دولة الحق والقانون ” بين اللصوص الكبار واللصوص الصغار”!!؟

مصطفى قشنني

الكاتب العام للفرع الجهوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، وجدة

يصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا سنويا يسوّد من خلاله بياض المئات من الصفحات تعكس الوضع المالي المتردي للعشرات من المؤسسات والإدارات والجماعات المحلية، يقوم بانجازه ( التقرير ) قضاة ماليون محلفون – ” حتى لا يرمى الباطل على أي أحد”- ناهيك على أن الإدارات والمؤسسات التي يشملها الافتحاص المالي هي نقطة من بحر إدارات ومؤسسات أخرى لم يشملها هذا الافتحاص والتي يوجد لدى بعضها سدا منيعا ضد أية محاسبة أو مراقبة، بمعنى أنها مؤسسات خارج تغطية المسؤولية، تغترف من المالية العامة دون أدنى حسيب أو رقيب وتبذر في المال العام ذات اليمين وذات الشمال.. بل هناك بعض الميزانيات لا تتاح لها الفرصة حتى المناقشة من قبل ممثلي الأمة وبالأحرى أن تطالها المراقبة…

نعم التقرير الذي يصدره المجلس الأعلى للحسابات سنويا يشكل في حدّ ذاته صك اتهام خطير للعديد من الوزارات والإدارات و الجماعات المحلية… مؤسّس على حجج دامغة، ينجزها خبراء ماليون وقضاة مشهود لهم بكفاءاتهم في المراقبة المالية.. تنفق عليهم الدولة الملايير لانجاز هذه التقارير والافتحاصات، كما أن المؤسسة التي يشتغلون تحت مظلتها، أي المجلس الأعلى للحسابات هو مؤسسة دستورية وليست مؤسسة أو هيئة دولية نشكك في أرقامها وترتيبها لوضعنا الدولي المحرج دائما!(…) المجلس الأعلى للحسابات يتهم مؤسسات بالسرقة وسوء التدبير والمبالغة في التبذير، ومع ذلك الكل يلتزم الصمت أو يتباهى بعدم الاكتراث بالجرائم التي تلحق بالمال العام ..والسؤال المطروح : إذا كانت التهم الموجهة إلى المؤسسات التي شملها التقرير لا أساس لها من الصحة، ومجرد تهم مجانية وباطلة، فما على هذه المؤسسات سوى أن ترفع دعاوى قضائية ضد المجلس الأعلى للحسابات وتتابع القضاة الذين دبّجوا التقرير المطرّز بالتهم الخطيرة، وعلى رأسهم أحمد الميداوي بالقذف والتشهير والمس وغيرها من التهم الجاهزة التي مع كل أسف لا تلصق ولا تلفق إلا للصحفيين (…)، أما إذا كان ما جاء في التقرير المذكور من معلومات وحقائق صادمة حقيقية فما على السلطات القضائية إلا أن تحرك مسطرة المتابعة في حق المتلاعبين بالمال العام وتحديد حجم مسؤولياتهم والعقوبات المستحقة في حقهم..إذا كنا نريد فعلا أن نخطو بهذا الوطن إلى الأمام (…) أما أن نستمر في سياسة اللاعقاب واللاحساب في حق المفسدين، ونضيف تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى تقارير لجان تقصي الحقائق في الملايير المنهوبة من صناديق القرض العقاري والسياحي والضمان الاجتماعي والقرض الفلاحي والبنك الشعبي والتكوين المهني، والخطوط الجوية المغربية ومطاحن المغرب وغيرها (…)، أعتقد أن جبالا من التقارير تحدد بكل وضوح أسماء وحجم الأموال المسروقة.. لكن من يحرك من؟ ومن يتهم من؟ ومن ينصف من؟ والكل في الهوا سوا كما يقال (…) لكن حين يتعلق الأمر بلصّ صغير اقترف سرقة ما لإسكات جوع بطنه فإن الآلة الأمنية والعدلية تقيمان الدنيا وتقعدانها، لإحقاق الحق وتكريس دولة الحق والقانون في اللصوص الصغار والمستضعفين… أما اللصوص الكبار فهم في منأى عن أية محاسبة أو متابعة بسبب الأمراض التي يعتصمون بها والتي تعفيهم من أية مسؤولية والشكر كل الشكر للسيد فرويد الذي سوَغ لهم قاموسا من العلل والأمراض والأعطاب النفسية يحتمون بها لرد ودفع المكروه عنهم فشكرا جزيلا لأمراض الكورساكوف والخرف وانكماش المخ (…).

إنها مشاهد سوريالية كنا نتوقع أنها أصبحت في طي الماضي السحيق، لكن وللأسف الشديد أصبحت وقائع بارزة ومعالم ثابتة ومسوغات محمودة فيما أصبح يصطلح عليه جزافا بالعهد الجديد..

وكل عهد وأنتم..

تعليقات الفيسبوك

تعليقات الموقع

  1. محمد

    المحاسبة اخر شيئ يمكن ان نتحدث عنه خصوصا في مدينة وجدة البقرة الحلوب التي يحلبها كل من هب ودب

  2. محمد / الناظور

    نشكر أولا أصحاب الموقع على جرأتهم الواضحة في مقالات عدة . بداية موفقة.
    نتمى من الصحافة الجهوية أن تبتعد نوعا ما عن الإثارة لفائدة مقالات و مواضيع ذات  قيمة كما هو الشأن بمقال السي قشنني .
    مقال في المستوى فمتى يتم متابعة كل المتورطين الذين تحدتت عنهم تقارير المجلس الاعلى للحسابات.
    غير أن الإستمرار في فضحهم ليس بالهين.
    شكرا و مزيدا من الـتألق.

  3. mohamad oujda

    alah aywafakom aala had amawkiaa aljayid ali yafdah achafara falblad ana kansawal ashab achaan alaam ali tkhashom halat lablad aalach nahdiw almaskin ali yadabaz aala alkhobz ri bach yakfi kot aayalo waykhaliw achafara lakbar yanahbo khirat lablad aalah had alhogra ali wsalnalha wash abrawalfatna lablad sidna mohamd 6 alah yanasro yaali falblad w homa achafara yhatmoha waynazloha lalhadid lahla aywafakhom walah yafdahhom

  4. محمد ابو عبد الرحمان

    شكرا لهذا الموقع الراقي والمتميز ولو انه لازال في البداية نتمنى له كامل التوفيق,,,مع متمنياتنا بادراج اقلام جادة وكتابات معقولة كما هو الشان بالنسبة لهذا المقال المنير والمنور للسيد قشنني الذي عودنا بالكتابات الجادة والهدفة وباسلوب راقي نتمنى التوفيق للجميع,,

  5. ابن البلد

    الكورساكوف والسوريالية وافكار ومصطاحات تجدني اضبفها لمعلوماتي كلما قرات مقالا للسيد قشنني,,,تحياتي له ولهذا المنبر الذي نتمنى له التوفيق

  6. محمد

    ياريتنا كل مرة نقرا مقالات وكتابات تفيد وتزيد اضافات لمعلوماتنا بافكار قوية واسلوب سهل ومتين شكرا لكاتب المقال وللموقع

  7. السغروشني

    تمنياتنا للموقع التوفيق مع متمنياتنا التركيز على الكتابات المفيدة والمهمة كما هو الشلن لهذا المقال شكرا

  8. عزيزي

    سعيد بان اتصفح مواقع مدينتي وجدة واقرا فيها مايفيد وما يعطيني قيمة اضافية شكرا لكاتب المقال وللموقع الذي اتنبأ له بالخير كلما استضاف كتاب مهمين من طينة السي قشنني

  9. عبد الناصر

    اي حق واي قانون فقط دولة التباهي والتلفزيون,،,ولايمكن التحدث عن دولة دون استقلال القضاء ودون وجود مؤسسة قضائية بعيدة عن الوصاية والسياسة والتسييس,,القضاء عندنا يعاني من الوصاية والوامر وازمة الضمير,,فلولا ازمة الضمير لكان القضاء مستقل بحيث للقاضي قانون واضح ومسطر ولو كانت السريرة نظيفة والبطن خاوي من النهب والسلب لما طبق القانون واصبح القضاء نظيف وبالتالي مستقل,,شكرا جزيلا لكاتب المقال على جرأته وشكرا للموقع,,

  10. عبد ه

    تحياتي للموقع مع الرجاء ادراج مواضيع مهمة وكتاب مرموقين ولهم وزن في الساحة الوجدية من خلال اقلامهم الجريئة,,تحياتي للسي قشنني صاخب القلم الجريئ والكتابات الهادفة