خطاب العاهل المغربي الموجه إلى القمة الإسلامية الـ12 حول أعمال لجنة القدس

وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابا إلى الدورة الثانية عشرة لمؤتمر القمة الإسلامي التي انطلقت أشغالها اليوم الأربعاء بالقاهرة.

ويترأس الوفد المغربي رئيس الوزراء عبد الإله بن كيران الذي ألقى  الخطاب بالنيابة عن العاهل المغربي مستهلا إياه كما جاء عن الملك محمد السادس،  بالإعراب لفخامة الرئيس المصري محمد مرسي٬ عن صادق مشاعر الشكر والامتنان٬ على دعوته لهذه القمة٬ وكذلك للشعب المصري الشقيق٬ على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

و تطرق الخطاب لما يعانيه العالم من أزمات معقدة تتعرض فيها قيم التسامح والتعايش والحق لأسوأ مظاهر الانتهاك لفائدة تغدية نزعات التطرف والإقصاء٬ واهتزاز المرجعيات القيمية٬ ما يجعله عالما مفتوحا أمام كل أشكال العنف وانتشار بؤر التوتر والإرهاب.

 لذلك ٬ فإن الأمة الإسلامية مطالبة اليوم٬ وبحكم رسالتها الحضارية٬ بتقديم مساهمة فعلية وجريئة تجيب عن الأسئلة المطروحة والمخاوف الراهنة٬ وتساهم في الازدهار التنموي لكافة الشعوب٬ في ظل التعايش والمساواة والوئام.ولن يتأتى لها ذلك إلا بتفعيل قيمها المثلى المنبثقة من مرجعيتها المقدسة٬ ومن ترسيخ روابطها الاجتماعية وإنجازاتها الحضارية وعبقرية أبنائها وتسامحها مع كل الديانات والثقافات.

ومن ثم ينبغي أن ترقى هذه المساهمة إلى نموذج قادر على كسب رهان الانفتاح الإيجابي والحوار البناء مع كل مكونات المجتمع الإنساني٬ من مجموعات إقليمية وتكتلات اقتصادية ومختلف الديانات والثقافات.

ولن يكتب لهذا النموذج النجاح المأمول إلا بانخراط جماعي في تفعيله٬ من خلال تعبئة الموارد الطبيعية والبشرية المتنوعة والمتكاملة٬ التي تزخر بها بلدان الأمة العربية ٬ بالتعويل على القدرات  الذاتية مع الكف عن تبرير الازمات بأسباب خارجية.

و تضمن الخطاب دعوة العاهل المغربي المنظمة  للعمل على تجسيد هذه المساهمة النموذجية٬ و تأكيد التزام المغرب بالانخراط الكامل فيها.

و استرسل رئيس الوزراء عبد الإله بن كيران في الحديث بالنيابة عن الملك محمد السادس موضحا أن القضية الفلسطينية كانت هي كانت أساس قرار إحداث المنظمة سنة 1969 بالرباط٬و ما تزال وستظل جوهر عمل الأمة العربية٬ خاصة مع تمادي السلطات الإسرائيلية في تعنتها وخرقها السافر لمبادئ وقواعد القانون الدولي.

وبهذه المناسبة٬ أشاد العاهل المغربي  بمصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة٬ على منح دولة فلسطين صفة مراقب غير عضو في المنظمة الأممية٬ نتيجة المجهودات الحثيثة لفخامة الرئيس الفلسطيني٬ الأخ محمود عباس٬ والنضال الشجاع للشعب الفلسطيني الشقيق٬ من أجل إقامة دولته المستقلة والموحدة على أساس حدود 1967 ٬ دولة قابلة للاستمرار والحياة٬ على جميع الأصعدة ٬ وعاصمتها القدس الشرقية.

ومن اجل ترسيخ هذا المكتسب التاريخي الهام٬ فإنه يتعين على الجميع دعم الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الفلسطينية٬ وترميم البيت الفلسطيني الموحد والملتئم.

 وفي هذا السياق٬ رحب جلالته بالاتصالات والقرارات القائمة بين الأطراف المعنية٬ وأشاد بعزيمتهم على التغلب على كل عوائق التفاهم وتجاوز الخلافات٬ تبعا للمبادرات السابقة٬ سواء منها تلك التي قامت بها المملكة العربية السعودية ودولة قطر٬ أو تلك التي تجريها حاليا دولة مصر الشقيقة.

كما جاء في الخطاب إعراب العاهل المغربي بصفته رئيسا للجنة القدس  عن التجاوب مع ” نداء الرباط ” الأخير الذي وجهته كل القوى الفلسطينية إليه٬ داعيا الجميع إلى التفاعل الإيجابي مع سائر الجهود الرامية إلى المصالحة.كون ذلك هوهو السبيل الأنجع للرد على الإجراءات العدوانية والأحادية٬ التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين٬ والتي تتمثل في تسريع وتيرة الاستيطان٬ وتوسيعه غير المقبول.

وأكد ملك المغرب من منطلق هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه مواصلة المساعي الحثيثة لدى الأطراف الوازنة على الساحة الدولية٬ لوضع حد لتمادي الحكومة الإسرائيلية في الاعتداءات المتكررة على مختلف المعالم الدينية٬ في خطة ممنهجة لتهويد القدس الشرقية٬ والقضاء على الهوية العربية ٬ و العمل   من خلال “وكالة بيت مال القدس الشريف”٬ في إنجاز مشاريع ملموسة٬ تعود بالفائدة المباشرة على ساكنة المدينة المقدسة٬ وكذا من خلال وضع مستشفى ميداني يسهر على الإسعافات والخدمات الطبية الضرورية بمدينة غزة٬ وذلك على إثر الهجمات الإسرائيلية العدوانية الأخيرة على ساكنتها.

كما تطرق الخطاب إلى انخراط المملكة المغربية في الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حل سياسي للازمة السورية٬ يكفل وقف دوامة العنف ويحقق التطلعات المشروعة للشعب السوري الشقيق٬ في الحرية والحفاظ على السيادة الوطنية والوحدة الترابية.

 وفي هذا السياق ثمن العاهل المغربي ما أسفر عنه الاجتماع الوزاري الأخير ل ” مجموعة أصدقاء الشعب السوري” المنعقد بالمغرب٬ من دعم متزايد للحل السياسي المنشود.

وبين الخطاب اهتمام العاهل المغربي بالجانب الإنساني من خلال مبادرته بإقامة مستشفى ميداني متعدد الاختصاصات بمخيم الزعتري بالمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة٬ الذي حرص على زيارته٬ علاوة على تقديم مساعدات إنسانية في كل من الأردن وتركيا٬ وذلك للتخفيف من معاناة اللاجئين السوريين.

 وأمام هذا الوضع المأساوي المتفاقم٬ الذي يهتز له الضمير الإنساني٬ لم يعد من المقبول أي تردد أو مماطلة٬ وأصبح على المجتمع الدولي واجب دعم الانتقال السياسي اللازم٬ ينخرط فيه الممثلون الشرعيون للشعب السوري الشقيق.

كما تضمن الخطاب إدانة ملك المغرب محمد السادس، مجددا لكل الأعمال الإرهابية القائمة على التكفير والإقصاء٬ وزرع الفتنة٬ هذه الأعمال العدوانية التي تتنافى مع القيم الإسلامية السمحة. وقد سبق للمغرب أن حذر المجتمع الدولي٬ ومنذ سنوات٬ من مغبة الأخطار المحدقة بمنطقة الساحل والصحراء٬ التي عرفت دولة مالي الشقيقة٬ في الآونة الأخيرة٬ أبشع مظاهرها في التطرف والإرهاب والانفصال ٬ جراء ما قامت  به جماعات٬ غالبيتها أجنبية٬ متطرفة ومسلحة من تدخل عدواني لامشروع،في بلد يتمتع بكامل سيادته٬ لطمس رموزه  التراثية والثقافية٬ ولاسيما بمدينة تومبوكتو٬ العاصمة الروحية لمالي .

مما دفع بالبلد الشقيق٬و في نطاق سيادته٬  اتخاذ الموقف الذي يراه ضروريا٬ بعد التجائه لمجلس الأمن الذي أصدر بدوره القرار المناسب لدعم مالي في حماية وحدته وصيانة سيادته.

 وتجاوبا مع النداء الاستعجالي للسلطات المالية٬ وأمام زحف الجماعات الإرهابية المسلحة للسيطرة على البلاد بأكملها وإخضاع ساكنتها٬ فقد تم التدخل السريع والناجع للقوات الفرنسية مصحوبة بقوات مالية وإفريقية.مما  مكن من التصدي لهذا  الغزو الجنوبي والعمل على توقيفه٬ ثم اتجه نحو تحرير الشمال ٬ بما فيه من حواضر عريقة وساكنة مسلمة ومآثر تشهد بانتماء الشعب المالي العريق إلى الإسلام وحضارته٬ وقد تم ذلك طبقا للأهداف المتوخاة من القرارات الأممية في هذا الصدد.

 واستكمالا لمهمة دعم جمهورية مالي الشقيقة٬ وفي نفس إطار الشرعية الدولية٬ فإنه سيتم في المرحلة الجديدة نشر القوات الإفريقية المتطوعة لمساعدة القوات المالية في حفظ الأمن ونشر الاستقرار.

 و أوضح  العاهل المغربي في خطابه أن الأمر لا يتعلق بمالي الشقيق وحده٬ وإنما يشكل خطرا تمتد تداعياته إلى كافة بلدان المنطقة لزعزعة استقرارها وتمزيق وحدتها. يقتضي حلا شاملا وعاما٬ وفي إطار الشرعية الدولية٬ حلا تتضافر في نطاقه جهود دولية حازمة ومضبوطة ومنسجمة٬ وبجميع الوسائل الممكنة الاستباقية والداعمة على المستويين الأمني والسياسي.

كما أكد على أن المملكة المغربية٬ لن تتوانى في التضامن الكامل معها في حماية سيادتها و صيانة خياراتها الوطنية ضد أي شكل من أشكال الإرهاب٬ باسم الإسلام٬ الذي يتنافى مع العدوان على الأنفس والمقدسات. و بحكم الروابط التاريخية العريقة والأخوة الإفريقية الراسخة والقيم الحضارية المشتركة التي تربطها بدول الساحل والصحراء .

و جدد حرص المغرب على المساهمة في كل عمل يهدف إلى لم الشمل وتوحيد الصفوف بما يخدم المصلحة المشتركة لأمتنا.خوصا و انه ما فتئ يبذل كل جهوده من أجل توحيد الصف الإسلامي وانتهاج الحوار البناء والأخذ بالوسطية٬ ليؤكد التزامه بالتضامن مع كافة أشقائه٬ في كل القضايا المصيرية العادلة.

واختتم العاهل المغربي خطابه بالدعاء لتحقيق النهضة و العزة و الكرامة التي تتطلع لها شعوب الأمة الإسلامية.

عبدالله بناني 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة