على هامش الخطاب الملكي الـأخير، هل تستفيق أحزاب الشيخوخة لتحمل مسؤولية التدبير الجهوي الجديد.

شكل الخطاب الملكي الأخير خطوة جد مهمة في مسار تطوير النظام السياسي المغربي، و تحديث نظام الملكية على قاعدة الإشراك الفعلي للشعب و مؤسساته في تنظيم المجتمع و تطوير آليات اشتغاله.

و يأتي هذا الخطاب استجابة لنبض الشارع من جهة و تنفيذا لوعد الجهوية الموسعة التي كانت تقتضي تعديلا دستوريا، يقول صاحب الجلالة في خطاب 9 مارس مخاطبا شعبه: “أخاطبك اليوم، بشأن الشروع في المرحلة الموالية، من مسار الجهوية المتقدمة… و ما تقتضيه من مراجعة دستورية عميقة”.  و يضيف جلالته :” حرصا منا على إعطاء الجهوية كل مقومات النجاعة، فقد ارتأينا إدراجها في إطار إصلاح دستوري شامل، يهدف إلى تحديث و تأهيل هياكل الدولة”.

و الحقيقة إن الإصلاح الدستوري الذي سيعتمده المغرب من خلال استفتاء شعبي، لم يكتف بنظام الجهوية الموسعة و فقط بل تجاوز ذك لتحقيق بعض من مطالب الشارع التي اعتبرها الخطاب الملكي مطالب مشروعة، يصيف جلالته دائما  :” كما أن إدراكنا العميق لجسامة التحديات، و لمشروعية التطلعات، و لضرورة تحصين المكتسبات، و تقويم الإختلالات، لا يعادله إلا التزامنا الراسخ بإعطاء دفعة قوية لدينامية الإصلاح العميق، جورها منظومة دستورية ديمقراطية”.

بين تقوية مؤسسة الوزير الأول و تقوية الوزير نفسه.

الخطاب الملكي السامي قرر إجراء تعديل دستوري شامل، يستند على سبعة مرتكزات أساسية، لا بد من الوقوف على  الأساس الرابع الذي جاب بصيغة “توطيد مبدأ فصل السلط و توازنها، و تعميق دمقرطة و تحديث المؤسسات و عقلنتها،…”. كما تم تحقيق مطلب، “تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة و الإدارة العمومية، و قيادة و تنفيذ البرنامج الحكومي”.

يأتي تحقيق مطلب تعيين الوزير الأول من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى بالإنتخابات البرلمانية، كإشارة “للعودة إلى المنهجية الديمقراطية”، و ذلك حتى نعطي للحزب الأول حقه المشروع في تكريس شعبيته إنطلاقا من تحمله مسؤولية تسيير و رئاسة الحكومة، و هذا من شأنه أن يقوي المسار الديمقراطي و يحول الإنتقال الديمقراطي من مشروع يراوح مكانه إلى مشروع ينطلق من نقطة بداية في إتجاه مسار يتمنى الجميع أن يتكلل بنتائج تجعل هذا الإنتقال الديمقراطي في اتجاهه السليم و الصحيح.

فإذا كانت المؤسسة الملكية قد استجابة لواحدة من المطالب الديمقراطية تكريسا لدولة المؤسسات التي ما فتئت بعض الأحزاب تطالب بذلك، بيد أن السؤال المطروح هو هل ستعمل الأحزاب المغربية على تأهيل نفسها بما يضمن إشراك الطاقة الواعدة و الكفاءات المناضلة في تحمل المسؤولية عوض استمرار نهج تكليف أمناؤها العامون الذين تجاوز أغلبهم السن القانوني لمزاولة الوظائف العمومية و ما بالك بتحمل مسؤولية المهمات و المسؤوليات المرتبطة بتسيير الشأن العمومي كان وزاريا أو نيابيا أو مؤسساتيا.

إن تقوية مكانة الوزير الأول و تحميله مسؤولية تنفيذ البرنامج الحكومي و الإدارة العمومية يقتضي وزيرا أولا قادرا على ذلك من الناحية النفسية و الجسدية.

إن الدول التي لها باع في الديمقراطية و تعمل جاهدة على خدمة مصالح شعوبها لا تسند مهمة الوزارة الأولى إلى أمينها العام بقدر ما تسندها إلى شخص آخر قيادي طبعا، حتى تبقى المسافة واضحة بين الحزب من جهة و تدبير الشأن العمومي من جهة أخرى.

إننا في حاجة إلى وزير أول قوي حتى يتمكن من مسايرة مكانته القوية.

منتخبو المجالس الجهوية، هل سيستمر المال و الأعيان.

أعلن الخطاب الملكي بالمناسبة عن :” التنصيص على انتخاب المجالس الجهوية بالاقتراع العام المباشر، و على التدبير الديمقراطي لشؤونها”. كما أعطى لرؤسائها سلطة التنفيذ عوض العمال و الولاة، و ذلك بالتنصيص على ” تخويل رؤساء المجالس الجهوية سلطة تنفيذ مقرراتها، بدل العمال و الولاة”.

أكدت التجارب السابقة على أن الإقتراع العام المباشر يفتح الباب أمام ذوي الجاه و المال مع استمرار غياب قانون يجرم إستعمال المال في الإنتخابات، بالإضافة إلى السماح بترشيح الأميين و المشبوهين، و هذا مرده طبعا إلى غياب ثقافة حزبية مبنية على الكفاءة و النضالية و الصراع على قاعدة برامج إجتماعية و اقتصادية، عوض ترشيح الاعيان و أصحاب المال و استعمال أساليب تسيء إلى التجربة الديمقراطية و تشكك دائما في نزاهة الإنتخابات ؟.

السؤال المطروح ه بالوجوه المعروفة و المتسللة دوما إلى المؤسسات المنتخبة بالطرق المعروف5ة و في غياب هيئة قضائية مستقلة و نزيهة تراقب الإنتخابات بإمكاننا تسيير الجهات، التي تحولت اليوم بفعل الخطاب الملكي إلى:” تخويل الجهة المكانة الجديرة بها في الدستور، ضمن الجماعات الترابية، وذلك في نطاق وحدة الدولة و الوطن و التراب، و متطلبات التوازن، و التضامن الوطني مع الجهات، و فيما بينها”.

هكذا إذن و من أجل ضمان فعلي لتطبيق الجهوية الموسعة و المسؤولة لا بد من فتح نقاش قانوني حول الأحزاب السياسية و هيئات المجتمع المدني و النقابات باعتبارها ممثلة الشعب في كل الإطارات كل حسب اختصاصه و الأدوار المطلعة به و لعل كا جاء في الخطاب الملكي خبير رسالة يمكن التقاطها حين قال جلالة الملك :” كما نعبر عن اعتزازنا بما يتحلى به شعبنا الوفي، بكل فئاته و جهاته، و أحزابه و نقاباته الجادة…” و لعل كلمة جاهدة رسالة لا تحتاج إلى توضيح.

في أفق ثورة حزبية على غرار ثورة الإصلاح الدستوري.

لم يعد مقبولا الإستمرار في مشهد حزبي ملوث فاقد لكل مقومات العمل السياسي، و لم يعد مقبولا الإستمرار في اعتبار المناضلين و الأعضاء مجرد قطعان يتم استخدامهم في المؤتمرات لتزكية بقاء بعض الفاسدين من المدافعين عن مصالحهم الشخصية و العائلية، حتى بات منطق التوريث الحربي الظاهرة التي تشد انتباه العديد من المراقبين.

إن استمرار غياب المشاركة السياسية من قبل غالبية المواطنين يقتضي الإٍسراع بفتح نقاش جاد و مسؤول، و الإٍستماع إلى راي المواطن و إقناعه بالإنتماء الحزبي و المشاركة السياسية الذي هو جزء من الوطنية الحقة، فالحزب لا يمكنه بحال من الأحوال إلا أن يعبر عن تطلعات المواطن لا أن يجع المواطن وسيلة لتحقيق مصالح ضيقة.

الكرة الآن في ملعب الأحزاب التي من المفروض أن تعي مسؤولياتها التاريخية.

إن تقديم تزكيات العمليات الإنتخابية علينا أن تنظم بقانون على أساس معايير و عوامل تساعد بالفعل على تطوير الآلية الدستورية الجديدة، أما الإكتفاء برموز الفساد و الأعيان و أصحاب المال سيكون وبالا على الدستور و على الجهوية المتقدمة و على مستقبل المغرب الذي تحررت فيه المؤسسة المالية من مسؤوليتها و استجابت لبعض نقاط الشارع المغربي.

فهل نعيش إذا ثورة حزبية لمسايرة كل التطلعات ؟ ذلك ما ننتظره بشغف كبير. و نتمنى أن نرقى جميعا إلى المسؤولية.

  • خاص وجدة فيزيون

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة