيرة على هذه المدينة و على إدارة هذه الجماعة بالخصوص فقد كان من الضروري وضع تشخيص علمي يحدد مكامن قوة و ضعف هذه المؤسسة و استخلاص العبر منها و بالتالي اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطويرها و في مقدمتها وضع معايير موضوعية علمية يجب أن تتوفر في كل شخص يرغب قي اعتلاء هذا المنصب.  

و حسب تجربتي المتواضعة في العمل الإداري، فإن للكاتب العام مهام كثيرة بعضها منصوص عليه صراحة في النصوص القانونية و البعض الآخر مستقاة من الواقع العملي و التجربة الميدانية، فهي في جزء منها مرتبطة بحنكته و درايته بالعلوم الإدارية المرتبطة بالتدبير العمومي و في الجزء الآخر مرتبطة بشخصية الكاتب العام و المكانة التي فرضها لنفسه وسط أعضاء المجلس و الموظفين و كل المواطنين الذين يترددون على الجماعة لقضاء مصالحهم، و لن أجد أفضل مما قاله الملك الراحل الحسن الثاني حينما استقبل أحد أفواج عمال الأقاليم سنة 1967 ” إنني أمنحكم ظهير التعيين كعمال بهذه الأقاليم و لكنني لا أستطيع أن أمنحكم شخصية personnalité “.

و على أي حال يمكن إجمال صلاحيات الكاتب العام فيما يلي:

وظيفة الكاتب العام : هي من الوظائف العليا التي يتولى رئيس المجلس التعيين فيها وفق الشروط و الشكليات المحددة بمرسوم (يمكن الرجوع إلى المرسوم المنظم للتعيين في المناصب المسؤولية الصادر في أواخر 2012).

كما أن المادة 54 مكرر تنص على أن الكاتب العام يتم تعيينه من بين موظفي الجماعات أو الإدارات العمومية بقرار لرئيس المجلس بعد موافقة وزير الداخلية.

المهام المنوطة به :

–        يساعد الرئيس في ممارسة مهامه ( مهام الرئيس كثيرة…)

–        يشرف تحت مسؤولية الرئيس و مراقبته على الإدارة الجماعية و يتكلف بإدارتها و تنظيمها و التنسيق بين مصالحها.

–        تنفيذ القرارات الصادرة عن رئاسة المجلس

–        تنفيذ مختلف المقررات الصادرة عن مداولات المجلس

–        التنسيق بين المجلس و المصالح الخارجية و تمثيل الإدارة الترابية عند الطلب.

هذا بالإضافة إلى أعمال إدارية روتينية من بينها :

–        الإطلاع و فحص مختلف المراسلات الصادرة و تلك الواردة على رئاسة المجلس

–        التنسيق مع الرئيس و المكتب على وضع جدول أعمال دورات المجلس.

–        الحرص على توصل أعضاء المجلس و رؤساء المصالح الجماعية و المصالح الخارجية في الوقت المناسب و بكل الأشكال المتاحة قانونيا بدعوات الحضور لدورات المجلس العادية أو الاستثنائية.

–        الإشراف الفعلي على تحرير محاضر الدورات و اجتماعات اللجان و كتابة المجلس. 

و في الأخير لا بد من التأكيد على أنه من الأفضل أن يعمل الرئيس على إحداث لجنة علمية مكونة من بعض المستشارين و أساتذة جامعيين و ممثلي الولاية و بعض الشخصيات المشهود لها بالنزاهة و الكفاءة بالإضافة إلى ممثلي الموظفين من أجل السهر على فرز الترشيحات و تقييم أداء كل مرشح قبل الجزم في مصير الكاتب العام المقبل، لأنه و بكل بساطة منصب إداري مطلوب منه التعامل مع كل الألوان السياسية السائدة في المجلس أو المعارضة و يجب عليه أن يكون محايدا بشكله بمعناها الإيجابي و لعل نص القانون الذي يمنع موظف من الترشح لمنصب مستشار بالجماعة التي يعمل فيها لهو اكبر دليل على ضرورة الفصل بين العمل الإداري و العمل السياسي داخل نفس الجماعة و على ضرورة الحياد في ممارسة العمل الإداري بها . 

                                                الإمضاء : كاتب عام سابق       

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. oujdi

    مقال رائع، يبدو أن صاحبه راكم خبرة مهمة بالعمل الجماعي، يا ليثه يجد آذان صاغية.

  2. hassouna

    جماعة وجدة تستحق فعلا إعادة الهيكلة و توزيع الأدوار و البحث عن الرجل المناسب في المكان المناسب و باعتباري مستشار سابق أرجو من السادة المستشارين حاليا أن يقرؤوأ و يتمعنوا جيدا في ه=ا المقال و يدرسونه من جميع جوانبه. و شكرا