بعد انتخابه أمينا عاما خلفا للشيخ ياسين، هل تكون مرحلة عبادي مرحلة المواجهة المباشرة مع الدولة ؟

الظاهر للعيان في شخصية محمد عبادي عضو مجلس الإرشاد لجماعة ياسين و المسؤول الأول عن جماعة العدل و الإحسان بعد فترة السيطرة “الأوتوقراطية” للمرشد العام الراحل عبد السلام ياسين، أنه شخصية حوار و يمتاز بهدوء قل نظيره و يحسب خطواته تحت درجات تخضع ل”للميكروسكوب” و ليس للعين المجردة، و بالتالي فصفاته الظاهرة للعيان لربما هي من أهلته دون غيره لأن يخلف أكبر جماعة “متأسلمة” عبرت أكثر من مرة عن مناهضتها للنظام الملكي، مطالبة تطبيق حكم على منهاج النبوة انطلاقا من مشروع تربوي دعوي، مسطرة بكتاب “المنهاج النبوي: تربية و تنظيما و زحفا”، اعتبره الكثير من المتتبعين “الإيديولوجية الرسمية التي لا تخضع للتبديل أو التغيير أو التجديد أو حتى التحيين، لجماعة العدل و الإحسان.

فعبادي رجل سياسة بامتياز، صدامي مع الدولة في أكثر من محطة، رجل يحب الميدان، حالة “تشميع مقر العدل و الإحسان بوجدة، و أحيانا يحب أن يظهر بمظهر القوي القادر على هزم خصومه، معارك بشواطئ الجهة الشرقية “حرب الشواطئ، أو بتوجيه “مريديه و أتباعه” و لو تعلق الأمر بإعمال القوة و  الضربات “تحت طائلة العنف و التهديد” كما كان شأنه بجامعة محمد الأول خلال بداية تسعينيات القرن الماضي.

في هذه الورقة سنرسم معالم أمين عام قد تكون مرحلته مرحلة مواجهة مباشرة مع الدولة، التي استطاعت في وقت قياسي أن تخترق أكبر جماعة “متأسلمة”، و أجهزة تحفظ عن ظهر قلب كل الاحتمالات الواردة، و تعزف على أوتار ضعف جماعة اختارت التطبيع مع كل شيء إلا مع مجتمع يرفض العنف و يجاري الانفتاح و يرفض كل مظاهر الانغلاق و رفض الآخر.

 

جامعة محمد الأول بوجدة،

أول امتحان رسوب للعبادي و من معه.

بعيدا عن العنف الذي دشنته جماعة العدل و الإحسان بجامعة محمد الأول من قبل طلابها في حق اليسار و تحالف “الإتحاد الوطني لطلبة المغرب”ّ و الذي تبناه كذلك أغلبية فصائل اليسار باستثناء طلبة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي لمؤسسها محمد بنسعيد أيت يدر، و ما تلاه من حروب استملت فيها كل وسائل السلاح الأدبي و المادي، اختارت جماعة العدل و الإحسان طريق “قتل نضالات الطلبة و تسميمها” و اختارت نهج “إعادة هيكلة الأوطم” ضد كل القوانين و الأعراف معتبرة نفسها الوصي على الطلبة بمختلف مشاربهم الفكرية و السياسية و العقدية.

هكذا سهر محمد عبادي إنطلاقا من توجيهات و تعميمات القيادة الياسينية على إعادة بناء “الاوطم” بنهج إقصائي و استفراد بمؤسسة نقابية لها أوصياء، بغض النظر عنهم و عن مسارهم و حقيقة رغبتهم في استكمال مشوارهم، و هيكلته و تكوين ما سمته بالتعاضديات، غير أن نتيجتها ظاهرة للعيان حيث كانت أول من قرأ الفاتحة على روح تنظيم طلابي ظل يشكل رقما صعبا في معادلة الصراع السياسي بالمغرب.

النتيجة أن تجربة العدل و الإحسان بالجامعة المغربية كانت تجربة ببداية مرحلة جديدة مرحلة الإفلاس السياسي و التنظيمي و زرع بوادر العنف الذي ظل دخيلا على “الحرم الجامعي” فماتت الهياكل و التعاضديات و لم تقدم العدل و الاحسان للجامعة المغربية غير نهاية مؤلمة.هذا فرسوب محمد عبادي هو رسوب لمجلس الإٍرشاد الذي ظل وصيا على كل القطاعات التي ارتمت في أحضان جماعة تؤمن بالتربية الروحية و مناهضة النظام القائم دون بديل سياسي أو اجتماعي قادر على حل كل المشاكل و الإشكاليات و إحلال بديل ناجع.

حرب الشواطئ بالجهة،

بين تطبيق القرارات و الرغبة في المواجهة.

في سياق حربها على المجتمع حتى لا نقول الدولة خرجت جماعة العدل و الإحسان نهاية القرن الماضي بقرارات سياسية دفعت بمريديها و أتباعها إلى احتلال الشواطئ العمومية و مواجهة رغبة الساكنة و المواطنين “الراشدين طبعا” و الراغبين في ولوج أماكن الإصطياف.

و كان من الأخطاء الشائعة أنذاك أن اعتقد البعض بأن حرب الشواطئ كانت حربا ضد الدولة، و إلا أين هو هدف مواجهة النظام.

حرب الشواطئ كانت بالنسبة لخيارات الجماعة هو مواجهة المجتمع “المتعري الفاسد” الذي يقبل بالإختلاط بين الجنسين بشواطئ المملكة/ و بلباس غير محتشم بالرغم من وجود آلاف العائلات إن لم نقل الملايين ممن يلجوا المصطافات بوقار و حشمة و لا يصطدمون مع من ارتدى “مايو”، فلكل حقه في اللباس و التعبير و الحرية ليست مطلقة.

لقد أرادت جماعة العدل و الاحسان بالجهة الشرقية و تحت قيادة محمد عبادي عضو مجلس الإرشاد أنذاك أن ترسل رسالة لساكنة الجهة الشرقية و تجس نبضها، بأن الجماعة الصوفية “المتأسلمة” حاضرة بقوة و قادمة، و حين أحست الجماعة برفض مطلق من قبل الكثير من المواطنين لهذا السلوك المنافي لقواعد الحريات الجماعية و حرية التصرف، انطوت الجماعة و مجلس إرشادها للتفكير مجددا في طرق أخرى و وسائل اشتغال، و هذا مرده طبعا لغياب كلي لمشروع سياسي، فالجماعة بقدر ما تعتبر أعمالها و تدخلاتها “تجريبية” بقدر ما تخسر كل المعارك التي تراهن عليها.

حرب الشواطئ لم تكن منعزلة عن “تجارب” جماعة لو اختارت العمل السياسي وفق برنامج واضح لا يهمها مرجعيته و لا إيديولوجيته لكانت ربما ربحت نصف معاركها و ساهمت في بناء مجتمع قوي متلاحم متوافق، لكن رفضها لكل شيء هو من عجل دوما بالخسارات، و أهمها أن تضم في فروعها و هياكلها ممن هم سبق احتواءهم و اختراقهم  من قبل أجهزة، أو أشخاص لهم من السوابق و السلوكيات ما لا تتناسب و لغة الجماعة في الإخلاص و المبادئ و حسن السلوك.

حركة عشرين فبراير،

حضور قوي بوجدة و خذلان في آخر المطاف.

لم تكن بداية حركة عشرين فبراير بالمغرب ذات نفحة “متأسلمة” بقدر ما كانت تحررية نقدية و الملاحظة الأساسية أن ولادة حركة 20 فبراير المغربية لم تكن سوى صرخة شبابية بمطالب الحرية و الديمقراطية على قاعدة نظام ملكية برلمانية بتوجيه من قيادات يسارية معروفة ظلت خارج “خيمة الحكم بالمغرب” أو تسيير الشأن الحكومي بالمغرب.

و كعادتها تراقب جماعة العدل و الاحسان من الخلف تحركات الجمهور و المواطنين لتدخل على الخط لتنقض على الوضع و تستغل كل حركة احتجاجية لرفع شعاراتها، و بالنظر لقوتها التنظيمية و أعداد أفرادها ومريديها للذين يعرفون سبب إنتماءهم للجماعة بعيدا عن إيمانهم بخطها، يختلط الحابل بالنابل.

فالجماعة الياسينية تريد تصفية حساباتها مع الدولة و هي حسابات قديمة، و المحتجون يريدون نصف الكأس المليان، لأنهم يعرفون حجم الخسائر إذا لا قدر الله لوقعت أية مواجهة.

في سياق حركية العشرين فبراير ، ظلت جماعة العدل و الاحسان بوجدة خاضعة لميثاق تأسيس الحركة بيد أنها سرعان ما تجتاح بلغتها الإستئصالية مجالس الدعم و تريد أن تسيطر عليها و توجيهها قدر المستطاع لخدمة أجندتها و ليس لخدمة مصالح الشعب و المواطنين في التغيير و الاصلاح و بناء دولة قوية على قواعد الاستمرارية لا القطيعة.

لكن لماذا تراجعت جماعة العدل و الإحسان عن حركية عشرين فبراير، ألم تحسب حساباتها من قبل، ما الذي استجد، باعتبار أن لا حليف استراتيجي و لا تكتيكي للجماعة انطلاقا من المشهد السياسي و الحزبي بالمغرب، و حتى حزب العدالة و بالتنمية تعتبره الجماعة حزب “ملكي” من رحم النظام، أما فيما يخص القوى الديمقراطية  المغربية فجماعة ياسين تعتبرهم “ملاحدة” بالرغم من أن كتاب مرشدها “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” لم يكن سوى محاولة لشد انتباه من آزر الجماعة تحت قاعدة “الحوار الديمقراطي” بين كل الأطياف، في سياق معين، ضد قانون مرفوض “العنف و العنف المضاد”.

لا جديد قادر على إقناعها بانسحاب جماعة ياسين من حركة 20 فبراير وكما لا شيء يقنعنا بسبب انتماءها فهي لا تؤمن أصلا بالنضال الديمقراطي و لا إصلاح الأوضاع  القائمة مع الالتزام باستمرار الجوهر لا الهيكل تريد خلافة على منهاج النبوة أي ضد تاريخ الشعب المغربي في ملكية ضامنة لتوازن الدولة و استمراريتها.

خلق البلبلة ورفع شعارات معادية،

هدف الجماعة و أبطالها في جبب مختلفة.

فإذا كان البعض يعتقد  أن محمد عبادي الأمين العام الجديد لجماعة العدل و الإحسان، كلف بمهمة التربية الروحية و السهر على تدبير ملف الجماعة الصوفي و ترك الشؤون السياسية لخليفته و نائبه فتح الله أرسلان فإن الأمر يتعلق بمغالطة خارج سياق التحليل الملموس لواقع الجماعة و معها رجال مجلس الإرشاد و ضمنهم كذلك كل الخيارات التي ظلت صامتة و مرتبكة في ظل السيطرة المطلقة “لمرشدهم الروحي و زعيمهم التاريخي” الراحل عبد السلام ياسين.

لم تقدم الدائرة السياسية للجماعة أي مشروع سياسي أو إيديولوجي جديد، و بالتالي فكل الخرجات أو التحركات أو التصريحات لم تكن سوى متنفس للجماعة حتى تخمد نار الانشقاق منذ أن خرج الراحل البشيري عن صمته و اتهم المرشد العام للجماعة بتهم كثيرة و معها طريقة تدبير شؤونها، و نصف القصة يعرفها الجميع، فيما الباقي رحل مع الراحل البشيري.

هكذا ففي الوقت الذي يعتبر فيه الجميع أن محمد عبادي رجل صدامي و صاحب رأي سياسي، و قدمت تجربته من على الجهة الشرقية الكثير من المحطات التي واجها فيها السلطة بالشارع العام فإن واقع الحال يقول أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة المواجهة المباشرة في ظل استمرار و غلبة المنطق القاضي بزرع الفتنة و البلبلة و رفع شعارات معادية و استغلال الحركات الاحتجاجية من أجل تدشين مرحلة صدامية من الدولة و المجتمع على حد سواء.

مرحلة عبادي برأسين،

هل يطلق العدل الإحسان.

تراجع عائلة الشيخ و معها الصهر المرشح السابق لخلافة ياسين ليس مجرد تكتيك إلا، حيث أن الأمر يتعلق بالخوف من تنازع أطراف كثيرة حول رئاسة الجماعة لا سيما و أن أجنحة كثيرة راهنت على وفاة الزعيم الروحي من أجل محاولة السيطرة و البحث عن موقع من داخل “التوجه السياسي للجماعة”.

الجناح المتشدد لجماعة العدل و الإحسان يظهر غالبا في مواقع الدفاع عن مواقفها بشدة و عنف و يراهن دوما على انفراط عقد الهدوء من أجل تغليب طرحه على الطروحات الموالية للعمل السياسي و الميداني و الخروج من القوعقة الصوفية التي لا تعطي أي أمل في تطبيق نهجها و تصورها.

الطرح الاخير الذي راهنت عليه الجماعة من خلال تأسيسها للدائرة السياسية و أغلب أعضاءها من المتسيسين و الإخوانيين الراغبين في تدارك كل مراحل التردد و الخروج للعلن و تجريب امتحان العمل الشرعي، هذا الأخير مدعوم من قبل الاطر العدلوية التي تعتقد أن بقاء الجماعة خارج دائرة الصراع السياسي و الميداني هو حقنة في قلب الجماعة قادرة على إسكاته و توقيفه في كل حين.

بين هذه الاجنجة المتصارعة و التي ستتجابه يوما ما في أول امتحان سياسي للجماعة، سيجد محمد عبادي نفسه خارج دوره الروحي و التربوي و الصوفي، و لربما سيتحالف مع تيار الأطر الذي يرجع له الفضل في تكوينها من أجل قطع الطريق على التيار المهادن و معه تيار “المتسللين للجماعة لأغراض نفعية” مما سيجعل العدل يطلق الإحسان و تكون بالتالي أكبر جماعة سياسية “متأسلمة بالمغرب” بين خيارين الاول خيار المواجهة و الصدام و الثاني خروج الجماعة برأسين و انشطارها بفعل عوامل داخلية و خارجية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة