معاناة سكان جرادة السيزيفية في رحلة البحث عن الفحم

  في أعقاب سكوت القلب النابض لاقتصاد  الجهة الشرقية بالانسداد القسري لمفاحم المغرب ، اعتبر حينها مهتمون أن قرار الإغلاق كان سياسيا بداعي شح الإنتاج كون المدينة المنجمية عرفت ذروة الحركة النقابية لم يشهد لها المغرب مثيلا و البعض الآخر خالها ضرورة اقتصادية ، لكن الوصفان  سيان .. و أصبحت تتكشف جرادة كمدينة أشباح تتقيئها السوندريات العشوائية من تحت الأنقاض ، فاكتست شحا في أبسط ضروريات الحياة ما ينطق بالفاقة و العوز .. آبار فحمية عشوائية تحصد أرواح شباب لم يجد سبيلا للاعتياش غير سبر أغوار كالحة السواد الداخلها مفقود و الخارج منها مولود للبحث عن أحجار الفحم و بيعها بثمن زهيد لأثرياء الأزمة في سياق عمل غير شرعي يخاطر خلاله السكان بحياتهم على مد الأيدي لجلب المال أبرز هذه التحديات ، المغامرة التي يقدم عليها المعاق”اخليفة ادريس” يوميا ولوجه  لآبار الموت الموحشة في دهاليز مدلهمة لكسب قوت أسرته يتزايد الطلب على أكياس الفحم شتاء إلا أنها تبقى ضئيلة خلال الفصول الأخرى إن لم تنعدم تماما إلا من بعض مضاربي الأزمة القلائل الذين يستغلون الظروف القاسية من هكذا بؤساء.. ظروف عمل بدائية و شاقة غير آبهة الساكنة  بالمجازفات المهددة لكيانهم  يجنون منها 100 درهم للكيس الواحد تحت إقامة جبرية صعبة بسوندريات الموت لساعات يأمل الباحثون عن الفحم أثناءها موت على فراش المرض بدل الموت تحت غياهب مظلمة و في بعض الأحيان يؤوب هؤلاء لأبنائهم بخفي حنين .. أدى التنقيب تحت الآبار القديمة إلى فواجع راح ضحيتها العديد من معيلي الأسر المعوزة أطفال، شباب و كهول .. اختار الضحايا هذا المنحى الذي لم يجدوا عنه بديلا أمام انسداد آفاق العيش الكريم نتيجة البطالة التي جثمت على الشارع الجرادي تلقاء شل حركة المفاحم ، كان من تداعيات ذلك أن قرر فقراء المدينة عدم رفع راية الاستسلام أمام تحدي الرغيف بالنفوذ إلى أعماق الأرض في ظل تضاءل فرص العمل و انعدام البدائل استفحل جراءها الصراع مع القوت .. فارتفع سقف ضحايا الاستغلال العشوائي للسوندريات القديمة منذ سد أبواب شركة المناجم كان أفضعها مأساة خمس شبان منهم أخوين التي هزت أركان ليس فقط أسر الضحايا أو منطقة إقليم  جرادة بل المغرب برمته ، لكن تكررت المآسي إلا أن الجهات المسؤولة لم تأل جهدا و عناء لإيجاد حلول للأوضاع الاجتماعية المزرية و المأساوية (السيزيفية) التي تقض مضاجع الساكنة الجرادية في ظل غلاء معيشي فاحش أثقل كثيرا على المعوزين و المحتاجين على وجه الخصوص .. و من جانب آخر لا زال متقاعدو المفاحم يعانون ويلات داء السيليكوز و يلاقون صعوبات في تلقي العلاجات و قد ينعدم في الكثير من الأحيان وجود  دواء أو  آذان صاغية  بهدف الاهتمام بهم  و قد عبروا عن أنفسهم بالأحياء الأموات أو الجثث المتحركة التي تتهاوى كل لحظة كأوراق الخريف.. فإلى أي حد تبقى ساكنة جرادة في غرفة الانتظار انتظار الذي يأتي و ربما قد لا يأتي…؟

 * رمضان بنسعدون

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة