حسن أوريد والبيعة: ما الداعي إلى التشفير؟؟

لاشك في أن الأستاذ أوريد سيستقبل مقالنا هذا  بمرح وفرح، من منطلق طبيعته التي تجعل العقل النقدي يسر وهو يقرأ مقالا يتسم بطابع نقدي ويبتعد عن المدح التكسبي، مع العلم أنها المرة الثانية التي نلتقي فيها مع الدكتور أوريد لقاء نقديا، بعد أن التقيناه في قراءتنا النقدية لمحاضرته التي ألقاها في ضيافة مصطفى بنحمزة فيما يسمى بمركز الدراسات الأصولية الذي استولى عليه بنحمزة بعد بنائه على أراضي الحبوس(6000م) وبأموال وزارة الأوقاف ووكالة الجهة الشرقية والجماعة الحضرية، فحوله بذلك إلى أداة  عبر جمعية مصطنعة إلى مشروع أصولي  سياسي بعناوين ثقافية وفكرية مضادة للهوية المغربية، ولذلك قاطعناه ومازلنا نقاطعه وفاء منا لنداء فعاليات هيئات المجتمع المدني الصادر عن الوقفة الاحتجاجية، وما حرك قلمنا النقدي  حينها لمحاضرة السيد أوريد في هذا المركز المغتصب، هو استغرابنا من تهجم الأستاذ أوريد على الغرب ومرتكزاته الحداثية العملاقة، إرضاء لبنحمزة وحزبه ومموليه وجماعته، فقلنا كيف لمثقف حداثي مثل أوريد أن  يتهجم على الغرب والحداثة إرضاء لتيار أصولي سلفي مضاد للمغربة؟ ولذلك ناقشنا محاضرته بتفصيل نقدي (نشرته الأحداث المغربية حينها)، أما ما جعلنا نحرك مقالنا هذا  ولقاءنا النقدي ثانية بالدكتور أوريد هو ما خرج به  في حواره مع جريدة المساء(عدد1847/ ص6) في جوابه عن سؤال” مشروعية البيعة وطقوسها”  و هو الذي نسجل عليه الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: قال السيد أوريد في بداية جوابه:” تتبعت النقاش بين الفئة التي يمكن أن تنعت بالمدافعين   les apologistes       وفق الأدبيات الكهنوتية، والمناهضين لتلك الطقوس…”، فالنقطة الأساسية في منطلق  جواب  السيد أوريد  هي وصف المدافعين بقوله :” وفق الأدبيات الكهنوتية”، وهنا مكمن الاستفسار باستغراب ودهشة: فما علاقة المدافعين بالأدبيات الكهنوتية؟ وما علاقة موضوعنا باصطلاح ” الكهنوتية”؟ هذا المصطلح الذي يحمل في أحشائه عبئا ثقيلا من السلبية نذكر منها: الاستبداد، والقروسطوية الكنسية، والظلامية، وتحريم العلم، وشرعنة الجهل، وكل ما كان يقترفه رجال الدين الكهنوت….، لإلصاق هذا المصطلح بالمدافعين ، وجعل المناهضين في صف التحرر من الكهنوت (سكوتا) وإثارتنا لهذه الملاحظة تنبني على معرفتنا بأن إناء أوريد اللغوي ودلوه الاصطلاحي لم يجف حتى لا يجد اصطلاحات أخرى من التاريخ الإسلامي عامة، والتاريخ المغربي الشامخ بخاصة، كما أن مجاريه اللسانية العربية فياضة، ولن تعجزه حتى يسوق مصطلحا فرنسيا كهنوتيا التي لا نرى فيها إلا إرضاء للمقاصد الريسونية الخوارجية.

الملاحظة الثانية: وتكمن في قوله في الجواب نفسه عن البيعة: ” …لا يمكن بأي حال بأن تسمى وفق الأحكام السلطانية من منطلق إسلامي بيعة، البيعة تتم بعد تولي حاكم ما ، مرة واحدة،أو استثناء قيد حياته…” فقارئ هذا الجواب الأوريدي يستل منه نقطتين: الأولى هي عمله على نفي الصفة الإسلامية عن البيعة في قوله: (من منطلق إسلامي) وهنا يتجدد ويتكرر سؤالنا  الذي وجهناه للريسوني وتحديناه به  فظهر عجزه فيه ، وهو : بناء على ماذا يتم إخراج تجديد البيعة  وفق الطريقة والنهج المغربي من الإسلام؟  فيتجدد سؤالنا للسيد أوريد: ما هو هذا المنطلق الإسلامي الذي تتحدثون عنه، مؤكدين من خلاله المقاصد الريسونية المشوشة على البيعة؟ هل هناك نص قرآني أو نبوي من السنة النبوية فيمكننا بناء عليه أن نعتبره منطلقا إسلاميا لنفي الصفة الإسلامية عن البيعة وإخراجها من الشرع ؟ ولعلمنا بعدم تخصص الدكتور أوريد في العلوم الشرعية، ما زلنا نتحدى السيد الريسوني بكتابة بحث فقهي مستدل عليه لإثبات افتراءاته، لكن ما نستغرب له هو سوق السيد أوريد  ل ” الأحكام السلطانية”، ولم يبين مقصده من هذه اللفظة، أي هل يريد بها كتاب الماوردي المعنون بذلك العنوان؟، أم أنه يريد بها ما تركه السلاطين المسلمون من أحكام في ممارساتهم السلطانية؟ ومهما يكون مقصده فإن لا يوجد لدى الماوردي في كتابه  ما يمكن  اعتماده دليلا شرعيا لنفي الإسلام عن تجديد البيعة السلطانية المغربية الحالية، كما لا يمكن شرعيا اعتماد  ما تركه السلاطين المسلمون  في التاريخ الإسلامي  دليلا فقهيا لتحريم تجديد البيعة المغربية فيما لا يتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية ، كما أنه لا يوجد دليل في هذا الاتجاه للتحريم، ولعل عجز الدكتور أوريد عن شرعنة نفي الصفة الإسلامية عن تجديد البيعة وفق الطريقة المغربية  قد جعله يسوق  الكلام الريسوني كدليل عن هذا المنزلق الأصولي  في قوله: الييعة تتم  بعد تولي حاكم ما، مرة واحدة…”، وهنا يتجدد سؤالنا المثار للريسوني سابقا : ما المانع من  أن  تتجدد البيعة عدة مرات؟ أو أن نجعلها كل سنة كما هي الآن؟ وما الذي يحرمها من  أن تتكرر؟ هل يوجد مانع شرعي؟ وهو موجه لأوريد أيضا  بما أنه كرر المنزلق الريسوني الفارغ من المضامين الحقة، مع التذكير أن عجز الريسوني عن الجواب جعله يخترع مقولة تثير الغثيان إن هي قرئت بتأن ومنطق في قوله: “البيعة في الإسلام شيء جدي  والشيء الجدي يتم وينتهي ولا رجعة فيه”، وبعد الاستفاقة من الغثيان نقول للريسوني، إن الصلاة فعل وعبادة وشيء مقدس وتتكرر خمس مرات في اليوم، ولا تنتهي حتى ينتهي الإنسان من الحياة، وللتخفيف من وقعة الغثيان التي أصبنا بها لخرافة الريسوني نقول له من باب الهزل  في السياق ذاته: أليست الأجرة  التي تتلقاها شيئا جديا؟ فلماذا تتكرر كل شهر ولا تنتهي حتى تنتهي حياتك؟

وعودة لحوار الدكتور أوريد حينما أراد تأكيد البدعة الريسونية  بسوق ما  فعله  السلطان أحمد المنصور، نقول له:  بأن ما  فعله  أحمد المنصور يعد اجتهادا من الاجتهادات السلطانية وعلماء زمانه، وليست حكما إلهيا يغلق الباب ويعد مرجعا نهائيا للتحريم، مع العلم أن منهج التشفير في التعبير والمواقف والاستدلالات في مسيرة أقوال  السيد أوريد في هذا الموضوع جعله يجب ما قبله وينقضه حينما استدل  واستشهد بما ذهب إليه  شيوخ قبائل وادي الذهب سنة 1979 بتوقيعهم بيعة مخطوطة  مسلمة للملك الراحل الحسن الثاني”، فهذا الفعل يعد إذن اجتهادا من فقهاء  وعلماء  الصحراء، وهو أمر غير مسبوق، ولذلك قلنا للريسوني ولغيره من الخوارج عن الإسلام المغربي دونوا موسوعة الفقه المغربي وقواعده لا موسوعة الفقه الوهابي السعودي الدولاري.

الملاحظة الثالثة: وتتعلق أساسا بسوق السيد أوريد بوقائع تاريخية مغربية لا علاقة لها بموضوع تجديد البيعة الذي يدور الحوار معه عن شرعيتها، كحديثه عن مسألة انتقال السلطة، ووصوله بهذا الكلام المنفصل عن موضوع السؤال إلى القول : (إذن الدستور أنجع في  تنظيم انتقال السلطة) فأي علاقة إذن؟

الملاحظة الرابعة: تكمن في قول الأستاذ أوريد: ” المشكلة لا تكمن في البيعة، بل في طقوس معينة ترافق ما يسمى حفل الولاء، وهذه الطقوس تقتضي قراءة دقيقة، ثم لأي  أن يستنتج الاستنتاج ما يريد”، وسؤالنا عن هذا الكلام : أين يرى السيد أوريد المشكلة؟  وأين يشخصها في خضم الطقوس المصاحبة لحفل الولاء؟ فالمشوشون هم الذين استشكلوها وجعلوا منها مشكلة حينما سموا الانحناء الموجب للاحترام ” ركوعا لغير الله” بناء على قاموس وهابي يتعمد تحريف المعاني وإلباسها لبوس الباطل من أجل تجريمها وتحريمها واعتبارها شركا وضلالة وبدعة ، فهم يعلمون أن الركوع فعل تعبدي يقع في الصلاة  ويحكمه الوضوء وتقيده النية والتكبير و دخول الوقت….، فما علاقة هذا بذاك؟ وأين المشكلة إذن؟ وننبه هنا إلى أن السيد أوريد لم يستعمل القاموس الوهابي كما استعمله السيد إدريس  بنعلي ، فلم يستخدم أوريد الركوع إنما قال: ” وتقدم التحية من خلال انحناءة”، ليس ذلك فحسب، لأننا لا يمكن  أن ننفي تقديمكم الطقوس التاريخية المغربية المرافقة لحفل الولاء بحرارة هوياتية وافتخار بذلك الموروث المغربي الخصوصي العريق في قولكم : “… إذن   لسنا  أمام حالة جامدة، فلسفتها تحيل  على ارتباط حلقات ، وتدل على أن المغرب  أمة عريقة، وهذا شيء إيجابي، مع ضرورة  معرفة كل أوجه هذا التاريخ ورعايته…”، فأين المشكلة إذن يا سيد أوريد؟ و هل يمكنكم الجمع بين حرارة الافتخار بالتاريخ المغربي وعراقته مع برودة إصدار موقف حازم وبلغة واضحة وقوية؟ بدل اللجوء إلى التشفير فتجعله سيمياء وكيمياء؟ ولماذا  تتركون بعد هذا السرد  المطول الأمر معلقا بقولكم: ” لأي أن يستنتج الاستنتاج ما يريد” فأين هو استنتاجكم وما تريدون بدون تشفير؟ وقد اشتد تشفيركم حينما عرجتم على الوجه الحداثي للأمر بقولكم :” والسؤال : هل يمكن أن نوفق بين ما  نروم من حداثة وتقاليد؟ نعم  بشرط أن تكون تلك التقاليد زينة وليست كبحا” وسؤالنا لكم يا سيد أوريد: من يسعى لجعلها كبحا وإخراجها من زينتها وبعدها الجمالي  والشرعي حسب شرطكم هذا ؟ ولماذا التشفير مجددا  بناء على فراغ لغوي لاختلاق أزمة موضوعية منها؟ وأنتم أعلم أن من يسعى لإخراجها من بعدها الجمالي والهوياتي والتاريخي والشرعي هم الأصوليون ليجعلوها كبحا إخوانيا  متطرفا مضادا لقيم الدولة الحداثية؟ فلماذا لا تفصحون عن ذلك؟ وعن هوية من يريد جعلها كبحا سياسويا أصوليا؟ بدل التخفي خلف لغة التشفير( من الشفرة وليس الشفيرة في الدارجة المغربية) وأنتم أعلم بأن هذا التشفير في ظل الصخب والغبار والضجيج الذي يثيره المتأسلمون لن يخدم إلا جبهة الخوارج الريسونية، وما يدل على ذلك أن الحمداوي حينما ووجه بديكتاتورية الأصولية استدل بحضوركم و على جانب ساعف في ندوة القيم الوهابية المهددة للقيم المغربية الأصيلة دليلا للإيحاء بأن هذا الحضور  دليل على الانفتاح والتعددية، ولعل المثير للاستغراب هو أن بعض الحداثويين قد أصبحوا يتغزلون  بالإسلامويين وهم يسمعون ويلمسون ويرون الممارسات الضاربة للحرية والديمقراطية تصدر عن هؤلاء، هكذا تصبح الثقافة سلما  وأداة لقضاء المآرب والحاجات السياسية والمادية  المتبادلة، فالأصوليون يقدمون للحداثويين منبرا  مريحا للكلام صحبته جمهور غفير للاستماع والاستمتاع والتصفيق، مع فخامة في الترحيب والضيافة الفخمة والضخمة والتخمة، أما الحداثوي فهو يرد هذا الجميل الأصولي بصم آذانه  وإعماء بصره عن جرائم  الأصولية، فلا يمسهم بنقد، ويعمل على تزويق منصاتهم لإظهار تنوع فرجوي كاريكاتوري لا مضامين له ولا حرية له، كما بين الحمداوي في رده ، قد يسائلنا  هنا أحد قائلا: وهل تمنعون الحضور أو الحوار معهم؟ فيكون جوابنا : بالطبع لا نمانع ، من منطلق أن الله تعالى قد حاور الشيطان  مطولا  بعد عصيانه وامتناعه عن السجود لآدم، وعلم الله تعالى بالظاهر والباطن لم يمنعه عز وجل من فتح الحوار، وقد يواصل القائل: حسنا، لكن هذا الدليل ضدكم فلماذا تستدلون به؟ فيكون جوابنا هو أن الحوار الإلهي الشيطاني كان حوارا صريحا  ولم تكن فيه منافقات ولا محاباة خاوية كما هي جلسات بعض الحداثويين للمتأسلمين، فقد صرح الشيطان لله عن موقفه الاستعلائي ( خلقتني من نار وخلقته من طين) والتصريح برفض الأمر الإلهي بالسجود لآدم، كما صرح الله عز وجل بوضوح لموقفه وأدلته ضد الشيطان، بل إن ما يظهر في هذا الحوار الإلهي الشيطاني هو  أن ديمقراطية الله عز وجل  تعري وتنسف الطرح الإسلاموي  الأصولي الوهابي الكافر بالديمقراطية باسم خدمة الله، والله بريء منهم ، وهذا كذب على الله، هذه الديمقراطية الإلهية قطعت على نفسها  في حوار الله مع الشيطان على أن يستمر الطرح الشيطاني في الوجود رغم عصيانه لله إلى جانب الطرح الإلهي المضاد للطرح  الشيطاني إلى يوم القيامة جنبا إلى جنب، وإلا كان الله عز وجل قد قضى عليه من الوجود ” وما ذلك على الله بعزيز “، وهو ما يتجلى في نهاية الحوار الشيطاني الإلهي، حينما طلب الشيطان من الله عز وجل رغم عصيانه- مهلة ورخصة  الوجود- وليس العمل السياسي فحسب-  إلى يوم القيامة في قول الشيطان: “أنظرني إلى يوم يبعثون”، فجاء جوابه تعالى إيجابيا ضدا على  ثقافة وممارسات الإبادة الأصولية المتأسلمة ضد المخالفين لهم ، بقوله تعالى: ” إنك من المنظرين” وهي رخصة ومهلة إلهية للشيطان مرفوقة  بتوضيح جزاء الشيطان، هكذا يطلعنا القرآن على حوار راق وديمقراطي بين الله والشيطان، فبالله عليكم أين أنتم من هذا الحوار السينمائي حينما يجلس الحداثوي إلى جانب الأصولي في ربيع القيم وخريفها وفي رحلة الشتاء والصيف، ليزوق مائدته ويفرمل لسانه ويجتهد في التشفير فلا وضوح في الحوار ، وكل منهم يضمر مواقفه الحقة من الآخر، ليقضي كل منهما وطره ومآربه من الآخر، ضدا عل النهج الحداثي، وضدا على النهج الإلهي كما شاهدناه في الحوار الإلهي الشيطاني الراقي.

الحسين الإدريسي

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة